تشير التطورات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة في الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى أن استراتيجية واشنطن تجاه طهران تمرّ بمرحلة انتقالية؛ وهو انتقال لا يعني بالضرورة تخلي الولايات المتحدة عن الخيار العسكري، بقدر ما يعكس نقل مركز ثقل الضغط من «القوة الصلبة» إلى «القوة الاقتصادية والمالية».
وقد تحدث دونالد ترامب في الأيام الأخيرة صراحة عن تفضيله ممارسة الضغط الاقتصادي بدلاً من الشروع في عملية عسكرية جديدة. وبالتزامن مع ذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على الشبكات المالية والاقتصادية الإيرانية، فيما تحولت المفاوضات بشأن مضيق هرمز إلى أحد المحاور الرئيسية للصراع.
وعليه، يمكن القول إن واشنطن تختبر استراتيجية «ضغط مركّب»، تحل فيها العقوبات والحصار المالي وتقييد صادرات النفط والضغط على الشبكات المصرفية والسيطرة على طرق التجارة الخارجية محل جزء من العمليات العسكرية المباشرة.
1. المشكلة الأساسية أمام الولايات المتحدة: تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية
في الحروب الحديثة، لا يعني إلحاق الخسائر العسكرية بالخصم تحقيق النصر. فالمعيار النهائي هو تحويل القوة العسكرية إلى «نتيجة سياسية» تحقق الأهداف المطلوبة.
طرحت واشنطن في بداية الحرب أهدافاً قصوى. ففي مارس/آذار 2026، طالب ترامب بـ«استسلام إيران غير المشروط»، كما أعلنت الإدارة الأمريكية أهدافاً من قبيل تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وإضعاف القوة البحرية، وقطع شبكة إيران الإقليمية، ومنع طهران من الوصول إلى سلاح نووي.
لكن التقييمات التحليلية الجديدة تشير إلى أن الحرب لم تتحول إلى انتصار سياسي حاسم لواشنطن. وحتى صحيفة «فايننشال تايمز» أشارت في تقييم حديث لها إلى أنه، رغم إلحاق أضرار بالبنية التحتية والاقتصاد الإيراني، فإن الحرب لم تؤدِّ إلى نتيجة حاسمة، ولا تزال البنية السياسية الإيرانية قائمة، فيما تستمر الأزمة في المسارات الاستراتيجية للمنطقة.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن نقطة ضعف الاستراتيجية الأمريكية لا تكمن في «القدرة على إلحاق الضرر»، وإنما ظهرت في «القدرة على تحويل الضرر إلى استسلام سياسي».
2. من ساحة المعركة إلى ساحة الاقتصاد
عندما عجزت القوة العسكرية الأمريكية عن دفع إيران إلى قبول الشروط السياسية الأمريكية، انتقلت واشنطن إلى أدوات جيو-اقتصادية، أي الصراع الاقتصادي واستخدام الأدوات غير العسكرية لتحقيق أهداف سياسية.
فالعقوبات، وتجميد الأصول، وتقييد الوصول إلى النظام المالي الدولي، والضغط على مبيعات النفط، وفرض العقوبات على الشركات الوسيطة، واستهداف شبكات تحويل الأموال، كلها في الواقع استمرار للحرب بأدوات غير عسكرية.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى النهج الأمريكي الجديد باعتباره مجرد «خفض للتوتر». فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن واشنطن تعمل على تغيير أدوات الضغط، وليس بالضرورة تغيير الهدف النهائي. كما تشير التقارير الأخيرة إلى توجه إدارة ترامب نحو الضغط الاقتصادي بدلاً من البدء الفوري بعملية عسكرية جديدة.
ومن هنا يمكن تسمية المرحلة الجديدة بـ«الحرب الجيو-اقتصادية»، أي معركة اقتصادية تهدف إلى ممارسة الضغط السياسي؛ وهي حرب تصبح فيها البنوك والعملات والطاقة والملاحة والتأمين والموانئ وسلاسل الإمداد، على قدر كبير من الأهمية التي تحظى بها الصواريخ والطائرات.
3. مضيق هرمز؛ تغيير في معادلة استراتيجية
من أبرز التحولات في هذه المرحلة وضع مضيق هرمز.
وتشير تقارير الأيام الأخيرة إلى استمرار إغلاق المضيق واستمرار النزاع بين إيران والولايات المتحدة بشأن شروط إعادة فتحه. وقد أعلنت إيران أن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتغيير السلوك الأمريكي وتحقيق شروطها، في حين تزعم واشنطن، خلافاً للواقع، سيطرتها على هذا الممر الاستراتيجي.
