10 - 08 - 2026

رشقة أفكار | خفافيش وعناكب الأخ "أبو حلموس"!

رشقة أفكار | خفافيش وعناكب الأخ

- في منتصف الثمانينات تقريبا اهتم الدكتور مراد وهبة - أحد كبار أساتذة الفلسفة المصريين - بأن يكون هناك دور للمثقف في حياة رجل الشارع. كان يؤرقه أن تبقى الفلسفة محاصرة في ملعب النخبة وليست لاعبا أساسياً على أرض الواقع.. تؤثر في الناس ويتأثرون بها، وربما تقدم حلولا لما استعصى عليهم من مشكلات. تعثر الموتمر في العنوان، فمن عنوانه المبدئي المذكور أعلاه، اعيدت صياغته  ليصبح "المثقف ورجل البطاطا"، وكأن هذا الأخير (بتاع البطاطا) هو الذي يمثل البسطاء بجميع فئاتهم، فهو عامل على باب الله، ويحصل على قوته بالكاد يوما بيوم، وليس لديه فائض أو مدخرات، ويعاني مشكلات متعددة في الكسب وتكوين الأسرة وإنجاب الأطفال وتربيتهم وتعليمهم وعلاجهم، وفضلا عن ذلك ايجاد البيت الذي يأويهم. أغلب المصريين من محدودي الدخل منذ زمن بعيد.. وربما كانوا يستطيعون مواجهة أعباء الحياة وتكاليفها، على مدى فترات زمنية متباينة. وقف إلى جانبهم الرئيس عبد الناصر، وقدم لهم نموذج الرعاية الكاملة.. في المأكل والمشرب والسكن والتعليم والعلاج. وساهم في تغيير حياة الملايين من البسطاء بالإجراءات الثورية التي قام بها (لا يعجب هذا أحدا اليوم، لا الذين استفادوا من هذه الإجراءات وتغيرت حياتهم جذريا، وانتقلوا من خانة المعدمين إلى قوائم المالكين والميسورين.. حيث  ألحقوا أولادهم بأهم الجامعات فتخرجوا  منها أطباء ومهندسين وعلماء.. ولا الذين طالتهم هذه الإجراءات وفقدوا مكتسبات كانوا حصلوا عليها في عصور الاحتلال و الملكية)!!

في زمن  السادات حدث انقلاب جذري على هذه السياسات: "سيد بيه ياسيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه" (تقريبا كان يتراوح سعره بين ٦٠ و٦٨ قرشا!!).. مرحلة كان عنوانها رشاد عثمان وتوفيق عبد الحي.. تفشى فيها الفساد والنهب.. وعين "الفاسدون" في كل مكان (فلسفة توظيفهم مستمرة منذ زمن بعيد، لكنها الآن خيارا أساسيا وربما وحيدا!) من أجل السيطرة عليهم "ومحدش منهم يفتح بقه".  لكن لم  يسكت الناس، وانما انتفضوا في يناير ٧٧، ثم أنهوا القصة عام ٨١ .

مبارك حاول دائما عدم المساس بدعم محدودي الدخل، وأفاضت صحفه وأقلامه في التعبير عن معاناتهم، وروجت الحكومة باستمرار لمحاولات  الخروج من عنق الزجاجة، ورغم محاولات تقنين الدعم وتنظيمه، إلا  أنه  لم يرفع أسعارا ولم يعش الناس في عهده غلاء فاحشا وقهرا مستمرا كما هي  الحال في مصر بعد ثورة يناير، المفترى عليها والمتهمة بأنها تسببت في تأخير مصر سنوات! كثير من المصريين لا يطيقون حياتهم مع هذه الإجراءات.. الكل يعرف ذلك، حتى السلطة تعرف، ولكنها في تقديري لا تجد اليوم حلا.. فلو لم تكن هناك حالة انكار للواقع لما قال رئيس الوزراء اننا نعيش فترة ذهبية، تسمح باتخاذ إجراءات اقتصادية مثل رفع أسعار الطاقة والكهرباء! في الوقت نفسه الذي يوعزون  فيه إلى بعض الذين يشتغلون بالإعلام، بضرورة "اشتغال" الناس.. بتحذيرهم من الخروج على النظام مثلما حدث في جمعة غضب يناير، التي كانت شرارة  ثورة  المصريين المجيدة في ٢٠١١، ويطالبهم  أحدهم بأن يأكلوا الخفافيش والعناكب كما فعل الصينيون حتى يبنوا دولتهم!! وهذا ثالث يروج لما قاله  أولهم، واصفا حديثه بأنه يصدر عن "رجل خبير عرك الصحافة ٤٥ عاما، كما أنه  نائب وأيضا رئيس تحرير وهو وهو".. وكأن هذه المناصب والخبرات يجب ان يرافقها السمع والطاعة له كرجل مُلْهم، لمجرد أنه يتمتع بهذه الألقاب، "فإذا لم تسمعوا كلماته وتحذيراته بعدم الخروج فسوف تؤثرون في مستقبل الوطن وتؤخرونه لخمسمائة سنة قادمة"! زميلنا محمد على خير الذي توسمت فيه الخير والطيبة وعدم الانزلاق وراء هذه الأفكار المغلوطة هو من يقول ذلك..  محذرا الناس من النزول إلى الشارع احتجاجا.. ولكن من دون ان يسأل الحكومة ماذا فعلت وفيم تسببت سياساتها غير الرشيدة وما هي البدائل المتاحة الآن؟!

