ثمة لحظات في عمر الدول لا يكون التغيير فيها مجرد تبديل أسماء أو إعادة ترتيب للمقاعد، وإنما يتحول إلى محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة نفسها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الحديث عن «الحقبة الثانية من الجمهورية الجديدة» باعتباره سؤالًا يتجاوز حدود التعديل الوزاري أو تغيير بعض المؤسسات، إلى سؤال أكبر: هل نحن أمام مرحلة جديدة تستدعي إعادة النظر في شكل الدولة وأدوات إدارتها للمجتمع والسياسة؟
البداية الطبيعية في مثل هذه المرحلة قد تكون تغيير الحكومة، ليس باعتباره إجراءً شكليًا، وإنما باعتباره رسالة سياسية وإدارية بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات مختلفة، وأولويات جديدة، ووجوه قادرة على التعامل مع تحديات أكثر تعقيدًا. فالحكومة ليست مجرد جهاز تنفيذي، بل هي الواجهة اليومية للدولة أمام المواطن، ومن خلالها يُقاس نجاح السياسات العامة وقدرتها على تحويل الأهداف إلى نتائج يشعر بها الناس.
لكن تغيير الحكومة، مهما كان واسعًا، لن يكون كافيًا إذا لم يصاحبه نقاش أعمق حول الإطار الدستوري الذي يحكم المرحلة. وهنا يأتي الحديث عن تعديل الدستور باعتباره خطوة شديدة الحساسية، لا ينبغي التعامل معها بمنطق الإجراءات فقط، وإنما باعتبارها عقدًا سياسيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع. فالدساتير لا تُعدّل لأن الزمن تغيّر فحسب، وإنما عندما تصبح هناك حاجة حقيقية إلى تطوير قواعد الحكم، وضمانات المشاركة، وتوزيع الاختصاصات بما يتلاءم مع المتغيرات التي طرأت على الدولة والمجتمع.
ومن هذا الباب يبرز أيضًا الطرح المتعلق بحل مجلسي النواب والشيوخ وإعادة تشكيل الحياة النيابية. وهي خطوة، إن طُرحت رسميًا، يجب ألا تُفهم باعتبارها نهاية للمؤسسة التشريعية، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة تقييم التجربة البرلمانية نفسها: ماذا حققت؟ وأين أخفقت؟ وهل نجحت في تمثيل المجتمع بالقدر الكافي؟ وهل تحتاج قواعد اختيار النواب إلى تطوير، وتعديل نظام القوائم، بما يضمن برلمانًا أكثر تعبيرًا عن الناس، وأكثر قدرة على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي؟
أما العمل الحزبي، فهو ربما الحلقة الأكثر احتياجًا إلى المراجعة. فالحياة السياسية لا يمكن أن تستقيم بوجود أحزاب على الورق فقط. الحزب الحقيقي هو الذي يمتلك رؤية وبرنامجًا وكوادر وقواعد شعبية، ويستطيع أن يخوض الانتخابات على أساس سياسي، لا على أساس الأشخاص والتحالفات المؤقتة.
ومن هنا، فإن الحديث عن تجميد الأحزاب وإعادة تشكيل العمل الحزبي يجب أن يتحول من فكرة إدارية إلى مشروع سياسي متكامل. والمطلوب ليس إغلاق المجال العام، بل العكس تمامًا: خلق حياة حزبية أكثر حيوية، تسمح بالمنافسة، وتنتج قيادات جديدة، وتمنح المواطن بدائل سياسية حقيقية. فالجمهورية الجديدة لا تكتمل بالمشروعات والطرق والمدن فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى جمهورية جديدة في الوعي السياسي.
وفي السياق نفسه، تبدو المجالس المحلية بحاجة إلى إعادة نظر. فقد أثبتت التجربة أن الإدارة المحلية لا يمكن أن تكون مجرد طبقة بيروقراطية بين المواطن والدولة. والمطلوب منظومة جديدة تجعل القرار أقرب إلى الناس، وتمنح المحليات أدوات حقيقية للتعامل مع مشكلات الشارع، مع رقابة ومساءلة تمنع تحول اللامركزية إلى فوضى أو نفوذ محلي مغلق.
ويبقى السؤال الأكبر متعلقًا بالسياسات العامة للدولة. فكل إعادة تشكيل للمؤسسات لا تكتسب معناها إلا إذا انعكست على طريقة صناعة القرار نفسها. والمرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسات تقيس النجاح بما تحققه للمواطن، لا بما تنفقه الدولة أو تعلنه من مشروعات. فالاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والإدارة الحكومية؛ كلها ملفات تحتاج إلى مراجعة مستمرة، لأن ما كان مناسبًا لمرحلة قد لا يكون صالحًا لمرحلة أخرى.
وهنا تكمن أهمية الحديث عن «الحقبة الثانية». فالمقصود الحقيقي ليس تغيير الأشخاص بقدر ما هو تغيير قواعد التفكير. فالجمهورية الجديدة التي بدأت بالبنية الأساسية والعمران وإعادة بناء قدرات الدولة، قد تدخل الآن مرحلة اختبار مختلفة: كيف تتحول القوة المؤسسية إلى حياة سياسية أكثر نضجًا، واقتصاد أكثر كفاءة، وإدارة أكثر قربًا من المواطن؟
إذا كان هذا هو الاتجاه فعلًا، فإن التحدي الأكبر لن يكون في حجم القرارات، وإنما في قدرتها على إنتاج دولة أكثر كفاءة ومجتمع أكثر مشاركة. فالانتقال من حقبة إلى أخرى لا يُقاس بعدد المؤسسات التي تغيرت، وإنما بمدى شعور المواطن بأن الدولة تغيرت معه ومن أجله.
وهذه، في النهاية، هي المعادلة الأصعب والأهم: أن تكون الجمهورية الجديدة جديدة بالفعل، لا فقط في الاسم، وإنما في طريقة إدارة الدولة وعلاقتها بالمواطن.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