ومن المنظور الاستراتيجي، وبعيداً عن الحرب الإعلامية حول مصطلح «السيطرة»، نشأت حقيقة مهمة: لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري؛ بل أصبح متغيراً فاعلاً في معادلة القوة الإيرانية.
وهذا التحول بالغ الأهمية؛ لأن نحو خُمس النفط الذي يستهلكه العالم يمر في الظروف الطبيعية عبر مضيق هرمز، وأي اضطراب مستدام فيه ستكون له آثار مباشرة على أسعار الطاقة والتأمين البحري والنقل والاقتصاد العالمي.
وفي مثل هذه الظروف، استطاعت إيران نقل الكلفة الجيوسياسية للقرار الأمريكي من حدود إيران إلى مستوى الاقتصاد العالمي. وهنا تحديداً ينتقل مفهوم «الردع» من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي.
4. الولايات المتحدة أمام تناقض استراتيجي
من جهة، تريد واشنطن إخضاع إيران لضغوط اقتصادية، ومن جهة أخرى يتعين عليها أن تحذر من تحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة طاقة عالمية. ويمثل هذا التناقض أحد أهم القيود التي تواجه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. فإذا تصاعد الضغط الاقتصادي بصورة مفرطة، ازدادت دوافع إيران لاستخدام أدواتها الجيوسياسية؛ وإذا خففت الولايات المتحدة الضغط، تراجعت فعالية العقوبات كأداة ردع.
وبعبارة أخرى، تواجه واشنطن معادلة من مجهولين: «كيف تضغط على إيران من دون أن تنتقل كلفة هذا الضغط إلى الاقتصاد الأمريكي وحلفائه؟»
وتبرز أزمة مضيق هرمز هذه المشكلة تحديداً. فارتفاع أسعار الطاقة واضطراب النقل البحري يظهران أن الضغط على إيران ليس بالضرورة أحادي الجانب، بل يمكن أن يعود إلى الاقتصاد العالمي على شكل «تكلفة متبادلة».
5. هل يستطيع الحصار الاقتصادي إخضاع إيران؟
الإجابة عن هذا السؤال، رغم أنها تنطوي على تحديات، تميل إلى النفي أكثر من الإيجاب. فالعقوبات قادرة على الضغط على الاقتصاد الإيراني، لكن المسافة بين «الضغط الاقتصادي» و«الاستسلام السياسي» كبيرة.
وقد أظهرت تجربة العقوبات الممتدة لعقود أن العقوبات قادرة على فرض تكاليف، وخفض النمو الاقتصادي، وزيادة تكاليف المعاملات، وتقييد وصول إيران إلى الموارد المالية؛ لكنها لم تتمكن من إخضاع إيران سياسياً، بل أسهمت الضغوط الخارجية في تعزيز توجهات الاعتماد على الذات والاستقلال الاقتصادي، وترسيخ استراتيجية طهران في مواجهة الهيمنة الغربية.
ومن جهة أخرى، أنشأت إيران خلال سنوات العقوبات شبكات للتجارة غير المباشرة، وآليات للتبادل بالعملات المحلية، ونظم المقايضة، وأشكالاً من التعاون الاقتصادي مع القوى غير الغربية. لذلك، إذا افترضت واشنطن أنها تستطيع، من خلال إعادة بناء بنية الضغط السابقة، دفع إيران إلى مرحلة الانهيار السياسي، فمن المرجح أنها تتجاهل متغيراً مهماً: «العالم اليوم يختلف عن العالم أحادي القطب في تسعينيات القرن الماضي.»
6. بريكس؛ فرصة إيران لكسر حلقة الضغط المالي
هنا تبرز أهمية مجموعة بريكس. ولا ينبغي المبالغة في الحديث عن بريكس. فالمجموعة في الظروف الراهنة لا تمتلك «عملة موحدة بديلة للدولار»، ولا يمكن القول إن الدولار قد فقد موقعه. وحتى في نظام المدفوعات العالمي، لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته.
لكن القضية الأهم تختلف عن إنشاء عملة موحدة، وهي: «تقليل الاعتماد على الدولار». فدول بريكس اتجهت خلال السنوات الأخيرة نحو زيادة استخدام العملات الوطنية، وتطوير بنى تحتية مستقلة للمدفوعات، وإنشاء آليات مالية لا تعتمد بصورة كاملة على الشبكات الغربية. كما تعتبر الدراسات الحديثة تطوير البنية التحتية للمدفوعات في بريكس والتعاون المالي بين أعضائها من المحاور الرئيسية لتحول النظام المالي في الجنوب العالمي. لذلك، فإن الاستراتيجية الواقعية لإيران ليست انتظار «ظهور عملة بريكس»، وإنما الاستفادة من قدرات بريكس لإنشاء «سلة تسوية متعددة العملات».
