في إطار رسالته الهادفة إلى إتاحة أهم الأعمال الفكرية والإبداعية العالمية للقارئ العربي، يواصل المركز القومي للترجمة تقديم إصداراته التي تجمع بين القيمة المعرفية والمتعة الأدبية، ومن بينها الطبعة العربية من الرواية التاريخية "رسائل ابن البيطار.. العشّاب الأندلسي"، تأليف سيمون لافلوريل- زكري، وترجمة عادل مهنّى، في عمل يعيد إحياء واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الطب والنبات العربي.
تأخذ الرواية القارئ إلى عالم العالم والطبيب والنباتي الشهير ابن البيطار، عبر مجموعة من الرسائل التي يكتبها إلى السيدة حصيفة، التي كانت تتولى نسخ أطروحته الخالدة "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، ذلك المصنف الموسوعي الذي وصف فيه أكثر من ١٤٠٠ عقار نباتي وحيواني ومعدني، من بينها نحو ٣٠٠ عقار ابتكره بنفسه، موضحًا الخصائص العلاجية لكل منها، وقد ألّفه خلال إقامته في مصر، وقسمه إلى أربعة أقسام، ليصبح أحد أهم المراجع في تاريخ الطب والصيدلة.
ولا تكتفي الرواية بتقديم الجانب العلمي لابن البيطار، بل ترسم من خلال رسائله صورة إنسانية نابضة بالحياة؛ يستعيد فيها ذكريات طفولته وشبابه في الأندلس، التي غادرها بإرادته وهو في العشرين من عمره، مدفوعًا بشغفه بالعلم، ومتجهًا إلى المشرق طلبًا للمعرفة والاستكشاف. وبين محطات رحلته، تتداخل تأملاته الشخصية مع عرض ثري لإسهامات العلماء العرب في ميادين المعرفة المختلفة، ولا سيما علوم النبات وطب الأعشاب، في سياق يمزج بين الوقائع التاريخية والأحداث والصراعات التي عاشها حتى وفاته في دمشق.
وتقدم الرواية رؤية أدبية ثرية تستند إلى وقائع تاريخية، فتجعل من الرسائل نافذة يطل منها القارئ على عصر ازدهرت فيه المعرفة، وعلى شخصية عالم لم يكن باحثًا في النبات فحسب، بل رحّالةً عاشقًا للعلم، حمل شغفه من الأندلس إلى الشرق، وترك أثرًا ظل حيًا عبر القرون.






