17 - 08 - 2026

إبداعات | «جنس منزلي للهواة" .. قصة قصيرة

إبداعات | «جنس منزلي للهواة

عقد قرانه في احتفال بسيط، سادته الأجواء العائلية، بعيدًا عن الصخب والمبالغة. أنهى المأذون مراسم العقد، ووقّع الجميع، ثم انصرف المدعوون بهدوء من منزل والد العروس، تاركين للعروسين وقتًا كافيًا للتعارف.

كان زواجًا تقليديًا، زواج صالونات تم على عجل. لم يكن لديه وقت للتريث؛ إذ لم يحتمل الفراش البارد أكثر من ثلاثة أشهر بعد طلاقه من زوجته الأولى. كانت طليقته امرأة ساخنة، وكذلك رأى وتوسّم في العروس.

هي مطلقة منذ أربع سنوات. طليقها تزوج وأنجب، بينما بقيت هي تنتظر النصيب. جاءها بعض الخُطّاب، لكنها رفضتهم؛ لأنها كانت تبحث عن رجل يمتلك أمره، قويًا بما يكفي ليحتويها، ورجوليًا بما يكفي ليشبعها، والأهم أنه قادر على فتح بيت.

التقت رغباتهما في إنهاء الأمر سريعًا. وبعد أن تم العرض وقُبل الطلب، أصبحا زوجين بعقد شرعي، على أن يكون الزفاف آخر أيام الأسبوع التالي.

جلسا إلى المائدة لتناول العشاء. كانت وليمة كبيرة أُعدّت خصيصًا للاحتفاء به.

أصبحا الآن زوجين، ولا مجال للتردد. كانت كلماتهما قليلة ومقتضبة، مجرد تعليقات عابرة عن الطعام، لكن الصمت بينهما كان مشحونًا، وكأنهما يستعدان لامتحان لم يتفقا على قواعده بعد. كان كلٌّ منهما يزن الآخر ويقيّمه كشريك جنسي قادم، بينما يحاول أن يفرض حضوره في هذا الصمت المشحون بالرغبة.

بعد العشاء، استأذن والد العروس لينصرف إلى النوم بحجة استيقاظه المبكر للعمل، وسحب زوجته معه، لكن الوحدة لم تكن مطلقة؛ فلا باب عليهما يُغلق، وقد بقي الأخ الصغير كحارس تقليدي، يجسّد الرقابة العائلية، ويذكّرهما بوجود حدود لا يمكن تجاوزها قبل إشهار الزواج بالزفاف. عندها فقط سيبدأ فصل جديد في حياتهما، داخل بيت الزوجية، حيث تبدأ الوعود بالتحقق... أو التلاشي.

كان جائعًا بعد أن دخّن سيجارتين من الحشيش في طريقه إليها. أكل بشراهة، بينما بالكاد تذوقت الطعام. لاحظت حالته دون أن تعلق، بل ابتسمت له بكرم، وكأنها تطمئنه بأنها تعرف... وتتفهم.

فرغا من الطعام، وساد صمت ثقيل. جلست على طرف الأريكة، ظهرها مستقيم، تنتظر أن يقترب أكثر، بينما جلس هو على الطرف الآخر. كان الأخ الصغير جالسًا على كرسي في زاوية الغرفة، يراقب ويترقب ضبط العفة الغائبة.

— «تشرب شاي؟ قهوة؟ عصير؟» سألت.

كان قد شرب كل شيء بالفعل، ودخّن بشراهة. هزّ رأسه بخفة، وقال بصوت منخفض ونظرة ذات مغزى:

— «أي شيء، على شرط أن يصنعه أخوكِ.»

فلتت منها ضحكة رائقة، واندفعت إلى المطبخ. عادت بدورق كبير وثلاثة كؤوس.

عاد الصمت. كان بإمكانهما سماع صوت عقارب الساعة، وصوت أخيها الصغير وهو يمضغ العلكة بلا اكتراث، بينما يتفحص شاشة هاتفه.

— «أنت تدخن بشراهة، لا أحب رائحة الدخان»، قالت محذرة، وابتسمت بدلال.

كان يدخن ليخفف من توتره. لم يكترث بانتقادها؛ كان يعلم أنها تكذب. تعمّد التدخين في أول جلسة للرؤية الشرعية، ولو كانت ترفضه فعلًا، لرفضت الزواج منه من البداية. لم يكن في مزاج يسمح له بمحاولات الترويض المبكرة.

— «إن كان الأمر كذلك، كان عليكِ رفض الارتباط بمدخن»، قال بهدوء، ثم تابع، كأنه يريد أن يقطع عليها الطريق:

«لا أحب النصائح، وتثيرني لفافة تبغ في شفاه أي غانية. أحب أن تشاركني امرأتي بعض عاداتي السيئة.»

مصدومة، سألته:

— «تعرف غوان؟»

— «تزوجتك لأعرفهن»، قال ضاحكًا.

لمعت عيناها بمكر:

— «ربما أجرب يومًا، لكن ليس الآن.»

غادر الأخ الغرفة إلى الحمام. تنفّس الصعداء أخيرًا. اقترب قليلًا منها. همست بصوت خافت:

— «أنت متعجل جدًا، أعطني فرصة للتدلل... أنا بحاجة إلى الحنان.»

أثار تعليقها حفيظته؛ كل امرأة منافرة تدّعي أنها بحاجة إلى الحنان. قال بخفوت، وكأنه يحدث نفسه:

— «ليس لدينا وقت، أضعنا الكثير من العمر.»

— «كنت أنتظر الحلال لأفعل لرجلي كل ما يشتهي»، قالت، وخفضت رأسها في حياء.

بداية مشجعة. أومأ بتفهم. قالت:

— «ما زلت لا أعرفك.»

— «تعالَ لنتعارف.»

اقترب وضمها إلى صدره. استكانت في هدوء، لكن لم يفته أنها تراقب عودة الأخ بأعين منتبهة.

عاد الأخ، فانفصلا وابتعدا قليلًا. رأى في عينيها دعوة سافرة حلّت محل نظرة الحياء. راقب الأخ بطرف عينيه، فوجده لاهيًا في هاتفه. اقترب منها، فدنت حتى تلامست أطرافهما. ارتعش كمن مسّه تيار كهربائي، أقترب أكثر، تراجعت قليلًا. قال:

— «أخبريني... ما الذي أعجبك فيّ، وجعلك توافقين عليّ فورًا؟»

ابتسمت، داعبت أنفه بأنفها، وهي تلفحه بأنفاسها الحارة:

— «صلّيت استخارة، فهداني الله إلى القبول.»

ثم تابعت:

— «لكن قل لي أنت أولًا... سمعت أنك رأيت أكثر من واحدة، ورغم قبولهن المبدئي، كنت أنت من ينسحب، بلباقة أو حتى بدونها. بالمناسبة، طليقتك أرسلت لي محذرةً إياي منك.»

نظر في عينيها، واستنشق أنفاسها، وقارنها بأنفاس طليقته، تساءل عن مذاقها، شعر بإحباط خفي، لكنه لم يُظهره. قال:

— «رشحك لي من أثق به، وقد رأيت فيك أنثاي. لا تسمعي في رجل من امرأة تركها.»

لم تجب. لم يعد يراقب الأخ، معتمدًا على أنها هي من تتولى المراقبة. همس:

— «لن يكون الأمر سهلًا، أليس كذلك؟»

ثم نظر في ساعته متعجلًا.

نظرت إلى أخيها، ثم قالت، برغبة حقيقية في بقائه:

— «انتظر، سينام... أو ينصرف في شأنه.»

تجاوزت الساعة منتصف الليل. وكان عليه كأي ضيف محترم المغادرة الآن.

قامت تودّعه إلى الباب، لكنهما وقفا ساعة أخرى يتهامسان. تبادلا قبلا خاطفة؛ هي من داخل الشقة، وهو من خارج الباب. وقبل أن يغادر، قبّلها قبلة عميقة. استسلمت، ثم دفعته برفق وأغلقت الباب.

جلس في سيارته أمام المنزل الذي يقطنه، أنفاسه ثقيلة بعد سهرة عقد القران، التي انتهت بانسحاب مبكر غير مُرضٍ. تساءل:

— «كيف لعلاقة بدأت هكذا أن تنجح؟»

إن الحاجة إلى الجنس دفعته إلى هذا الزواج السريع، وإن كانت هناك رغبة حقيقية في الاستقرار الأسري مع بنت الحلال.

