"لبنانيون ضد التطبيع" و"مسيحيون من أجل لبنان".. مبادرات شعبية ترفض التفاوض وتتمسك المقاومة
نشر الحساب الرسمي للخارجية الإسرائيلية على منصة "إكس" خريطة تتضمن إحصاءات حول نسب سوء التغذية لدى الأطفال دون سن الخامسة في الشرق الأوسط، شملت كلاً من: مصر، السودان، العراق، سوريا، لبنان، الأردن، السعودية، اليمن، تركيا، وإيران؛ في خريطة توحي مجدداً بمشروع "إسرائيل الكبرى ومحيطها".
أرفقت الخارجية الإسرائيلية نصاً تدعي فيه: "دراسة جديدة كُلفت بها اليونيسيف تظهر أن الوضع الغذائي في غزة - خلافاً لجميع الدعاية..."، مؤكدة بالأرقام - وفق زعمها - أن الوضع الغذائي لأطفال غزة أفضل من الدول المحيطة، حيث بلغت نسبة سوء التغذية 1.3%، أسوة بتركيا ولبنان، فيما تسجل دول الجوار نسباً مرتفعة (الأردن 2.3%، مصر 3.3%، العراق والسعودية 3.9%، إيران 4.2%، سوريا 12.2%، اليمن 16.8%، والسودان 17.7%).
سارعت منظمة "اليونيسف" والجهات الأممية إلى تفنيد هذا الادعاء، موضحة أن البيانات المستخدمة قديمة وتعود لعام 2020، ولا تعكس الواقع الإنساني الكارثي الحالي في قطاع غزة، حيث قفزت معدلات سوء التغذية بين الأطفال إلى ما بين 8.9% و16.5% في المناطق الأكثر تضرراً جراء حرب الإبادة والتجويع. كما نفَت المنظمة تكليف إسرائيل بإعداد أي دراسة، مؤكدة أن تقارير التغذية تُجرى بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الصحة الفلسطينية، وليس بواسطة السلطات الإسرائيلية.

الجدير بالذكر أن الخارجية الإسرائيلية سبق ونشرت هذه الإحصائيات في 3 مارس 2024 للتغطية على التقارير الدولية وتحذيرات المجاعة، قبل أن تحذفها تحت وطأة الانتقادات وتفنيد المنظمات الدولية.
وفي 9 أغسطس 2026، أعادت الخارجية الإسرائيلية نشر التدوينة والخريطة ذاتها، متضمنة التضليل نفسه حول غزة، دون أي بيانات تخص فلسطين المحتلة أو قبرص. واللافت أن الخريطة أظهرت الحدود الشمالية لإسرائيل ممتدة لتقتطع جنوب لبنان، بالتزامن مع نشر صحيفة "هآرتس" صوراً للأقمار الصناعية تؤكد احتلال الجيش الإسرائيلي لـ 600 كيلومتر مربع من الجنوب اللبناني، وإنشاء قواعد عسكرية وطرق دائمة ومحو قرى بأكملها.
وفي المقابل، غاب أي موقف رسمي علني أو إدانة صريحة أو مذكرة احتجاج للأمم المتحدة من جانب السلطة اللبنانية ووزارة الخارجية، واقتصر الأمر على تسريبات صحفية ونقل عن وسائل إعلام قريبة من السلطة واليمين المسيحي حول "اتصالات خلف الأبواب المغلقة" و"رسائل استفسار عبر قنوات دبلوماسية"، وتوجيهات من رئيس لبنان جوزاف عون للتحرك أميركياً وأممياً دون تبنٍّ رسمي علني.
وبينما تخندقت أطراف السلطة اللبنانية وحلفاؤها خلف التكتم والصمت الرسمي والتسريبات الإعلامية، واكتفت القوى والأحزاب والجهات اللبنانية الأخرى بتصريحات صحفية لقياداتها لإبداء المواقف عبر منصات وصحف قريبة منها، أطلق "حزب الله" بياناً اعتبر الخريطة إثباتاً قاطعاً لأطماع العدو المستمرة، مؤكداً أن الانخراط في "المفاوضات المباشرة" ليس سوى غطاء للاحتلال لكسب الوقت وفرض وقائع جديدة على الأرض. وحمّل الحزب السلطة المسؤولية الكاملة عن الاستمرار في مسار التنازلات المفتقر لأوراق القوة، ودعا لعقد جلسة طارئة لمجلس الدفاع الأعلى وتقديم شكوى لمجلس الأمن، وانسحاب السلطة اللبنانية من المفاوضات والتوقف عن منح الهدايا المجانية للعدو.