التجريف  طال كل مناحي الحياة والأشياء والأفكار وحتى الكثير من الناس.. وامتد أيضا إلى طرق الإقناع وأساليبه ووسائله.. التواصل مفقود.. الردود على الأفكار باتت بعيدة عن المقاصد والأهداف وصلب الموضوعات..  الحوار لم يعد حوارا، صار تعبير "حوار الطرشان" مستهلكا، واستبدل بحوار الهراوات الذي تستل فيه  صواريخ الكلمات! والحقيقة أنني لا أعرف لماذا يتكبد نظام مشقة الاعتماد على "فشَلة " لايجيدون  - ولاحتى  يحاولون - ابتكار الأفكار والردود الجديدة! لم يتعلموا من فيلم "ابو حلموس" (إنتاج عام 1947)، بطولة نجيب الريحاني وقد لعب  شخصية  "شحاتة أفندي" فيما أدى عباس  فارس دور ناظر الوقف، وتبارى الاثنان في كشف حيل التلاعب المالي في حسابات الأملاك الموقوفة، وذلك في مشهد شهير يُعَلِم فيه الريحاني (أو شحاته افندي المحاسب) ناظر الوقف كيفية أن يكون احتياله مقبولا، فإذا أراد أن يكون سعر بياض غرفة واحدة  92 جنيها، فيجب تزوير الفواتير بطريقة احترافية ومبلوعة بـ " تفقيطها"- أو تفكيكها -  تحت بنود مثل: كحت البياض، سنفرة الحيطان، تقطيب الخروم، ثم الدهان، وذلك بدلاً من كتابة أرقام مبالغ فيها بشكل مفضوح لا يقبله العقل!. حتى مدرسة الريحاني الفنية في ابتكار الردود لم يتعلم منها أحد، مع أنها لاتزال صالحة!

لا أفضل ولا أدعو ولا أريد للناس الخروج إلى الشارع. الناس في هكذا حالات لايعرفون ماذا يفعلون فعلا، وبالتالي تجد آخرين هم الذين يفعلون ما يريدون، مثلما فعل "الإخوان المفسدون".. وفي ظروف مثل ظروف مصر المستمرة منذ العام ٢٠١١، وما اتفق الناس عليه، بحسب تعبير الأستاذ هيكل، من" تجريف شامل" (وأيضاً من سلطة شاخت في مواقعها، زالت ومازالت، ونخبة أيضا شاخت في أفكارها، وتأثرت بفعل هذا الجمود الرهيب الذي ساد الحياة السياسية المصرية منذ عصر مبارك وحتى اليوم) .. فإنه يمكن القول أن الحكومة والشعب معا يعانيان من التجريف.. فقد طال كل شيء.. لا يوجد وزير يقدم أفكارا رائعة.. ويعمل بفكر مختلف ولديه إمكانية تقديم الحلول وابتكار الوسائل (افتح  قوسا لتحيي مثلا الدكتور عزيز صدقي ، وصدقي سليمان وثروت عكاشة) وافتح  آخر لتدين وزيرا كعبدالرزاق عبدالمجيد الذي كان يتحايل على عجز الميزانية (زمن السادات)، فتارة عندما يريد الحديث عن العجز فانه يحذف الديون من البيانات التي يقدمها للبرلمان! استصدر قانونا من قوانين الحواة نجح به في فصل موازنات الهيئات الاقتصادية وصناديق التمويل المثقلة بالديون (مثل هيئة السلع التموينية) عن الموازنة العامة، وبهذا تبدو  الخطة والموازنة رابحة. أما إذا  أراد إبراز العجز الشديد فيها فانه يعود لإضافة خسائر هذه الهيئات إليها!

شغل حواري وحلق حوش وتلات ورقات. شيء مثل هذا فعله بعض وزراء مبارك في استخدام أموال التأمينات، وبيع الأراضي والمصانع والشركات الكبرى. دعونا نقر ونعترف بأن  شعبية الرئيس السيسي في عام ٢٠١٥  فاقت شعبية ناصر، لكن بعد هذا التاريخ طغى حديث مستمر عن تآكل هذه الشعبية! لا يمكنك أن تتحدث عن الناس بمثل حديث يوسف الحسيني (الصينيون جاعوا وأكلوا الحشرات عشان يبنوا دولة!) ولا تتحدث كما تحدث بكري (بحذركم من الخروج لان ده فيه دمار لمصر) البسطاء لم يعد لديهم مايخافون عليه يابكري، وهؤلاء هم مجتمع "الـ٩٩ ونصف  في المية بتوع زمان".. أما مجتمع النصف في المية الذي استأثر في الماضي و يستأثر في الحاضر بكل شيء، فهو الذي يجب أن يخاف الآن.. ببساطة "إيش تاخد الريح من البلاط "؟! فعندما تحذرون الناس من الخروج - الذي أنا ضده بكل تأكيد - فيجب أن تقال الأسباب وتوضح الحقائق، وتكون هناك مكاشفة: فيم أخطأنا وكيف يمكن إصلاح الأمور.

أما الذين يدعوننا لأكل العناكب والخفافيش، ويحذروننا في نفس الوقت من الخروج، فعليهم  الاستلهام من درس الريحاني المهم، الذي يمكن الاحتيال به لإبعاد شبحه، بدلا من التحذير والترويع، وذلك بأساليب مبتكرة، كما ذكرها الريحاني في أبو حلموس، حيث يتم "تفنيط" بنود المشتروات والأسعار والتصرفات، لاسيما عندما تطلب الدولة من الناس دفع ثمن غير منطقي لطلاء غرفة واحدة بمبلغ  ٩٢ جنيها ( بنقود العام ١٩٤٧)، من دون أن يعرف تلامذة الإعلام كيف يسوقون للناس قبول هذا الاحتيال!!
----------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | خفافيش وعناكب الأخ