ابتسم ساخرًا من سذاجة السؤال. أكثر العلاقات نجاحًا هي تلك التي تقوم على الصراحة والمصلحة المتبادلة: الأخذ والعطاء، الحقوق والواجبات، تلبية حاجة الشريك ببساطة، وإمتاعه. هذه هي فلسفة الزواج الناجح.

لقد فشل في زيجته الأولى لأنه صدّق كلمات مثل: «أحبك وسأجعلك أسعد رجل في العالم.» وردّد كلمات مثل: «سأموت بدونك.»

لكنها جعلته أتعس رجل في العالم، وهو طلّقها... ولا يزال حيًا يرزق!

أي امرأة يمكن أن يقضي منها وطره، فلا شيء يميز واحدة عن الأخرى. المهم أن تحفظ بيته، ولا تجعل من سيرته مضغة للألسنة.

فهل أحسن الاختيار هذه المرة؟

أخذه السؤال وارتجّ عليه. حتى حين فتح باب شقته، لم ينتبه في البداية إلى الرائحة.

رائحة قديمة.

عطرها الذي كان يشتريه بنفسه.

قفزت عيناه إلى الداخل. رأى الضوء الخافت القادم من غرفة النوم.

رآها.

طليقته، راقدة على سريره، كأنها لم ترحل يومًا.

لم يغيّر الكالون بعد الطلاق، ولا تزال تحتفظ بمفتاح.

كانت ترتدي قميصًا أبيض رقيقًا، مصنوعًا ليبرز تفاصيل معينة. تعرف ذوقه. نهضت حين رأته، بعينين مشبعتين بالدموع، وابتسامة حزينة بدت وكأنها وُجدت خصيصًا لتربكه. نهضت ببطء، وفي يدها هاتفها، أطفأته بسرعة حين دخل.

— «ما الذي تفعلينه هنا؟» سألها بحدة.

قالت بصوت مبحوح:

— «أحبك.»

كان الحب بالنسبة لها كشعرة معاوية؛ تُعلّقها بينهما دائمًا، ثم تشدّها حتى تنقطع. كانت تغزل حوله شبكة من الشك والغيرة والمطالب، وتضغط عليه حتى يختنق، ثم تلومه لأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال.

اختنق، فطلّقها، ووفّى لها. لم يكن بينهما أطفال.

اتصلت به، وحاولت استسماحه في الرجوع، وأرسلت كثيرين لمحاولة الإصلاح، لكنه فقد الثقة في إمكانية تقويمها.

عندما كان يتدخل الأهل، أشقاؤها لا يخطئونها أبدًا؛ هي دائمًا على صواب، وهو المخطئ حتى لو لم يفعل شيئًا. لهذا عرف أنه لن يُمنح معها فرصة عادلة أبدًا.

نظرت إليه نظرة يعرفها جيدًا، نظرة كانت تذيب كبرياءه في الماضي وتجرّده من أي مقاومة. اقتربت أكثر، ورائحة عطرها كانت توقظ ذكريات حاول طمرها.

لمسته.

لم تكن مجرد لمسة، بل عودة لكل ما حاول نسيانه.

أمسكت يده، رفعتها إلى شفتيها، وقبّلت أصابعه ببطء، ثم همهمت:

— «أنت لي.»

قالتها كأنها تنطق وعدًا، لا اعترافًا ولا اعتذارًا.

للحظة، شعر بأنه يسمع صدى كلماتها في رأسه، لكنها لم تكن بنفس الصوت. كانت تبدو وكأنها قيلت من قبل، في مكان آخر، بطريقة أخرى.

سحب يده، لكنها لم تتركه تمامًا.

التقت شفاههما في لحظة بلا منطق. كأنهما يحاولان استعادة شيء فقد منذ زمن.

استسلما للحظة، فتلاشى ما حولهما، وعادت الرغبة لتأخذ مكانها القديم. تداخلت أنفاسهما، وتحرك جسداهما في إيقاعهما المحفوظ، كأن الطلاق لم يكن سوى استراحة.

لمح عينيها زائغتين، تتفحصان زاوية الغرفة بنظرة خاطفة، كأنها تبحث عن شيء. لم يُعر الأمر اهتمامًا. ظنها لحظة ضعف تجاه ذكرى، لكنه شعر بشيء ينغزه في أعماقه، شك لم يهضمه.

عندما انتهت اللحظة، استلقى بجانبها على السرير. أشعل سيجارة، محاولًا إخفاء القلق الذي تسلل إليه رغمًا عنه. كانت تنظر إليه في صمت.

