17 - 08 - 2026

رسالة دكتوراة تناقش التحيز فى خطاب "مواقع التواصل الاجتماعي" بالتطبيق على أزمة سد النهضة

رسالة دكتوراة تناقش التحيز فى خطاب

الدراسة توصي باستراتيجية قائمة على تقديم معلومات تفسر تطورات الأزمة بلغة واضحة ومحتوى متنوع يعكس وجهات النظر المختلفة لخلق حالة وعى بالأزمة

حصلت لميس النجار على درجة الدكتوراة فى الإعلام من قسم الصحافة والاعلام الرقمى بكلية الاعلام جامعة القاهرة بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بتبادل الرسالة بين الجامعات. الرسالة أعدت تحت إشراف د. سحر مصطفى الشاذلى - وكيلة الكلية للدراسات العليا والبحوث - و د. رنا سمير - المدرس بقسم الصحافة - وشارك فى المناقشة د. غادة اليمانى - أستاذ الصحافة - و د. عثمان فكرى - أستاذ الصحافة - بإعلام القاهرة.

قدمت الباحثة تفسيرا علميا متكاملا لآليات تشكل أنماط التحيز الرقمي وإعادة إنتاجها داخل الخطاب المنشور على منصة (إكس) بشأن أزمة سد النهضة، من خلال الكشف عن العلاقات المتبادلة بين بنية الخطاب، ودلالاته الثقافية، واستجاباته الانفعالية، وأنماط التفاعل الشبكي، وصولًا إلى بناء نموذج تفسيري يمكن الإفادة منه في دراسة التحيز الرقمي في القضايا والأزمات الاستراتيجية. واعتمدت الدراسة إطارًا نظريًا تكامليًا يجمع بين مدخل تحليل الخطاب ومدخل التحليل الثقافي، بما يتيح تفسيرًا متعدد المستويات لبناء المعنى وتشكل التحيز داخل البيئة الرقمية. كما اعتمدت منهجية تحليلية متعددة المستويات (Multi-level Analytical Approach)، تستند إلى مدخل هجين (Hybrid Approach) يجمع بين المعالجة الحاسوبية للبيانات والتحليل الكيفي، من خلال توظيف تحليل الخطاب، والتحليل الدلالي، وتحليل المشاعر، والتحليل الشبكي، بما يسمح بتفسير الظاهرة محل الدراسة بصورة أكثر شمولًا.

وتمثل مجتمع الدراسة في التغريدات المنشورة على منصة (إكس) والمرتبطة بأزمة سد النهضة خلال المراحل المختلفة للأزمة، بينما تمثلت العينة في (3535) تغريدة جُمعت وفق أسلوب العينة العمدية، بعد إخضاعها لعمليات المراجعة والتنقية واستبعاد المحتوى غير المرتبط بموضوع الدراسة، بما يضمن ملاءمة البيانات للتحليل وتحقيق أهداف الدراسة. وذلك خلال  فترات مراحل ملء سد النهضة، وذلك فى الفترة من 8 يونيو 2020 إلى 10 يناير 2023.

تكشف نتائج الدراسة أن الخطاب الرقمي المرتبط بأزمة سد النهضة لم يكن مجرد انعكاس للأحداث السياسية أو المائية، وإنما مثّل فضاءً تفاعليًا أعاد إنتاج الأزمة معرفيًا ورمزيًا، وأسهم في تشكيل إدراك الجمهور وتوجيه تفاعلاته عبر مراحل الأزمة المختلفة. وقد بينت نتائج التحليل المتكامل، الذي جمع بين التحليل الشبكي، والتحليل الدلالي، وتحليل المشاعر، وتحليل الخطاب، وأنماط التحيز، أن التحيز الرقمي لا يمثل ظاهرة عارضة، بل يعد سمة بنيوية تتشكل نتيجة التفاعل المستمر بين خصائص المجال العام الرقمي، والتحولات السياسية، والدوافع النفسية والاجتماعية للمستخدمين.

نتائج الدراسة

 توصلت الدراسة لعدة نتائج

أولًا: التحول الإدراكي للخطاب الرقمي في الأزمات الممتدة: أثبتت الدراسة أن الخطاب الرقمي يمر بتحولات إدراكية متتابعة، تبدأ بمرحلة الاستجابة الانفعالية التي يهيمن عليها خطاب الأمننة وتضخيم التهديد، ثم ينتقل إلى مرحلة إعادة بناء المعنى التي تتسم بإعادة تفسير الحدث وإعادة توزيع المسؤولية وتصاعد الاستقطاب، وصولًا إلى مرحلة إعادة الضبط الإدراكي التي تتراجع فيها حدة الخطاب الانفعالي لصالح مقاربات أكثر واقعية وتحليلًا. وقد مثلت الفجوة الإدراكية بين التوقعات الأولية والوقائع الفعلية الآلية المحركة لهذا التحول.