ومع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وانتهاك السيادة اللبنانية وتدمير البنى التحتية، وتصاعد الحديث عن مسارات التفاوض غير المجدية، أعلنت أكثر من 94 هيئة وجمعية ومؤسسة ورابطة ومنظمة أهلية ومدنية، وطلابية ونقابية وثقافية واجتماعية مبادرة "لبنانيون ضد التطبيع"، بهدف توحيد جهود المجتمع الأهلي والثقافي والشعبي لمواجهة مشاريع التطبيع مع الاحتلال والتصدي لكل أشكال الترويج لها، وتوحيد الأطر الرافضة دون إلغاء أي منها.
وشهد مسرح المدينة في العاصمة بيروت، يوم الخميس 6 أغسطس 2026، إطلاق المبادرة بمشاركة حشد من النواب والشخصيات السياسية والحقوقية والثقافية والفنية والرياضية وممثلي المجتمع الأهلي. وأكد "النداء الوطني" الصادر عن اللقاء الرفض القاطع للمساومة واعتبار التطبيع "مكافأة مجانية للمجرمين"، وأن رفضه حق دستوري تكفله القوانين. كما أعلن النداء خطة عمل موحدة تهدف إلى حشد الدعم السياسي والتصدي للضغوط، وتفعيل المقاطعة الاقتصادية وشل أي تعامل تجاري، ورصد الاختراقات الإعلامية والثقافية ومواجهة السرديات المعادية، وحماية التشريعات القانونية المناهضة للعدو، والتوجه نحو جيل الشباب والقطاعات التربوية لبناء وعي وطني عابر للطوائف والمناطق.
من جانبه، أكد المناضل جورج عبد الله (الذي قضى 40 عاماً في سجون فرنسا) أن المرحلة الحالية تتطلب التمسك بالمقاومة كخيار لبناء الهوية الوطنية، مشدداً على أن المبادرة مهمتها دفع الأحزاب الوطنية للالتفاف حول المقاومة.

مسيحيون من أجل لبنان
وفي سياق متصل، أصدر تجمع "مسيحيون من أجل لبنان" بياناً في 26 يوليو 2026، دعا فيه المراجع السياسية -ولا سيما المسيحية- إلى الابتعاد عن منطق الأحقاد والإلغاء والتخوين، مشدداً على أن حماية المجتمع المسيحي والصيغة اللبنانية التاريخية لا تكون إلا من خلال العيش المشترك، ومكافحة الفتنة، وتعزيز ثقافة الحوار والانفتاح واحترام التنوع كركائز أساسية لاستقرار الوطن ووحدته. وأكد البيان على تغليب منطق الدولة على المحاور الخارجية، والاحتكام للدستور، والتمسك بالتعددية التوافقية والشراكة الوطنية، وإطلاق مسار إصلاحي شامل يعيد بناء الثقة بين المواطنين والدولة، ويؤسس لنهضة سياسية واقتصادية وإدارية تعيد للبنان دوره الطبيعي كدولة حرة.
ودعا التجمع جميع اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم إلى الانخراط في حوار وطني مسؤول يهدف إلى حماية الكيان اللبناني، واستعادة ثقة المواطنين بدولتهم، وإطلاق مشروع وطني جامع يؤسس لدولة حديثة وقادرة وعادلة تحفظ كرامة الإنسان وتصون الحريات العامة وتؤمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة.
وعلى الصعيد العلمي والإسلامي، أعلن "تجمع العلماء المسلمين" رفضه القاطع للمفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني، داعياً إلى التمسك الكامل بتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني والقرار الدولي 1701. واستنكر التجمع في بيان له استمرار السلطة في المفاوضات بينما يواصل العدو اعتداءاته وانتهاكاته دون أي التزام بالاتفاقات والقرارات الدولية ذات الصلة.
ودعا التجمع السلطة اللبنانية للانسحاب الفوري من المفاوضات التي لم تمنع الاعتداءات والتدمير الممنهج للقرى اللبنانية والاعتداءات المتكررة على الجيش، بل زادت من ضغط الاحتلال، مشدداً على أن حماية لبنان وسيادته تعود حصراً لتضحيات المقاومين.
----------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع





