أرهفَ الصّبيُّ السمعَ إلى معلّم اللغة الإنجليزية، الذي جابت شهرته الآفاق، وتحاكى بسيرته أولياءُ الأمور، فأسرَّت كلُّ أم لجارتها: «لو عايزة ابنك يبقى لبلب في الإنجليزي، مفيش غير الأستاذ عبد العاطي شلبي».
والحقُّ يُقال، إن أ. عبد العاطي، يستحقُّ الإشادة والثناء، فقد كان فريدا في شرحه، آسرا في أسلوبه، غزير المفردات والتراكيب، متمكّنا في (الجرامر)، وقد ساعدنا ذلك كله في أن نرطن بالإنجليزية منذ نعومة أظفارنا .
حكى لنا أساتذته أنّه كان متفوقا دراسيا، كما كان نموذجا في الخلق منذ الصغر، قوّمته عصا الوالد، ورعاية الأم، فنشأ محبا للعلم، مرتادا للمساجد، حافظا للقرآن، الذي كان له معه وردٌ يومي، لا ينشغل عنه مهما كانت الظروف .
ولع عبد العاطي بالذِّكر وحِلقِه، فما فارقت المسبحةُ يده، ولا يزال لسانُه رطبا بذكر الله . ناقشتُه يوما، وهو أستاذي المهيب، عن شرعية المسبحة، وأخبرته أنَّ الأولى التسبيح على الأنامل عقب الصلوات، فأيّد كلامي برحابة صدر، تؤكّد دماثة خلقه، ولين جانبه، وقال نصا «معك حق، وهذا ما أفعله عقب الصلوات، أُسبّح على الأصابع؛ لقول النبي: «اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات»، أمّا خلافُ ذلك، فمسبحتي في يدي لمداومة التسبيح والذكر .
ثم ربت على كتفي وقال ما معناه: ألا تعلم أنّ هذه المسبحة تصرف عني كيد النساء، ولولاها لكدت أصبو إليهن؟!
عبد العاطي شلبي نموذجٌ فذ في خِفة الظلّ منذ الصغر، فقد لفت نظره، وهو طالب في المرحلة الثانوية، ترديدُ أحد المدرسين كلمة (فعلا)، فلا يذكر جملة، إلا وذيّلها بهذه اللفظة، فأسرَّ إلى رفيقه أ. صبيح دحروج -رحمه الله- بذلك، وعكفا سويا يعدان كم مرة ذكر المدرس كلمة ( فعلا)، فانتبه إليهما المدرس، فطفقا حينئذ يخصفان على الورقة، التي يعدان عليها، من كراسات الحقيبة، ولكن أمرهما انكشف، أمام المدرس، الذي أوقع عليهما عقابا، ثم أخذ من وقتها «يُحسس على كلامه، لكيلا يذكر كلمة فعلا».
الأستاذ عبد العاطي، جمع بين الأضداد، فكان بجانب حزمه داخل الحصة صديقا لطلابه، يشد وقتما يتطلب الأمرُ شدة، ويلين بلا تسيب .
من الطرائف معه، أنّ تلميذا متقعرا، كان يُعطّش الجيم في نطق الكلمات العربية، ويبدو أن لسانه اعتاد ذلك، فطفق يُعطّشها في نطق كلمات الإنجليزي أيضا، فقال لزميله يا (أجلي) بتعطيش (الجيم) يقصد يا قبيح، فأخذ عبد العاطي يضرب كفا بكف على جهده الذي ضاع، وهو يقول بتعطيش الجيم أيضا: «ضاع مجهودك هدرا يا عبد العاطي» !
ومن الطرائف أيضا أنه وفد إلى مدرستنا طالبٌ من مدارس (GCI)، وكان أكثر تمكنا في اللغة الإنجليزية من كثيرين منا، فقال أحد الطلاب -أمام الأستاذ عبد العاطي- إنَّ سرَّ تفوقه يأستاذ أنه خريج مدارس (ing)، فلم يتذكر التلميذ اسم المدرسة، فذكر لاحقة تحويل الفعل إلى الزمن المستمر، أو جعله اسما .
الأستاذ عبد العاطي شلبي، نموذجٌ للمعلم المخلص في عمله، النابغ في أسلوبه، الذي يرفض مطلقا أسلوب (اللت والعجن) في الشرح، فكان يشرح المقرر في فترة قصيرة من الحصة، بقدرة عجيبة، تجعل المعلومة تثبت في الرأس، ولا تفارقه البتة .
حبا الله أ. عبد العاطي شلبي بكثير من الخصال، التي تجعله يُسمع إذا تكلم، ويُطاع إذا أمر، فكان أعجوبة حقيقية .
يسير عبد العاطي في سكك القرية، ضاربا أروع أمثلة التواضع، فتراه وقد أضاء وجهه بابتسامة عريضة، تُشعر من يقابله بالطمأنية والارتياح .
الأستاذ عبد العاطي وصّال للرحم، سبّاق بالسلام، حريصٌ على الواجبات الاجتماعية فرحا وترحا .
تأخرتُ في الحديث عنه، وهذا لا يعني عدم تربعه في قلبي، ولكن كلُّ شيء بموعد وقدر ..
حفظ الله أستاذنا، وبارك في أهله وذريته !
من غِواية السيرة الذاتية وحكايات المدرسة.
------------------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام






