أربعة عشر عاما فقط تفصل بيننا.. فهو من مواليد قرية "جناح" مركز بسيون غربية عام ١٩٤٦. بيننا مشتركات مهمة، فكلانا فلاح إبن فلاح، تخرج والده من كلية الشريعة وتحرج والدي (ابن قرية ميت فارس مركز بركة السبع منوفية) من المعهد العالي للتربية الرياضية، وكانت والدته تجيد القراءة والكتابة، فيما تخرجت امي ( بنت طحانوب محافظة القليوبية) من معهد المعلمين الأشهر في نهاية الخمسينات.. ومثلما يجيد الحديث عن ملامح مجتمعه الريفي وعن أساليبه في الزراعة والري والحصاد ومواويل النوارج وأنواع الزراعات وتوقيتها، وأغاني الأفراح والليالي الملاح والعدودة وكل عادات وتقاليد اهل الريف - والمدن ايضا - فأنا أيضا أعرف قطع "الزريبة" (حظيرة البهائم)، ومكان "العرصة" (فرن الخبيز) و "الناروزة" (فتحة سقف في غرفة النوم) ، و"المأعد" (مكان القعود الحديث، وهو عبارة عن غرفة مميزة في الدور العلوي بالبيت الريفي، يستقل بها الابن الأكبر غالبا عندما يشارف على التخرج او دخول الجيش او الزواج في بيت أبيه).. و"تكبيش" الملح (حفنة سماد عضوي يتم دسها في بتون الأرض) وركوب الملّاس (يبدو مثل مركب صغير يصنعه الفلاحون من الخيش والجريد ويطلقونه في مجري المياه بالغيط لتسهيل جريان مياه الري في الارض بلا عوائق ) الخ .. في ما يتعلق بهذا كله - وغيره في واقع الأمر - هو يعرف اكثر.. ف "احمد الجمال" بحيرة علمية تطفو على مياهها الثقافة والسياسة والصحافة، شراعها التاريخ وبوصلتها الجغرافية وعمقها الوطنية. لم يتلق جدي فدادين خمسة، ولا أبي رحمهما الله، ولم يأت الأستاذ الجمال في سيرته الذاتية على أي من هذا الحديث عندما تكلم عن يسر معيشته، لكنني عرفت معني العروبة في صباي، فانا درست تاريخ مصر والعرب الحديث والمعاصر في كلية الأداب جامعة عين شمس قسم تاريخ، وذلك هو المشترك الثاني الذي يجمع بيننا، فقد سبقني إلى الدراسة في هذا القسم نفسه وفي تلك الكلية في سبعينيات القرن الماضي.. وكدت أن أعمل فيه معيدا، ولم أفلح، فيما استطاع هو أن يسجل لنيل الماجستير في الجامعة، ولولا انه دفع ثمن النضال في انتفاضة الخبز ومظاهرات الطعام عام ١٩٧٧ من حريته حيث تعرض للسجن بسبب مشاركته فيها، وربما لو لم يغادر مصر، ويساهم في تأسيس جريدة الخليج الشارقية، ويغدو مع الوقت أحد ألمع كتابها، ويرتبط اسمه بالـ "ناصرية" (رئيسا للجنة تخليد الزعيم جمال عبدالناصر، ونائبا فيما بعد لرئيس الحزب الناصري بعد تأسيسه)، وآمن بثورة يوليو 52، بكل مبادئها في النضال من اجل استقلال وتحرر الأمة العربية، والكفاح ضد الاستعمار وأعوانه، والقضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم.. ربما لو أكمل مشواره الأكاديمي، لكان واحدا من أبرز أساتذة علم التاريخ المصري الحديث.
هنا في ثنايا هذه القضايا تلمح المشترك الثالث بيننا وهو التقدير المشترك بيننا للزعيم عبدالناصر، وأما الرابع فهو انني ولجت إلى الصحافة من أبوابها كمحرر صحفي، يعمل في جميع فروعها ومجالاتها، بينما ولج هو إلى المهنة من باب الكتابة، ككاتب رأي وعمود يومي، وبالطبع يساهم في القضايا الفكرية التي تثيرها الخليج ومركزها للدراسات في الثمانينات.
أحمد الجمال ليس مجرد كاتب كبير.. يكتب اليوم في الأهرام والمصري اليوم.. ولا مدير مكتب لجريدة إماراتية كبري، وليس مجرد رجل "شبعان"، لا يُرّيِلْ" على حفنة دولارات من هذا او تلك.. وإنما الجمال رجل مبدئي، عرفته عن قرب منذ زمن بعيد (العام ١٩٨٧) أرسلني اليه فنان الكاريكاتير رؤوف عياد لأعمل محررا في مكتب الخليج الذي عاد من الشارقة ليؤسسه، ومن بعد "عياد" وعندما تخرجت وولجت عالم الصحافة تذكر استاذي المؤرخ الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشِّلْق أن هذه نفس الخطى التي سار الجمال عليها من قبل بنحو عقد كامل من الزمان، مع فارق انني لم أشارك في مظاهرات الطعام ولم أدخل السجن حتى الآن!
