10 - 08 - 2026

هوس المظاهر الدينية.. وفاتورة تخلفنا

هوس المظاهر الدينية.. وفاتورة تخلفنا

لدينا إشكالية كبرى في منطقتنا العربية - تلك المنطقة التي تخلفت عن مواكبة التقدم والرقي - تتمثل في هذه المظاهر الشكلية للتدين التي يجيدها البعض بعيداً عن جوهر الدين الإسلامي العظيم. إنها كارثة أخلاقية تُفرغ الدين من مضمونه الحقيقي ليصبح مجرد "ستار شكلي" أو "سلعة تُستغل" في الخصومات السياسية والمكاسب الشخصية الضيقة.

إن الدين الإسلامي في أصله وجوهره إنما جاء ليرسي مكارم الأخلاق؛ جاء من أجل المساواة بين الناس، والصدق، والأمانة، وإتقان العمل، واحترام الآداب والنظام العام، وحرمة حقوق الآخرين.

لكن المشهد العربي على مدار السنوات الطويلة الماضية بات يعاني ظاهرةً شديدة الخطورة؛ وهي طغيان "التدين الظاهري" على حساب جوهر هذا الدين؛ حيث أصبح من السهل جداً على البعض أن يرتدي عباءة التقوى، أو يرفع الشعارات الدينية، أو يستعرض أمام الناس بمظاهر العبادة، من أجل تحقيق انتصار زائف، أو اصطناع مظلومية، أو البحث عن "تريند" إعلامي!

ولعل النظر في واقعنا الحالي يكشف لنا بوضوح كيف تُستغل هذه المظاهر والعواطف الدينية الجياشة لدى الشعوب بطرق تجافي العقل والمنطق والضمير، ونستحضر في ذلك نموذجين:

النموذج الأول: (فاطمة يوسف حسن عريبي)؛ تلك الفتاة التي كانت تنتمي لجماعة الإخوان، حين ادعت زوراً تعرضها للاغتصاب عقب أحداث 30 يونيو في مصر - قبل أن تتراجع وتعدل عن كذبها - بهدف ترويج شائعات وأكاذيب تعزف على وتر النخوة والدين لدى الناس. ولم يكن ذلك منها حينها سوى اتجار صريح بالقيم الأخلاقية والدينية للمجتمع لخدمة أهداف جماعة سياسية تتخذ من الدين وسيلة لأهدافها، وهو مسلك لا يسيء فقط للقيم الدينية، بل يضر أيضاً بالمجتمع ككل وبصفة خاصة بقضايا المرأة وعدالتها.

النموذج الثاني (والمعاصر): ما نتابعه الآن في قضية "التريند" لسيدة تدعى (ندى متولي)؛ حيث حُوّلت الصلاة - التي أصلها وجوهرها الخشوع والصلة الخفية بين العبد وربه - إلى أداة للاستعراض، لتثير جدلاً واسعاً بإصرارها على أداء الصلاة في مكان مخصص لتناول الطعام في مطعم عام. والمأساة لم تقف عند حد هذا الاستعراض، بل امتدت لتغييب العقل والمزايدة الأخلاقية على مدير المطعم الذي حاول تطبيق النظام، وأمام التعاطف المتوقع ممن تنطلي عليهم هذه الاستعراضات الشكلية، فُصل الرجل من عمله وقُطع رزقه!

والحقيقة أن هذه الحالة النموذجية للتدين الشكلي تختصر المأساة الكبرى التي تعيشها شعوب هذه المنطقة المنكوبة بالتخلف؛ حيث أضحى مجرد تطبيق آداب المكان ونظامه خطيئةً عظمى أمام السيل الجارف للدفاع عن مظهر مزعوم للعبادة أمام الناس، بينما الصلاة ذاتها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتأمر بأدب السلوك وحسن المعاملة بين الناس.

