24 - 08 - 2026

هل ولًى زمن المقاومة؟

هل ولًى زمن المقاومة؟

يُعد القرن العشرون أكثر فترات التاريخ الحافلة بحركات التمرد الثورية والمقاومة المسلحة والسلمية. شهد ذاك القرن منذ بداياته عددا من الثورات الكبرى في التاريخ كله وهي الثورة الروسية وثورة الهند السلمية والثورة الصينية، بجانب عدد من الثورات المهمة المؤثرة في أقاليمها وفي حركات التحرر في دول القارات التي عانت من الاستعمار لقرون طويلة. كان ذلك القرن، قرن الشعوب التي قالت لا. 

قالت لا.. للإمبراطوريات، للاحتلال، للحكم المفروض عليها، لا لفكرة تقسيم العالم إلى أمم تسيطر، وأمم أخرى لا تملك حقها في تقرير مصيرها ومستقبلها. في ذلك القرن كانت المقاومة سمة عامة في حياة الشعوب، لا استثناء. كانت اللغة السياسية التي تكلم بها العالم الذي رزح تحت الاحتلال والقهر قرونا طويلة. من الهند إلى الجزائر، من فيتنام إلى جنوب أفريقيا، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا وأفريقيا والشرق العربي، خرجت أجيال كاملة تحمل إيمانا بأن الاحتلال مهما طال، ليس قدرًا أبديًا.

لم يكن هذا الإيمان رومانسية ثورية، فقد شهد تحولًا كبيرًا بعد الحرب العالمية الثانية وشغل مكانًا ومكانة بارزتين في النظام الدولي الناشئ. ففي عام 1960، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 1514 الذي أعلن حق الشعوب في تقرير مصيرها ودعا إلى إنهاء الاستعمار بأشكاله المختلفة. انتقلت فكرة التحرر من كونها حلمًا لدى الحركات الوطنية فأصبحت لغة معترفاً بها في السياسة الدولية.

في بدايات القرن العشرين، كان الاستعمار كأنه قدر حتمي وحقيقة راسخة لا يمكن زوالها. إمبراطوريات تملك جيوشا هائلة وإدارات وموارد وأساطيل، وهناك شعوب محكومة تبدو أضعف من أن تغير ميزان القوة. لكن التاريخ أثبت أن القوة لا تقاس فحسب بعدد الجنود والأسلحة. كانت هناك قوة أكثر غموضا وأشد عمقاً، قدرة الشعب على سحب رضاه من النظام الذي يحكمه، وتحويل الاحتلال من حقيقة تبدو حتمية إلى مسألة لا يمكن أن تستمر بلا مقاومة.

هنا تتجسد إحدى أهم أفكار المقاومة، أن الاحتلال لا يمكنه أن يعيش بالقوة العسكرية وحدها، إنما يحتاج إلى قدر من القبول، الاعتياد، الخوف، والانقسام. حين تبدأ هذه العناصر في الانهيار يصبح الحاكم أقوى عسكرياً، لكنه أضعف سياسياً. تاريخ المقاومة ليس تاريخ السلاح وحده، بل تاريخ العصيان المدني، الإضراب، المقاطعة، الاحتجاج، بناء التنظيمات الوطنية، تشكيل الوعي، خلق رواية مضادة لرواية السلطة.

التجربة الهندية المثال الأكثر تجسيدا لمبدأ أن المقاومة لا تختزل في الحرب فحسب. ارتبط اسم المهاتما غاندي بنموذج من المقاومة المدنية جعل من العصيان وسيلة لإعادة توزيع القوة السياسية بين الحاكم والمحكوم. لم يكن جوهر الفكرة أن الإنسان يستطيع أن يهزم الدولة في معركة عسكرية، إنما أن الدولة ذاتها تحتاج إلى تعاون المجتمع لكي تستمر. إذا انسحب هذا التعاون على نطاق واسع، تحولت القوة الظاهرة إلى عبء سياسي. طور غاندي مبدأ الثورة السلمية الذي نادى به وبلوره بعض المفكرين ومنهم هنري ثورو. نجحت ثورة الهند في إجبار بريطانيا العظمى على الرحيل بعد تفاوض مع المهاتما غاندي لتتحرر الهند في عام 1947. 

تشير الدراسات المقارنة إلى أنه بين عامي 1900 و2006 كانت حملات المقاومة المدنية، وفق قاعدة البيانات التي درستها إيريكا تشينويث وماريا ستيفان، أكثر نجاحا من الحملات المسلحة بأكثر من المثل في تحقيق أهدافها المعلنة. يرتبط ذلك بقدرة الحركات المقاومة على إشراك قطاعات اجتماعية أوسع، وجذب التأييد، وإحداث انشقاقات داخل مؤسسات الاحتلال.

هذا لا يعني أن كل مقاومة سلمية تنجح، ولا أن المقاومة المسلحة كانت بلا أثر في التاريخ. التاريخ أكثر تعقيدًا من أي قاعدة إحصائية. شهد القرن العشرون حروب تحرير مسلحة لعبت دورا حاسما في إنهاك الاستعمار ورحيله. كانت فيتنام والجزائر من أبرز الأمثلة على ذلك، وإن كانت لكل منهما ظروف تاريخية شديدة الخصوصية. في الجزائر تحولت حرب التحرير ضد فرنسا إلى صراع طويل ومكلف انتهى باستقلال البلاد عام 1962، بينما انتهى الوجود الفرنسي في الهند الصينية بعد هزيمته في ديان بيان فو عام 1954.  

 مما يجب ذكره أن الدراسات التاريخية أظهرت أن صراعات داخلية في فيتنام والجزائر تضمنت منذ مراحل مبكرة تنافسا بين قوى محلية مختلفة، لذلك يجب التمييز بين المقاومة بوصفها فكرة سياسية وأخلاقية، وبين أفعال قامت بها جماعات رفعت شعار المقاومة. المقاومة ليست معصومة من الخطأ لمجرد أنها تقاوم احتلالاً، الثورة ليست مقدسة لمجرد أنها ثورة. قد يكون الهدف عادلا لكن الوسائل قد لا تكون كذلك. 

إن المقاومة في جوهرها، ليست معركة بين قوتين ماديتين فحسب، إنها معركة على الشرعية. المستعمر يمكنه بقوته العسكرية أن يسيطر على الأرض، لكنه لا يستطيع أن يجعل أبناء الأرض يؤمنون بأن وجوده حق طبيعي. يستطيع أن يفرض الإدارة، لكنه سيجد صعوبة في فرض الولاء. يمكنه أن يسجن آلاف الأشخاص، لكنه لا يستطيع أن يسجن الفكرة والإرادة.

يمكن فهم الثورة باعتبارها لحظة يتغير فيها وعي الجماعة بذاتها. قبل الثورة يقول الناس، نحن نعيش هكذا لأن العالم هكذا. بعدها يبدؤون في قول شيء آخر، نحن نعيش هكذا لأن أحداً فرض علينا أن نعيش هكذا. هذا التحول في الجملة هو بداية التحول السياسي كله وبدء المقاومة.

تبدأ المقاومة حين يسقط الحاجز النفسي بين الإنسان والسلطة. حين يكتشف الفرد أن الحاكم ليس قوة طبيعية من قوى الكون، وأن الحدود التي تبدو أبدية قد تكون من صنع البشر، وأن الخوف الذي حكم حياته سنوات طويلة يمكن أن يفقد سلطانه في لحظة جماعية واحدة. لذلك كانت الدول الاستعمارية تهتم بالسيطرة على التعليم ووسائل الدعاية والرواية التاريخية، لأن السيطرة على تفسير الواقع تسبق السيطرة على السلوك. إن أخطر ما يفعله الاحتلال بالشعب ليس أن يقول له، لن يمكنكم مقاومتنا، إنما أن يجعل الشعب قول هذه الجملة لأفراده وجماعاته.

إذا كان النصف الأول من القرن العشرين، سنوات المقاومة والثورة والتحرر، فقد حصل تحول كبير في النصف الثاني من القرن العشرين، ازداد وضوحا بعد نهاية الحرب الباردة. تغيرت بنية العالم. تراجعت الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، أصبحت غالبية البلدان المستعمرة سابقا دولا مستقلة من الناحية القانونية. وظهرت بنية دولية جديدة تتصدرها أمريكا، وترافق ذلك مع نظام اقتصادي عالمي أكثر تشابكا، مؤسسات دولية، أسواق، شركات عابرة للحدود، وأشكال جديدة من النفوذ لا تشبه الاحتلال العسكري التقليدي.

لم يعد المستعمر في أحوال كثيرة جندياً يقف على حاجز في شارع، أصبح النفوذ أكثر تعقيداً، اقتصاديا وتكنولوجيا وإعلاميا، وتحالفات وضغوط دبلوماسية، مؤسسات مالية وشبكات مصالح. تغيرت طبيعة الأمور، لم يعد السؤال، كيف نطرد الجيش الأجنبي؟ إنما كيف تستطيع دولة مستقلة رسميا أن تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي فعلاً؟

يعد هذا أحد أخطر الأوهام السياسية في العصر الحديث، الاعتقاد بأن انتهاء الاستعمار القانوني يعني انتهاء كل أشكال التبعية. لكن الوهم الأكثر خطورة، الاعتقاد بأن الشعوب عاجزة أمام القوى الكبرى.

التاريخ لا يؤيد هذا اليأس، أمريكا نفسها لم تكن دائما القوة التي لا يمكن تحديها. فقد واجهت حركات احتجاج اجتماعي واسعة، واجهت في فيتنام حرباً طويلة خرجت منها خاسرة بالمعنى السياسي للحرب. وها هي تواجه المقاومة الإيرانية التي أحرجتها أمام العالم. كما واجه النظام العالمي خلال العقود الماضية موجات من العصيان والاحتجاج والتغيير السياسي لم تكن كلها خاضعة للمنطق العسكري. في بلاد مختلفة من العالم أثبتت الجماهير أن القوة السياسية يمكن أن تنشأ من أعداد الناس ومن قدرتهم على التنظيم، لا من امتلاك السلاح فقط.

إن الأبحاث الحديثة في المقاومة المدنية تشير إلى أن نجاح الحركات لا يتوقف على حجم المشاركة وحده، بل على قدرتها على توسيع قاعدة المشاركة، والصمود أمام القمع، والابتكار السياسي في مواجهة قوى الاحتلال. لقد تغيرت صورة المتمرد أو المقاوم في المخيال السياسي، لم يعد المتمرد بالضرورة ذلك الرجل الذي يحمل بندقية في الجبل. قد يكون عاملاً يرفض الاستسلام، أو صحفيا يصر على كشف الحقيقة، أو نقابيا يدافع عن حقوق العمال، أو مواطنا يرفض أن يعتاد الظلم حتى يصبح الظلم جزءا من الحياة اليومية. قد تكون المقاومة فعلا جماعيا هادئا لكنه شديد العمق، أن يرفض المجتمع كله أن يتصرف وكأن الوضع المفروض عليه طبيعي وألا يتعاون مع الاحتلال بأي شكل.

تبدأ فلسفة التمرد من سؤال قديم، هل الإنسان ملزم أخلاقيا بطاعة القوة لمجرد أنها قوة؟

من سبارتاكوس إلى الثورات الحديثة، من حركات الاستقلال الوطني إلى حركات الحقوق المدنية، يتكرر المعنى نفسه بصور مختلفة، هناك لحظة يكتشف فيها الإنسان أن القانون والعدالة ليسا بالضرورة شيئا واحداً، وأن السلطة قد تكون قانونية في نظر مؤسساتها لكنها فاقدة للشرعية في نظر ضحاياها. في تلك اللحظة يظهر التمرد بوصفه احتجاجا على الفجوة بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون.

لم تعد المقاومة بالضرورة جيشاً في الجبال، لم تعد الثورة بالضرورة عنفاً مسلحاً، لم يعد الاحتلال علماً أجنبياً يرفرف فوق مبنى حكومي هو مقر إدارة الاحتلال. أصبحت الصراعات السياسية أعقد تركيباً، أصبح الصراع على الوعي والشرعية والهوية جزءا أساسيًا من الصراع.

لذلك ليس صحيحا القول إن المقاومة أصبحت بلا جدوى لأن القوى العظمى أقوى من أي وقت مضى. القوة العظمى تستطيع أن تهزم جيشا، لكنها تواجه مشكلة مختلفة حين تصبح المشكلة سياسية وأخلاقية وشعبية في آن واحد. تستطيع دولة قوية أن تدمر خصماً عسكرياً، لكن من الصعب عليها أن تجعل شعباً كاملا ًيحبها بالقوة، تستطيع أن تفرض الصمت، لكن الصمت ليس دائما اقتناعا.

التاريخ لم يكن يوما سجلا لما فعله الأقوياء فحسب، إنه أيضا سجل للحظة التي نظر فيها الضعفاء إلى القوة وقالوا، ليس إلى الأبد .
--------------------------
بقلم: رفعت رشاد


مقالات اخرى للكاتب

هل ولًى زمن المقاومة؟