ليس المطلوب اليوم أن ينتصر النظام على الإخوان، ولا أن ينتقم الإخوان من النظام؛ فقد أخذ هذا الصراع من مصر، خلال عقود طويلة، أكثر مما أعطاها، واستنزف من طاقة الدولة والمجتمع ما يكفي لكي ندرك أن استمرار الثنائية لم يعد حلًا لمشكلة، وإنما أصبح جزءًا منها.
المطلوب الآن أن تخرج مصر من أسر هذه الثنائية إلى أفق أرحب. فكيف يكون الخروج من هنا؟
هذا ليس سؤالًا نظريًا، ولا محاولة لإعادة قراءة الماضي، وإنما هو واجب الوقت أمام القوى الوطنية والمدنية، وأمام كل القوى الساعية إلى التغيير؛ لأن استمرار مصر داخل معادلة طرفين يعني أن مستقبلها سيظل مرهونًا بصراعهما، حتى عندما يتغير شكل الصراع أو تتبدل أدواته.
مصر ليست هذه الثنائية، ولا ينبغي أن يكون مستقبلها امتدادًا لها.
وأول ما يجب التأكيد عليه هنا أن كسر الثنائية لا يعني التوفيق بين طرفيها. ينبغي أن نكون واضحين منذ البداية: الخروج من الثنائية لا يعني المصالحة بين النظام والإخوان، ولا عقد صفقة سياسية، ولا البحث عن نقطة وسط بينهما، ولا استبدال طرف بآخر.
كل ذلك يبقي مصر داخل المنطق نفسه. المطلوب هو تغيير المعادلة ذاتها.
أن يصبح النظام طرفًا في السياسة، وليس مهيمنًا عليها.
وشرط أن يصبح الإخوان طرفًا إذا اختاروا العمل السياسي السلمي وقبلوا بقواعد الدولة والمواطنة، وعدم التمييز بين المواطنين.
والشرط العام الذي يشملهما معًا : ألا يكون أي منهما هو السياسة كلها، وألا يكون المجتمع مجرد جمهور يتابع الصراع أو يُطلب منه أن يختار بين خوفين.
كسر الثنائية يعني أن يصبح هناك مجال سياسي وطني ومدني أوسع من الطرفين، قادر على أن يقول إن مصر لا تُختزل في النظام، كما لا تُختزل في الإخوان.
وهنا تبدأ المهمة.
القوى الوطنية الساعية إلى التغيير أمام مسؤولية لا يجوز تأجيلها، مهمة بناء مساحة سياسية مستقلة عن الثنائية.
لا نتحدث هنا بالضرورة عن حزب جديد، ولا عن جبهة معارضة بالمعنى التقليدي، ولا عن تجمع مؤقت يجتمع حول رفض طرف ثم يتفرق بعد ذلك.
نحن نتحدث عن بناء مساحة تستطيع أن تجمع المختلفين حول ما هو أكبر من خلافاتهم أن يجتمعوا على انقاذ مصر.
مساحة تضم القوى المدنية والوطنية، والنقابات والاتحادات والمجتمعات المهنية والثقافية، والشباب والمثقفين، وكل من يؤمن بالتغيير السلمي، وبالدولة المدنية الحديثة، وسيادة القانون، والتعددية، والمواطنة، ورفض التمييز.
ولا يشترط في هذه المساحة أن يتفق الجميع على الاقتصاد أو شكل النظام السياسي أو التفاصيل الاجتماعية. المطلوب أولًا هو الاتفاق على حد أدنى وطني يجعل الاختلاف ممكنًا وآمنًا.
ولابد أن يتضمن هذا الحد الأدنى الوطني وحدة الموقف من الكيان الصهيوني، باعتبار أن الموقف من القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن يكون خارج تعريف المشروع الوطني نفسه.
دولة مدنية، ومواطنة متساوية، وسيادة القانون، واحترام الدستور، واستقلال القضاء، وحرية التعبير والتنظيم، والتداول السلمي للسلطة، ورفض العنف والإقصاء، ووضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والأيديولوجية.
هذه ليست نهاية السياسة؛ إنها الشرط الذي يجعل السياسة ممكنة.
المجتمع هو الطرف الذي ينبغي أن يعود، وهذا أهم ما ينبغي أن تفعله القوى الساعية إلى كسر الثنائية هو أن تعيد المجتمع إلى قلب السياسة.
استطاعت الثنائية أن تستمر طويلًا لأن المجتمع ظل، في مراحل كثيرة، متلقيًا للصراع أكثر مما كان شريكًا في صناعة السياسة.
الدولة تتحدث باسمه، والجماعة تتحدث باسمه، والقوى السياسية تتحدث باسمه، بينما يظل هو في النهاية خارج عملية إنتاج القرار.
وهذا لا يمكن أن يستمر إذا أردنا مستقبلًا مختلفًا.
المطلوب ليس أن يتحول كل مواطن إلى ناشط سياسي، وإنما أن تستعيد المجتمعات المهنية والنقابية والثقافية والشبابية قدرتها على التعبير والتنظيم والعمل العام، وأن تصبح للمواطن مساحات شرعية وسلمية للدفاع عن مصالحه ومناقشة قضايا بلده والتأثير في السياسات التي تمس حياته.
حين يصبح المجتمع منظمًا وقادرًا على التعبير عن نفسه، تفقد الثنائية احتكارها للمشهد.
وهنا تحديدًا يصبح المجتمع هو القوة الحقيقية، لا باعتباره طرفًا جديدًا في صراع قديم، وإنما باعتباره صاحب المصلحة الأصلية في إنهاء الصراع القديم.
بناء المساحة الوطنية يحتاج إلى خطاب يخرج من الخوف فلن يكون ممكنًا بالخطاب الذي أنتجته الثنائية نفسها.
فالخطاب الذي يخاطب المصريين بالخوف من الإخوان، والخطاب الذي يخاطبهم بالغضب من الدولة، كلاهما يبقي المواطن أسير المعادلة.
نحتاج إلى خطاب جديد يقول ببساطة ووضوح إن مصر ليست ملكًا لأي طرف.
لا نريد دولة تخاف من مجتمعها، ولا مجتمعًا يخاف من دولته.
ولا نريد جماعة تقدم نفسها باعتبارها البديل والحل الذي لا بديل ولا حل غيره، ولا سلطة تقدم نفسها باعتبارها الحاجز الوحيد أمام الفوضى.
لا بديل بلا مشروع، هكذا قالت لنا التجارب: القوى التي تريد كسر الثنائية لا تستطيع أن تظل في موقع النقد والانتظار.
لا يكفي أن تقول ما الذي ترفضه، بل يجب أن تقول بوضوح ما الذي تريد بناءه.
وهذا هو أهم ما ينبغي على الساعين إلى التغيير أن يدركوه ويتعلموه ويحرصوا عليه.
الناس لن تتخلى عن خوف قديم من أجل فراغ، ولن تترك معادلة مألوفة من أجل وعود عامة.
البديل يحتاج إلى مشروع لمصر: مشروع اقتصادي يواجه أزمة الديون ويعيد ترتيب الأولويات، ومشروع اجتماعي يعيد الاعتبار للعدالة وتكافؤ الفرص، ومشروع للتعليم والصحة، وإدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أقوى، وعدالة أكثر استقلالًا، ومجال عام أكثر انفتاحًا، وسياسة خارجية تحمي المصالح المصرية وتستعيد القدرة على المبادرة.
ليس المطلوب أن تقدم هذه القوى منذ اللحظة الأولى برنامجًا تفصيليًا لكل شيء، وإنما أن يكون لديها تصور واضح لمصر التي تريد الوصول إليها.
البديل الذي لا يستطيع أن يقول ماذا سيفعل غدًا، لن يستطيع إقناع الناس بأنه قادر على تغيير اليوم.
وهنا نصل إلى المعضلة الأصعب.
لقد عرفت مصر تجارب كثيرة اجتمعت فيها القوى المختلفة في لحظة الخطر، ثم تفرقت عندما بدأ العمل الحقيقي.
نجحت القوى السياسية في الاتفاق على ما ترفضه، لكنها كثيرًا ما فشلت في الاتفاق على ما تريد بناءه.
ولهذا فإن المطلوب هذه المرة ليس مجرد تجمع جديد، وإنما قدرة مستدامة على العمل المشترك.
آليات للتنسيق، وقواعد واضحة، وتقسيم للعمل، ولجان متخصصة، وقيادات جماعية، وتمويل شفاف، وإعلام قادر على مخاطبة المجتمع، وآليات تمنع الشخصنة والانقسامات الأيديولوجية من إعادة إنتاج التجارب القديمة.
والأهم: أن تتعلم هذه القوى كيف تختلف من دون أن تتحول اختلافاتها إلى خصومات، وكيف تتنافس من دون أن تهدم المجال الذي تتنافس داخله.
مرة أخرى الهدف ليس إنشاء معارضة تنتظر دورها في الثنائية، وإنما بناء قوة وطنية ومدنية تستطيع أن تجعل الثنائية نفسها غير صالحة للحكم على مستقبل مصر.
قد يبدو هذا الطريق طويلًا، وربما أكثر صعوبة من أي طريق آخر.
لكن البدائل السياسية الكبرى لا تظهر مكتملة. تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى توافق، ثم إلى عمل منظم، ثم إلى قوة اجتماعية قادرة على فرض نفسها في المجال العام.
ولهذا فإن واجب الوقت ليس أن ننتظر لحظة تنتهي فيها الثنائية من تلقاء نفسها.
واجب الوقت أن نعمل على جعل استمرارها مستحيلًا.
لا بجمع الناس ضد النظام، ولا بجمعهم ضد الإخوان، ولا بانتظار أن يهزم أحدهما الآخر، بل ببناء شيء أكبر منهما معًا.
قوة وطنية تؤمن بالدولة من دون أن تجعل الدولة فوق المجتمع، وتؤمن بالمجتمع من دون أن تحوله إلى فوضى، وتؤمن بالتغيير من دون عنف، وبالمعارضة من دون هدم، وبالدولة المدنية من دون إقصاء، وبالتعددية من دون تفتيت.
عندها فقط يصبح الخروج من الثنائية ممكنًا.
الثنائية لن تنتهي حين ينتصر طرف على طرف، وإنما حين يفقد الطرفان القدرة على اختزال مصر في صراعهما.
مصر لا تحتاج إلى طرف ثالث؛ مصر تحتاج إلى مجال وطني أوسع من الثنائية.
مجال يستعيد فيه المجتمع حضوره، وتستعيد فيه السياسة معناها، وتصبح الدولة مؤسسة للمصريين جميعًا، ويصبح الاختلاف وسيلة لإثراء المستقبل لا ذريعة لإغلاقه.
المعركة الحقيقية ليست على من يرث الماضي. المعركة على من يصنع المستقبل.
ومصر المستقبل لن تُبنى بإعادة إنتاج الثنائية، وإنما بالخروج من أسرها.
------------------------------------
بقلم: محمد حماد






