هذا المقال ليس قراءة منفردة في علاقة النظام بالإخوان، وإنما هو ثمرة تفاعل مع ثلاث مقالات تناولت المسألة من زوايا مختلفة: مقال خالد يوسف «في ظلال الخوف»، والتعقيب المنهجي للدكتور محمد الغمري، ثم النقد اللاذع للدكتور أيمن منصور ندا.
اختلفت المقالات الثلاثة في تفسير العلاقة وحدودها؛ فرأى خالد يوسف في الخوف من الإخوان واستخدامهم بوصفهم البديل المخيف مفتاحًا لفهم استمرار النظام، ونقل الغمري النقاش إلى بنية المجال السياسي وقدرته على إنتاج البديل، بينما ركز ندا على طريقة تركيب الرواية التاريخية، محذرًا من تحويل تتابع الوقائع إلى دليل على وجود خطة واحدة ممتدة.
التفاعل بين هذه القراءات يفتح سؤالًا أعمق: لماذا ظلت علاقة النظام بالإخوان، رغم تغير الرؤساء والظروف والوقائع، تعود مرارًا إلى الصيغة نفسها: تقاطع، ثم صدام، ثم توظيف للخوف؟
أظن أن الإجابة لا تكمن في افتراض «عقل واحد» أدار هذه العلاقة طوال نصف قرن، كما لا تكمن في اعتبار ما جرى مجرد سلسلة من المصادفات والنتائج غير المقصودة. المدخل الأوضح هو النظر إلى التحول في المشروع السياسي للدولة الذي بدأ مع السادات، وأعاد تشكيل علاقتها بالمشروع الإخواني ذي المرجعية الدينية.
وهنا تظهر نقطة التحول الأساسية.
حمل المشروع الناصري قطيعة واضحة مع المشروع الإخواني. لم تكن المواجهة بينهما مجرد صراع على السلطة، وإنما كانت مواجهة بين تصورين للدولة والمجتمع والشرعية والمشروع الوطني. ولذلك كان الصدام بين عبد الناصر والإخوان صدامًا بين مشروعين متعارضين، وكانت الدولة تسعى إلى إقصاء المشروع الإخواني من المجال السياسي.
مع السادات تغيرت قواعد اللعبة.
لم يصبح مشروع الدولة مشروعًا إخوانيًا، ولم يتطابق مع مشروع الجماعة، لكن القطيعة التي كانت قائمة بين المشروع الناصري والمشروع الإخواني لم تعد قائمة بالصورة نفسها. حدث تحول في اتجاه الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ووجد النظام الجديد في التيار الإسلامي قوة يمكن أن تتقاطع معه في مواجهة خصومه، خصوصًا الناصريين واليسار، وفي إعادة ترتيب المجال العام.
ومن هنا بدأت علاقة مختلفة.
لم يعد الإخوان مجرد مشروع يناقض مشروع الدولة، بل أصبحوا مشروعًا يتقاطع معه في مساحات، ويصطدم به عندما يصل الأمر إلى السلطة.
وهذه النقطة أساسية لفهم نصف قرن من العلاقة.
فإذا كان هناك تقاطع بين المشروعين، فلماذا الصدام؟
لأن التقاطع في المشروع لا يعني إمكان اقتسام السلطة.
يمكن أن تتفق مع قوة سياسية في رؤية بعض القضايا، أو أن تجد مصلحتك في استخدامها ضد خصومك، لكنك عندما تصل إلى السؤال الحاسم: من يحكم؟ ومن يملك الدولة؟ ومن يملك حق تمثيل المجتمع؟ ينتهي مجال الشراكة.
وهكذا يصبح الصدام بين النظام والإخوان، في لحظته الحاسمة، صراعًا على السلطة أكثر منه صراعًا على المشروع.
وهذا يفسر التذبذب الذي حكم العلاقة منذ السادات: تعاون أو استفادة متبادلة حين تتلاقى المصالح، ثم صدام حين يتحول الإخوان إلى منافس على السلطة، ثم توظيف وجودهم وخطرهم السياسي حين يصبح ذلك مفيدًا للسلطة.
لم يكن الأمر إذن تحالفًا دائمًا، كما لم يكن عداءً دائمًا.
كان علاقة متحركة بين التقاطع والصدام والتوظيف.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: في أي لحظة يحتاج النظام إليهم، وفي أي لحظة يخشاهم، ومتى يصبح الخوف منهم مفيدًا له؟
السادات نفسه يقدم المثال الأول والأوضح. فقد احتاج إلى التيار الإسلامي في مواجهة خصومه، وفتح له مجالًا أوسع مما كان متاحًا في عهد عبد الناصر. لكن القوة التي ساعد النظام على إطلاقها لم تكن مستعدة لأن تبقى مجرد أداة في يد السلطة. وحين بدأ الخلاف ينتقل من مساحة التقاطع إلى مساحة المنافسة على السلطة، تغيرت العلاقة.
هنا نصل إلى ما التقطه خالد يوسف، حتى لو بالغ في بعض استنتاجاته.
فالإخوان لم يكونوا مجرد خصم سياسي للنظام؛ أصبحوا أيضًا البديل الذي يمكن أن يخشاه المجتمع.
وهنا تتحول المعادلة من «أنا أفضل» إلى «أنا أقل سوءًا من البديل».
لا يحتاج النظام، في هذه الحالة، إلى إقناع المجتمع بأن كل ما يفعله جيد. يكفي أن يظل السؤال الآخر حاضرًا: وماذا سيحدث إذا ذهب النظام؟
إذا كان الجواب الذي يستحضره الناس هو: الإخوان، فإن الخوف من البديل يصبح أحد عوامل استمرار الوضع القائم.
لكن الأهم أن التخويف من الإخوان لم يكن موجهًا إلى الداخل وحده.
في مراحل مختلفة، كان وجود الإخوان حاضرًا أيضًا في إدارة العلاقة مع الخارج. فعندما تطالب قوى خارجية بفتح المجال السياسي أو تخفيف القبضة على المعارضة أو الإفراج عن الإسلاميين، يصبح بالإمكان طرح سؤال آخر: ماذا سيحدث إذا اتسع المجال؟ ومن سيكون المستفيد الأكبر من هذا الانفتاح؟
وهكذا يمكن أن يتحول الإخوان إلى رسالة سياسية موجهة إلى الخارج أيضًا: إن الضغط من أجل الانفتاح لا يعني فقط توسيع المشاركة، وإنما قد يفتح الطريق أمام قوة ذات مشروع ديني وتنظيمي قادرة على ملء الفراغ.
هذه الوظيفة لا تعني أن النظام كان يريد الإخوان في الحكم، ولا أن الطرفين كانا متحالفين سرًا. تعني شيئًا أكثر تعقيدًا: أن وجود الإخوان كان يؤدي وظيفة مختلفة باختلاف اللحظة؛ فقد يكونون قوة يمكن الاستفادة منها، أو خصمًا ينبغي احتواؤه، أو خطرًا ينبغي مواجهته، أو فزاعة يمكن استخدامها لتبرير استمرار القبضة.
وهنا تحديدًا تصبح العلاقة بين النظام والإخوان أكثر قابلية للفهم.
النظام لا يحتاج إلى الإخوان حلفاءً دائمين، كما لا يحتاج إلى اختفائهم الكامل. في بعض اللحظات تكون قوتهم مفيدة، وفي لحظات أخرى يصبح تمددهم خطرًا، وفي لحظات ثالثة يصبح الخوف منهم أكثر فائدة من وجودهم السياسي نفسه.
ومن هنا يمكن قراءة عهد مبارك بطريقة مختلفة.
لم يعد الإخوان إلى الوضع الذي كان عليه الحال في عهد عبد الناصر. لم تُغلق المسألة نهائيًا، ولم يختفوا من المجتمع، ولم تتحول الدولة إلى حرب شاملة هدفها القضاء على وجودهم الاجتماعي والسياسي.
ظلوا موجودين، ومُنحوا مساحات متفاوتة، وتعرضوا في الوقت نفسه للمنع والاعتقال والملاحقة عندما اقترب نفوذهم من الحدود التي ترى السلطة أنها تهدد احتكارها السياسي.
كانت العلاقة تتحرك وفق قاعدة واضحة: اترك مساحة للحضور ما دام لا يتحول إلى منافسة على السلطة، واضرب حين يتحول الحضور إلى قوة سياسية قادرة على المنازعة.
وهنا لا نحتاج إلى افتراض خطة سرية طويلة المدى؛ يكفي أن نرى كيف أنتجت طبيعة العلاقة نفسها وظائف متكررة.
ثم جاءت يناير 2011، فكشفت شيئًا آخر.
لم يكن المجتمع المصري يفتقد الغضب، ولا القدرة على الاحتجاج، ولا الرغبة في التغيير. لكنه كان يفتقد، بدرجة كبيرة، القوة السياسية المدنية المنظمة القادرة على تحويل هذه الطاقة إلى بديل.
وهنا تلتقي قراءة الغمري مع ما كشفته الأحداث نفسها.
إسقاط النظام ليس إنتاجًا للبديل.
والغضب الشعبي ليس تنظيمًا.
والتنظيم ليس مشروعًا.
والمشروع ليس بالضرورة قدرة على إدارة الدولة.
لذلك، عندما سقط مبارك، لم يكن الفراغ السياسي موزعًا بالتساوي بين القوى الموجودة. كانت هناك قوى مدنية كثيرة، لكنها كانت أضعف تنظيمًا وأقل جاهزية، بينما كان الإخوان يملكون تنظيمًا وخبرة وشبكة اجتماعية وقدرة على التحرك. فملأوا الفراغ.
وهذه الحقيقة لا تثبت أن النظام أسقط مبارك لكي يأتي بالإخوان، كما لا تثبت أن وصول الإخوان كان مجرد مصادفة.
إنها تكشف نتيجة تاريخية أكثر أهمية: عندما يُغلق المجال السياسي طويلًا أمام القوى المدنية، لا يختفي البديل، وإنما يصبح البديل الأكثر تنظيمًا هو الأكثر قدرة على الظهور عند لحظة الانفجار.
ومن هنا اكتملت الثنائية التي تحدث عنها خالد. النظام يخشى الإخوان. والإخوان ينازعون النظام على السلطة. وقطاع من المجتمع يخشى الإخوان. والخوف منهم يصبح، في الوقت نفسه، أحد عناصر حماية النظام من بديل لا يثق به المجتمع.
لكن هذه ليست كل القصة.
تتحمل القوى المدنية، دون شك، مسؤولية كبيرة عن ضعفها: التناحر، والشخصنة، والانقسامات، وضعف التجذر الاجتماعي، وعدم القدرة على بناء مشروع سياسي مشترك يتجاوز لحظة الاحتجاج.
ومن الخطأ أن نرد كل هذا إلى النظام وحده. لكن من الخطأ المقابل أن نعتبر هذه المسؤولية دليلًا على أن المجال كان مفتوحًا أمامها وأنها فشلت وحدها.
الحقيقة أكثر تركيبًا، ضعف القوى المدنية يجعل المجال أكثر قابلية للانغلاق، والانغلاق يزيد ضعفها، وضعفها يجعل البديل المنظم الأكثر قدرة على الظهور عند الأزمات هو البديل الذي كان موجودًا أصلًا.
وهكذا يعيد المجال إنتاج نفسه.
ومن هنا يمكن أن نفهم اعتراض أيمن منصور ندا على قراءة خالد يوسف.
فهو محق في التحذير من تحويل تتابع الوقائع إلى دليل على وجود نية واحدة امتدت من السادات إلى مبارك وما بعدهما.
لكن رفض «الخطة الواحدة» لا يعني رفض النمط.
ليس هناك خطة واحدة، لكن هناك تحولًا سياسيًا بدأ منذ السادات، أعاد تشكيل قواعد العلاقة بين الدولة والمشروع الإخواني؛ وهناك تقاطع موضوعي بين المشروعين، ومصالح تتقاطع، وصراع على السلطة حين يصبح الإخوان منافسًا حقيقيًا، ثم استخدام للخوف من هذا المنافس حين يصبح الخوف منه مفيدًا.
