21 - 08 - 2026

فلسطين بين وهم "إدارة الصراع" وجحيم "حسمه" | حكاية الجغرافيا التي رفضت المحو

فلسطين بين وهم

التاريخ السياسي للقضية الفلسطينية ماهو إلا سيرة مستمرة للمكان وهو يصارع الهوية وللجغرافيا وهي تتملص من أنياب الهندسة الديموغرافية.

من يراقب التحولات الهيكلية التي اعترت الأرض والإنسان على مدار العقود الثلاثة الماضية وتحديداً في العشرية الأخيرة يدرك بوضوح أننا لم نكن ننتقل من محطة سياسية إلى أخرى فحسب، بل كنا ننتقل من عقيدة إسرائيلية قائمة على «إدارة الصراع» واستنزافه، إلى استراتيجية بطش صريحة تسعى إلى «حسمه» واقتلاعه من جذوره.

من «أوسلو» إلى المقاطعة . هندسة الوهم والتفكك

في منتصف التسعينيات دخلت القيادة الفلسطينية التاريخ الحديث من بوابة «اتفاقيات أوسلو». حيث كان القائد الرمز ياسر عرفات أبو عمار يراهن على تحويل الشظايا الجغرافية المتمثلة في مناطق (A, B, C) إلى جسر يعبر عليه نحو الدولة. ومن جهة أخرى المهندسين الإسرائيليين يصمّمون أوسلو كأقفاص حجرية مغلقة تحولت مناطق (A) إلى مدن محاصرة بالسيطرة الإدارية المحض بينما تُركت مناطق (C) التي تشكل أزيد من ستين بالمئة من مساحة الضفة مرتعاً للمشروع الاستيطاني البطيء.

وعندما ظهرت الحقيقة في «كامب ديفيد 2000» بأن السقف المسموح به إسرائيلياً وأمريكياً هو سلطة بلا سيادة على القدس ولا حل للاجئين انطلقت شرارة الانتفاضة الثانية.

وكان رد الاحتلال عبر عملية «الدروع المتواقية» عام 2002 دليلاً على أن قواعد اللعبة القديمة قد انتهت تم اجتياح المدن التي قيل إنها "خاضعة للسيادة"، وحوصِرت القيادة في المقاطعة حتى رحيل أبو عمار، ليُعاد رسم حدود السيطرة الأمنية بقوة الدبابات.

أبو مازن ومعركة الانقسام غزة في الحصار والضفة في الكانتونات

مع مجيء محمود عباس، جرى تبني نهج يعتمد على النزاع الدبلوماسي في المحافل الدولية لنزع الذرائع. لكن هذا المسار قُوبل بإنهاء أحادي للوجود العسكري المباشر في غزة عام 2005 تحت قيادة شارون؛ لم يكن الانسحاب حبّاً في السلام، بل كان عملية جراحية للتخلص من الكثافة السكانية في القطاع وزرع لغم الانقسام السياسي.

ولم يكد يمر عامان على الانتخابات التشريعية لعام 2006 حتى وقع الانقلاب الذي قامت به حماس في صيف 2007، لتتشكل جغرافيتان وسياساتان.

سلطة في رام الله تحاول إدارة ما تبقى من إرث أوسلو وتحتكّ يومياً بتوسع استيطاني التهم الضفة.

وسلطة في غزة تخوض حروباً وجولات متكررة تحت ما يسمي المقاومة المسلحة تحت حصار خنق كافة مناحي الحياة.

استغلت إسرائيل هذا الانقسام بأقصى درجات الذكاء السياسي؛ اعتمدت تكتيك «جز العشب» في غزة لإبقاء حماس ضعيفة ولكن حاكمة، وفي المقابل تفرّغت للسلطة في الضفة وضاعفت أعداد المستوطنين من نحو 600 ألف في 2016 إلى أكثر من 800 ألف، محوّلة الضفة إلى مجرد "كانتونات" ومعازل تقطع أوصالها مئات الحواجز والبوابات الحديدية.

زلزال أكتوبر التدمير الشامل وإعادة رسم الخرائط

أسقطت أحداث أكتوبر وما تلاها كل معادلات الردع والتكتيكات التقليدية. لم تعد تل أبيب المعنية بإدارة المشهد، بل انتقلت تحت قيادة اليمين الصهيوني الديني إلى خيار "الأرض المحروقة".

قطاع غزة الذي كانت مساحته الجغرافية تُقدر بـ 365 كيلومتراً مربعاً عندما انقلبت حماس وسيطرت ضاع منه حوالي 70% وما تبقى هو مناطق مستباحة.

حدث اقتطاع جراحي، التهمت المنطقة العازلة الحدودية والمحاور العسكرية (نتساريم وفيلادلفيا) أكثر من خُمس مساحة القطاع.

واصبح النزوح ممنهجا ، انحصر أكثر من مليوني انسان في شريط ساحلي ضيق في "المواصي" ودير البلح لا يتجاوز 15% من المساحة الإجمالية، في كثافة سكانية هي الأعلى والأقسى عالمياً.

تم تدمير البنية الحضرية تحولت المدارس والجامعات والمستشفيات إلى أنقاض، وتوقفت العملية التعليمية لسنوات، ليتراجع الواقع المعيشي عقوداً إلى الوراء.

أما في الضفة الغربية، فقد تآكلت "المنطقة A" تماماً أمام الاقتحامات الميدانية اليومية لمخيمات الشمال، وتضاعفت مصادرة الأراضي في مناطق (C)، وتم تسليح حركة المستوطنين لفرض واقع سيادي جديد بالقوة المباشرة.

والآن ماذا أردات إسرائيل؟ وإلى أين وصلت؟

كان المخطط الإسرائيلي الاستراتيجي واضح المعالم، تصفية القضية الفلسطينية عبر ثلاثية متكاملة:

في الضفة. الضم الفعلي لمناطق (C) وحشر الفلسطينيين في جيوب سكنية معزولة.

في غزة. فصلها الأبدي عن الهوية الوطنية الشاملة وإشغالها بالأنقاض والإغاثة.

في الإقليم .القفز فوق الحقوق الفلسطينية لبناء "سلام إقليمي" وتطبيع كامل يطوي ملف الدولة إلى الأبد.

لكن الميدان والواقع السياسي فرضا نتائجهما الخاصة.

صحيح أن إسرائيل حققت مكاسب ميدانية تكتيكية عبر التدمير العسكري وتكثيف الاستيطان، لكن هل ربحت المعركة الاستراتيجية الأكبر !؟  

أثبتت الأحداث أن تجاوز الفلسطينيين في معادلات الشرق الأوسط ليس سوى وهم سياسي، وأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن بناء أساساته على جثامين الحقوق الوطنية.

إن المتأمل في شريط السنوات العشر الأخيرة  بل والعقود الثلاثة الماضية يرى بوضوح أن القوة العسكرية المفرطة قد تنجح في هدم الأبنية وتقليص المساحات الجغرافية المتاحة لعيش البشر، لكنها تعجز دائماً عن محو الفكرة.

لقد تحولت جغرافيا فلسطين من خرائط "أوسلو" النظرية إلى ميدان مفتوح لحرب وجودية حيث تحاول السياسة الإسرائيلية حسم الصراع بالقوة في حين تصر الديموغرافيا والتاريخ على أن لا سلام ولا استقرار في هذه المنطقة دون اعتراف كامل بحق الشعب الفلسطيني في أليته وحريته على أرضه.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
-------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

أمريكا اللاتينية وفلسطين .. وهم العاطفة الجياشة وحقائق المصالح القاسية