ثانيًا: البنية الشبكية للاستقطاب الرقمي: أظهر التحليل الشبكي أن الخطاب الرقمي اتسم بدرجة مرتفعة من الاستقطاب، مع بروز تجمعات اتصالية مغلقة عززت إعادة تداول السرديات داخل مجموعات متجانسة، بما أسهم في تكوين غرف صدى رقمية حدّت من تنوع النقاش العام وأضعفت فرص الحوار بين الاتجاهات المختلفة.

ثالثًا: الدور المحوري للتأطير اللغوي في تشكيل الإدراك: أوضحت الدراسة أن اللغة لم تؤد وظيفة وصفية فحسب، بل أسهمت في إعادة تأطير الأزمة، حيث انتقل الخطاب من معالجة القضية بوصفها نزاعًا فنيًا حول إدارة الموارد المائية إلى تأطيرها باعتبارها قضية ترتبط بالأمن القومي والهوية والوجود، وهو ما عزز حضور خطاب الأمننة في المراحل الأولى للأزمة

رابعًا: التحول في أنماط التحيز والخطاب: كشفت النتائج أن أنماط التحيز لم تكن ثابتة، بل أعادت تشكيل نفسها مع تطور الأزمة؛ إذ انتقلت من تحيزات يغلب عليها الطابع الانفعالي والتعبوي إلى تحيزات أكثر ارتباطًا بإعادة تفسير الوقائع وإدارة التداعيات، بما يعكس الطبيعة الديناميكية للخطاب الرقمي في الأزمات الممتدة.

خامسًا: الإسهام النظري للدراسة: تمثلت الإضافة العلمية الرئيسة للدراسة في تقديم نموذج التحول الإدراكي الرقمي للأزمات الممتدة، الذي يفسر التحولات التي يشهدها الخطاب الرقمي من خلال الربط بين تطور الحدث، والفجوة الإدراكية، وإعادة بناء المعنى، وتحول أنماط التحيز، وصولًا إلى إعادة الضبط الإدراكي. ويقدم هذا النموذج إطارًا نظريًا وتحليليًا يمكن الإفادة منه في دراسة أزمات استراتيجية أخرى تتسم بالاستمرارية والتعقيد.

وتخلص الدراسة إلى أن إدارة الخطاب الرقمي في الأزمات الممتدة لم تعد تقتصر على توفير المعلومات أو مواجهة المحتوى المضلل، وإنما أصبحت تتطلب استراتيجيات اتصالية تستهدف تقليص الفجوة الإدراكية، وتعزيز إعادة بناء المعنى، والحد من الاستقطاب، ودعم الانتقال التدريجي نحو إعادة الضبط الإدراكي. ومن ثم، فإن بناء مجال عام رقمي أكثر توازنًا يمثل أحد المتطلبات الأساسية لتعزيز قدرة المجتمعات على التعامل مع الأزمات الاستراتيجية بصورة أكثر وعيًا واستدامة.

قسمت الدراسة إلى خمسة فصول:  المقدمة المنهجية للدراسة، تناول الفصل الأول الإطار العام لأزمة سد النهضة و التغطية الإعلامية، والفصل الثاني الإطار النظري لتحليل الخطاب الإعلامي و الرقمي، واشتمل الفصل الثالث على الإطار التقني والقياس الرقمي (الأدوات التحليلية)، و الفصل الرابع التحليل التطبيقي "نتائج الدراسة"، وعرض الفصل الخامس النتائج العامة للدراسة ومناقشتها في ضوء المقارنة مع الدراسات السابقة والأهداف والإطار النظري.

وأوصت الدراسة بضرورة  تبني استراتيجية اتصال استباقية قائمة على تقليص الفجوة الإدراكية، من خلال تقديم معلومات دورية ومحدثة تفسر تطورات الأزمة بلغة واضحة ومبسطة، بما يقلل من الفجوة بين الوقائع المادية وإدراك الجمهور، ويحد من انتقال الخطاب إلى أنماط الاستجابة الانفعالية، و تطوير برامج بحثية متخصصة في دراسة التحول الإدراكي للخطاب الرقمي، والاستفادة من النموذج التفسيري المقترح في تحليل أزمات ممتدة أخرى، بما يسهم في اختبار قابليته للتطبيق في سياقات سياسية واجتماعية مختلفة.، بالإضافة إلى دعم تطوير آليات التوصية الرقمية بما يسهم في الحد من تأثير غرف الصدى (Echo Chambers) وتقليل الاستقطاب المعلوماتي، من خلال تعزيز فرص تعرض المستخدمين لمحتوى متنوع يعكس وجهات نظر متعددة، بما يساعد على بناء فهم أكثر توازنًا للقضايا محل النقاش