فعلى سبيل المثال، يمكن تنفيذ التجارة الإيرانية مع الصين والهند وروسيا والبرازيل وسائر الشركاء الاقتصاديين، قدر الإمكان، باستخدام العملات الوطنية والمقايضة والحسابات المتبادلة وأنظمة الدفع غير الدولارية. وإذا نُفذ هذا الإجراء بصورة منظمة وطويلة الأمد، فإنه يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من أثر العقوبات الثانوية الأمريكية.
7. الحل الإيراني؛ التخلص من الاعتماد على الدولار بعيداً عن الشعارات
ينبغي ألا تتحول عملية التخلص من الاعتماد على الدولار في إيران إلى شعار سياسي، بل إلى مشروع اقتصادي. وهناك ثلاثة إجراءات أساسية في هذا المجال:
أولاً، تطوير التجارة بالعملات الوطنية وإنشاء اتفاقيات نقدية ثنائية ومتعددة الأطراف.
ثانياً، ربط النظام المصرفي ومنظومة المدفوعات الإيرانية بالشبكات المالية للشركاء في الشرق والجنوب العالمي.
ثالثاً، إنشاء سلة لتسوية التجارة تضم اليوان والروبل والروبية وغيرها من عملات الشركاء التجاريين، بدلاً من الاعتماد على الدولار باعتباره العملة الوسيطة الرئيسية.
وفي هذا النموذج، حتى إذا ظل الدولار العملة العالمية المهيمنة، فإن قدرة واشنطن على تحويل هيمنة الدولار إلى «سلاح للعقوبات» ستتراجع. وهذا هو الفرق المهم. فالهدف الإيراني ليس «إلغاء الدولار من العالم»، وإنما «إلغاء احتكار الدولار للتجارة الخارجية الإيرانية».
8. الخلاصة؛ الحرب لم تنتهِ، وإنما تغيرت ساحة الحرب
إن ما يجري اليوم في مواجهة إيران ليس نهاية الحرب، بل تغيير لساحة الصراع.
في المرحلة الأولى، حاولت واشنطن، من خلال القوة العسكرية، إضعاف القدرات الدفاعية والاستراتيجية الإيرانية ودفع طهران إلى قبول الشروط القصوى، لكنها لم تنجح في ذلك.
وفي المرحلة الثانية، تتحرك الولايات المتحدة نحو الضغط الاقتصادي والمالي والجيو-اقتصادي.
لكن هذه المرحلة أيضاً ليست أحادية الجانب. فإيران، من جهة، حولت مضيق هرمز إلى أداة استراتيجية، ومن جهة أخرى تستطيع، من خلال الاستخدام الذكي لقدرات بريكس، إبعاد اقتصادها عن الاعتماد على النظام المالي الخاضع للهيمنة الأمريكية.
وعليه، فإن العامل الحاسم في الحرب المقبلة لن يكون فقط عدد الصواريخ والطائرات، بل قدرة كل طرف على تحمل الكلفة ونقلها إلى الطرف المقابل. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على ممارسة الضغط الاقتصادي من دون أن تتحمل كلفة جدية هي وحلفاؤها، وستواجه المشكلة ذاتها التي واجهتها في الميدان العسكري: قدرة على التدمير، لكن قدرة محدودة على تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية.
وفي المقابل، لا ينبغي لإيران أن تفترض أن مجرد إغلاق المضيق أو الصمود أمام العمليات العسكرية يعني تحقيق النصر النهائي. فالنصر الاستراتيجي يتحقق عندما يتحول الصمود العسكري إلى «مرونة اقتصادية»، وتتحول المرونة الاقتصادية إلى «نمو في الإنتاج»، ويتحول الاثنان إلى «استقلال عن البنى المالية الأمريكية».
المعادلة الجديدة واضحة:
«تريد أمريكا نقل الضغط من الصاروخ إلى الدولار؛ وعلى إيران أن تنقل ردها من الصاروخ إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى التجارة الإقليمية، ومن التجارة الإقليمية إلى بنية مالية متعددة الأقطاب». وإذا تم هذا الانتقال وفق خطة واضحة، وبالتزامن مع إصلاحات هيكلية داخلية، واستخدام حقيقي لقدرات بريكس، فإن الحصار الاقتصادي سيفقد جزءاً كبيراً من فعاليته.
ولعل أهم درس من الحرب الأخيرة هو الآتي:
في القرن الحادي والعشرين، تخسر الدولة عندما تتنازل عن ساحة المعركة فقط؛ أما الدولة التي تستطيع تحقيق النصر فهي التي تتمكن في الوقت نفسه من خوض الصراع العسكري والاقتصادي والمالي والجيوسياسي، وفرض الكلفة وتحملها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي ـ إيران