إن هذه النماذج وغيرها ليست مجرد حالات فردية عابرة، بل هي مؤشر على أزمة وعي عميقة وأزمة أخلاق قديمة ومستمرة في مجتمعاتنا العربية؛ أزمة تظهر في تفشي التدين الظاهري وشيوع الشعارات، في مقابل واقع يعاني انتشار السرقات والرشاوى وتراجع الأمانة والغش واستسهال أكل الحقوق، والمضحك أن تجد بعضهم قد علق خلف مكتبه يافطة بآيات قرآنية! ليصبح كل من يستخدم يافطة أو شعاراً دينياً أو يمارس عبادة علنية محصناً من المساءلة، حتى لو تجاوز القانون أو أضر بحرية الآخرين.

وإذا كانت الحكمة تقول "إن بالتضاد تُعرف الأضداد"، فماذا لو أتحنا في هذا المطعم أمكنة لأصحاب كل دين ليمارسوا صلاتهم؛ فنخصص مكاناً لصلاة المسلمين، ومكاناً لصلاة المسيحيين، ومكاناً لليهود والهندوس والبوذيين.. إلخ، فهل سيبقى المكان مناسباً لتناول الناس طعامهم، ولعمل العاملين به وتكسب أرزاقهم؟!

إن المعيار الحقيقي في أي مجتمع يسعى للتقدم هو "الالتزام والسلوك والكفاءة"، وليس المظهر ولا الانتماء الديني؛ فالمجتمعات لا تُبنى بالادعاءات والشعارات، بل بالعمل الجاد والاحترام المتبادل لحريات الآخرين.

على أنه من المهم أن ننتبه إلى أن مواجهة ظاهرة التجارة بالدين لا تكون أيضاً بالإساءة للدين وقيمه ومبادئه وتعاليمه الروحية، بل بإعادة الاعتبار لجوهره، وإعمال القاعدة الذهبية التي اختصرها الرسول الكريم محمد - عليه الصلاة والسلام - في جوهر رسالته بقوله المختصر البليغ: "الدين المعاملة".

ألم يحن الوقت لنواجه أنفسنا بالحقيقة الصريحة المرة؟ إن الشعوب التي باتت تستمرئ الانشغال بقشور الدين وشكلياته وتدمن الرياء، تاركةً جوهره وقيمته المتمثلة في العلم والعمل واحترام الحريات والقانون، هي شعوب كَتَبَت على نفسها التخلف والضياع. إن العالم من حولنا قد سبقنا وانطلق نحو المستقبل على أسس من القوة والمعرفة، بينما لا نزال نغرق في شكليات لا تقدم ولا تؤخر، حتى أصبحت بلادنا مستباحة، يطمع فيها الغزاة، ويحتلون أراضيها، ويقتلون أبناءها، ويغتصبون نساءها، بعد أن استبدلنا الإيمان الحقيقي والتطبيق العملي لجوهر الدين بهوس عقلي ومجرد استعراض شكلي لمظاهره.

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ وما دام الدين في هذه المنطقة المنكوبة من العالم قد أصبح مجرد مظهر استعراضي، فإن المقابل الحتمي هو مزيد من التخلف والهوان. فالأقوياء من حولنا لا يحترمون أمةً ضعيفة توقف بها الزمن عند مظاهر دينية شكلية، بل يطمعون فيها، فيغزونها، ويقتلون أبناءها، ويغتصبون نساءها، وهم يضحكون على أمةٍ غارقة في جهلها تحسب أنها تحسن صنعاً بينما هي تتخلف عن ركب الحضارات!

ذلك هو الداء العُضال الذي اختصره حكيم العرب وشاعرها أبو الطيب المتنبي منذ مئات السنين في بيت شعرٍ صريح، وما زالت الأمة تعاني منه ولم تجد له دواءً حتى اليوم:

أَغايَةُ الدينِ أَن تحفوا شَوارِبَكُم .. يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ.
--------------------------------
بقلم: أسعد هيكل
* المحامي والحقوقي


مقالات اخرى للكاتب

هوس المظاهر الدينية.. وفاتورة تخلفنا