وهنا يصبح التاريخ أكثر تعقيدًا من أن يفسر بالمؤامرة، وأكثر انتظامًا من أن يفسر بالمصادفة.
قد تتغير النيات، لكن البنية تستمر. وقد تتغير الأدوات، لكن بعض الوظائف السياسية تتكرر. وقد يتغير الأشخاص، لكن علاقة القوة بين المشروعين تظل قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
ولهذا فإن العبارة الأدق ربما هي: قد لا يكون التاريخ قد صُنع بخطة واحدة، لكنه أيضًا لم يصنع نفسه.
فالنيات تتحرك داخل بنية، والبنية تتغير بفعل القرارات، والقرارات تنتج نتائج لم تكن كلها مقصودة، ثم تتحول هذه النتائج إلى واقع يفرض خيارات جديدة.
وهذا بالضبط ما يجعل علاقة النظام بالإخوان مثالًا مهمًا على كيفية صناعة التاريخ السياسي.
السؤال الأهم، إذن، ليس كيف أمكن لخطة واحدة أن تستمر، وإنما: كيف أمكن لتقاطع المشروعين أن يعيد، عبر عهود مختلفة، إنتاج العلاقة نفسها؟
والإجابة تبدأ من السادات.
فمنذ التحول الذي أحدثه، لم تعد العلاقة بين الدولة والإخوان علاقة قطيعة كاملة، كما لم تصبح علاقة تحالف دائم. أصبحت علاقة تتحرك بين التقاطع حين تتلاقى المصالح، والصدام حين يبدأ الصراع على السلطة، وتوظيف الخوف من الإخوان حين يصبح وجودهم أو خطرهم مفيدًا للسلطة.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق:
الإخوان ليسوا مجرد خصم للنظام، والنظام ليس مجرد خصم للإخوان؛ كلاهما يتحرك داخل مساحة من التقاطع، لكن السلطة لا تحتمل شريكًا فيها.
ولذلك، كلما اقترب التقاطع من السياسة، أمكن التعاون. وكلما اقترب من السلطة، بدأ الصدام. وكلما أصبح الصدام مكلفًا، عاد الخوف ليؤدي وظيفته.
أما الطرف الذي ظل غائبًا عن هذه الثنائية فهو المجتمع نفسه؛ ليس لأنه لا يريد التغيير، وإنما لأنه لم يمتلك، طوال عقود، المجال السياسي الكافي لإنتاج بديل مدني مستقل قادر على منافسة المشروعين معًا.
المشكلة، إذن، لم تكن فقط في خوف المصريين من الإخوان، ولا في خوف النظام منهم، وإنما في أن العلاقة بين الطرفين ظلت تحاصر المجال السياسي كله داخل ثنائية مغلقة: نظام يحتكر السلطة، وإخوان يمثلون البديل الأكثر تنظيمًا والأكثر إثارة للخوف. وفي المساحة الواقعة بينهما غاب المجتمع، أو بالأدق حُرم من امتلاك المجال الذي يستطيع فيه أن ينتج بديله.
ولذلك فإن كسر هذه الثنائية لا يكون بانتصار أحد طرفيها على الآخر، وإنما بإعادة السياسة إلى المجتمع؛ بحيث يصبح قادرًا على إنتاج بدائل متعددة، لا تحتاج إلى النظام كي تحكم، ولا إلى الإخوان كي تعارض، ولا إلى الخوف من أحدهما كي تثبت شرعيتها.
ولعل هذه هي الخلاصة الأهم لنصف قرن من العلاقة:
لم يكن الإخوان مجرد خصم للنظام، ولم يكن النظام مجرد خصم للإخوان. كان كل منهما، بدرجات مختلفة، جزءًا من الثنائية التي أغلقت المجال أمام بديل ثالث.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: من ينتصر في هذه الثنائية؟
وإنما: كيف تنتهي
الثنائية نفسها؟
--------------------------
بقلم: محمد حماد