— «ألم تملّ من العودة إلى الماضي؟» همس بصوت منخفض.

— «وأنت، ألم تملّ من الهروب منه؟» ردّت بخفوت.

أدار وجهه بعيدًا:

— «كل شيء تغيّر. الليلة... عقدت قراني.»

تجمّدت. شدّت السيجارة من يده، وسحبت الدخان بعمق، ثم قالت بلهجة آمرة، متوترة:

— «طلّقها.»

نظر إليها ببرود، وقال بثبات:

— «أحبها.»

قالها بتحدٍّ واثق، لكن في أعماقه كان يعلم أنها كذبة.

فطنت لنبرته، فلانت ملامحها وعادت إلى رقتها المستجدية:

— «عُد إليّ، لن تأخذك امرأة أخرى. إن لم تكن لي... لن تكون لغيري.»

— «كل وعودك كاذبة.»

— «أعطني فرصة أخيرة.»

قال بحدة، وكأنه يحاول أن يثبّت نفسه أمامها:

— «افهمي... لا أثق بك.»

أومأت برأسها ببطء. ثم فجأة، انقلبت عليه واعتلت جسده. انحنت، مالت، قبّلت، ثم فحّت في أذنه:

— «هل تعتقد أن أي امرأة يمكن أن تعطيك ما أعطيه؟»

راقب دخان سيجارته يتلوى في الهواء. لا تزال رائحتها قادرة على أن تُحدث فيه ارتعاشة، لكنها تثير أيضًا الخوف؛ خوف السقوط مجددًا في حفرة نجح بشق الأنفس في الخروج منها.

التفت إليها. كانت تنظر إليه نظرة تشبه الاعتذار، لكنه يعرف أنها ليست كذلك. ربما كانت تحديًا، أو حتى خدعة؛ لا فرق.

مدّ يده إليها، لكنه توقف عند منتصف الطريق. ابتسمت، وكأنها تعلم أنه لن يستطيع المقاومة طويلًا. لكنه خيّب ظنها، تمامًا كما خيّب هو ظنه بنفسه من قبل.

لحظة من التردد.

ثم دفعها بعيدًا عنه.

كانت ثقيلة؛ ثقل الخسائر التي لم يعد مستعدًا لتحمل كلفتها.

قال:

— «كل النساء تعطي إن أخذت، أنتِ فقط من تعتبرين نفسك استثناء.»

قالها ونهض فجأة، وأطفأ سيجارته بعصبية.

— «كان عليكِ ألا تعودي.»

ارتدى قميصه، واتجه إلى الباب.

— «إلى أين؟» سألته، وكأنها واثقة من أنه سيعود إليها بعد لحظات.

— «سأغادر حتى تخرجي. إن عدت ووجدتك هنا، سأعيدك إلى أهلك، بكل ما تحملين.»

قالها دون أن يلتفت.

تركها خلفه، مستلقية على سريره، في المكان الذي كان يجب أن يكون محجوزًا لعروسه الجديدة. لكنه الآن، وبعد هذه الليلة الطويلة، لم يعد متأكدًا لمن ينتمي ذلك السرير.

عاد، لم يجدها. بدا أن التهديد أدى غرضه. دخل وأغلق الباب وشدّ المزلاج، وألقى بجسده المنهك على الفراش، ونام.

ثم جاء الطرق على الباب.

لم يكن مجرد طرق... كان تحطيمًا!

تهاوى الباب، واندفع أشقاؤها إلى الداخل.

لم يمهلوه.

صرخة واحدة، ثم سكين اخترق صدره.

سقط على الأرض ببطء، وهو يراها من بعيد. كانت تقف خلفهم، يدها على فمها، تبكي بحرقة.

لكن عينيها... عينيها لم تكونا تبكيان.

في المحكمة، قالت بصوت امراة مكسورة:

— «كنتُ امرأة في فراش زوجها، لم أكن أعلم أنه يصور لقاءنا.»

انتهى الأمر.

أشقاؤها حصلوا على أحكام مخففة... «جريمة شرف».

أما هو، فقد أصبح مجرد خبر صغير في صفحة الحوادث:

— «يقتلون طليق شقيقتهم انتقامًا، لتسريبه ڤيديو إباحي لها على موقع: "جنس منزلي للهواة".»

"تمت"

-----------------------------
بقلم: محمد رحيم