ليس لهذه الاسباب رفض أحمد الجمال إغراء قناة العربية له بالمال، ليطل على المشاهدين العرب، حيث تلقى "دعوة من قناة سعودية للحديث عن عشرات التفاصيل في تاريخ مصر وأرسلوا - هكذا كتب على صفحته هاتكا سر الدعوة - لي عدة أوراق تحتوي الاسئلة ورؤوس الموضوعات" واستطرد الجمال كاتبا وشارحاً موقفه من دعوة القناة (عُرِف أنها العربية!): " اعتذرت كتابة عن عدم الاستجابة ".. وفي بعض مواضع الاعتذار كتب يقول:
"قرأت الورق وهالني مافيه من أسئلة وتفاصيل تمتد زمنيا على مدار أكثر من قرن
وتعجبت من الإصرار في الأسئلة عن الأسانيد والوثائق والمصادر وغيرها، ثم أن الأبعاد الإقليمية والدولية غابت تقريبا، وخاصة الدور الصهيوني والدور السعودي والدور الامريكي وهي أدوار ساهمت بقوة في تقويض التحرر الوطني والقومي في المنطقة، ويكفي ماقاله عادل الجبير عن التعاون السعودي الامريكي في ضرب ومحاولة إسقاط نظام عبد الناصر بل وتحريض ملك السعودية على ذلك"
وأضاف الجمال: "لقد استحضرت ما فعله مصطفى الفقي وعمرو موسي بظهورهما في محطات خليجية وسعودية ونهشهم لتاريخ مصر.. وأظن وليس كل الظن إثما أن هذه الجولة التي تحضرون لها هي استكمال للمهمة، بحيث تظهر النخب الفكرية والعلمية المصرية متضاربة مختلفة متصادمة حول تاريخ وطنها ولا مانع لدى بعض منها أن يمارس نهش تاريخ وطنه في محطة سعودية"
لقد كنت مستعدا للحضور ولكني تيقظت لما تم من الفقي وموسى، وتيقظت أيضا على أنني لابد أن أركز على الدور "السعوصهيوأمريكي" في تخريب وتدمير أعظم مرحلة في تاريخ الأمة وهذا ما لن تسمح به العربية أبدا"
قلب الاستاذ الجمال الطاولة على رأس الجميع، من العربية إلى الفقي ومن أستاذ التاريخ الذي وضع الأسئلة إلى عمرو موسى الذي سقط - والفقي - وغيرهما في الفخ، وأصبح ما كتبه الجمال "تريندا" ربما من حيث لا يقصد!
أخطأت العربية سهامها هذه المرة، فقد كان الجمال منذ زمن بعيد، أحد أنزه الكتاب والصحفيين ومدراء مكاتب الصحف العربية في منتصف الثمانينات.. كان الوحيد من بينهم الذي يمتلك مرسيدس أحدث موديل (وكنت أنطقه كفلاح "مرشيدس" قبل ما اتنجر وأبقي بندّري وأقول بدلال الميسورين مرسيدس!) وكنا إذا حان وقت الغداء ونحن في مكتبه، نجده وقد عزمنا على "موزة بتلو وريش" من افضل المحال.. والأهم والأروع من كل هذا أنه لم يتدنى أبدا كغيره، فيختلس مثلهم من مخصصات المحررين، مطلقا لم يكن ليفعل ذلك.. وشخصيا حصلت منه على مكافأة بالدولار نظير حوار مع عادل إمام) فلم يكن الجمال منذ زمن بعيد يحتاج إلى سرقة أو إلى نفاق ليجمع الأموال.. ولعله مثل أي فلاح "أراري" كان أشطر مني ومن غيري، فقد نجح في ان يكون له نشاطه الخاص الذي يحميه من الاحتياج المالي الذي بتنا نسقط في براثنه!
مرة أخرى .. ليس هذا وحسب الذي عصم الجمال من السقوط فيما سقط فيه آخرون، وانما هذه أولا هي طبيعة الفلاح، الذي يستطيع أن يفهم ما وراء السطور ويقرأ المستقبل على ضوء الماضي، ويستطيع أن يقيم وبمنتهي الوعي والثقة نتائج كل كلمة يقولها وفي أي مكان.. وثانيا هو على مدار تاريخه رجل مبدئي.. ومع هذا فهو الوحيد الناصري الذي يكتب لدى رجل الأعمال صلاح دياب إمام الرأسماليين.. فلم يغير موقفا أو يحد عن مبدأ، وحتى عندما كتب عن رجل الأعمال صلاح دياب كتب بذكاء من دون أن يفقد البوصلة والتوجه، في صحيفة رجل أعمال هو نفسه في قطيعة مع المشروع الناصري.
خلافي مع الأستاذ الجمال خلاف في الرآي حول النظام الحاكم، وتلك قضية أخرى ليس هذا محلها الآن، ولكن بالتأكيد كنت سعيدا بما حققه لنا الكاتب الكبير والمناضل الوطني الجسور، من هدم معبد العربية بمجرد إرساله خطابا من بضع كلمات يرفض فيه عرضها المغري، لم تكن كأي كلمات، وإنما كانت أشبه برصاصة الرحمة. شكرا أستاذ جَمّال.
------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






