كنت أنوى أن لا أكتب مقالات فى العيد ال ٧٤ لثورة يوليو، وذلك لأن الكتابة عن يوليو خاصة بعد وفاة الزعيم الخالد قد تحولت إلى إما تصفية حسابات من قلة تعتبر نفسها أضيرت من قرارات التأميم وهم لا يتجاوزون بضعة آلاف سواء من طبق عليهم قانون الإصلاح الزراعى الأول وقد ترك لهم حينها ٢٠٠ فدان أو من طبق عليهم القانون الثانى عام ١٩٦١ وقد ترك لهم مائة فدان إضافة لمن أممت بعض مصانعهم وجميعهم لا يتجاوزون غير أكثر من ألفين بقليل. فى الوقت الذى كان فيه تعداد المصريين عشرين مليون مواطن يرزخون تحت نير وذل وأستبعاد وقهر تلك الفئة المالكة والتى كتب التاريخ طريقة وأسلوب وظروف تملكهم، حيث كان محمد على هو المالك والزارع والصانع الوحيد!! أما الفئة الأخرى هى من تغريهم نوستالجيا الماضى فيعيشون فى أوهامه وخيالاته ويتصورون أنهم كانوا أبناء الإقطاع ورأس المال وأنهم اضيروا بسبب الثورة.
الفئة الأخرى تلك الفئة التى استفاد أجدادها وآبائها من الثورة فى كل المجالات، وأهمها إعادة كرامة الإنسان المصرى وترقيته اجتماعيا دون النظر للانتماء الطبقى، ولكنهم تتملكهم جينات العبيد الذين يستمرئون العبودية! الفئة الأخرى التى تعانى من ظروف الحياة الاقتصادية وتسمع وتتأثر بالمقولات والشائعات وحكاوى القهاوى، فيصدقون أن عهد الملكية هو العهد الذى كان سيحل لهم مشاكلهم التى يعيشونها والتى يعانون منها الآن !!! وكأن الثورة التى وئدت منذ عصر السادات مسؤولة عنهم الآن! أما الفئة الأخيرة هى تلك الفئة التى يسيطر عليها السلوك والفكر الطائفى الموروث فيرفضون يوليو ويرددون عنها كل الشائعات والأكاذيب التى لا علاقة لها بالتاريخ من قريب أو من بعيد!! وهم بعض الأقباط الذين لم يعيشوا الثورة ولكنهم ورثوا مقولات طائفية تعتمد على الموقف الطائفى المنغلق الوارث مقولة أن مصر وطن المسيحيين ، وأن العرب قد جاءوا واستولوا على مصر. فهنا وعلى هذه الأرضية الطائفية والخاطئة عمليا وحياتيا وتاريخيا يعتبرون أن عبد الناصر قد جاء بسياسة تهدف إلى غير صالح المصريين المسيحيين، خاصة عند تبنيه سياسة القومية العربية التى كانت تهدف صالح مصر أيضا! إضافة لوهم أن الثورة قد أممت أراضى ومصانع المسيحيين الذين كانوا يستولون على الاقتصاد (كما يتوهمون) وكأن الثورة قد أممت أموال المصريين المسيحيين فقط ولم تؤمم أموال المصريين المسلمين! متناسين أن الثورة قد استثنت تطبيق القانون على خمسة آلاف فدان ملك الدير المحرق بالقوصية!!
فهل هذه معالجات تاريخية حقيقية وصحيحة؟ التاريخ ياسادة لا يكتبه المنحازون هنا أو هناك. لا من يحبون الثورة أو يكرهونها. فالحكم على الحدث التاريخى لا ينفصل عن معرفة ودراسة المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تحيط بالواقع المحلى وتأثيرات المعطيات والواقع الإقليمى والدولي. فلا تاريخ يحاسب حدثا تم منذ ثلاثة أرباع قرن على أرضية الواقع المعاش الآن، ولكن فى الظروف التاريخية وقت وقوع الحدث. كما أن التاريخ لا يكتب بتصريحات من لم يكن والده إقطاعيا أو رأسماليا، بل كان مهندسا صاحب شركة مقاولات صغيرة وهرب إلى ليبيا وعاد هو وأولاده حتى أصبحوا مليارديرات على حساب الشعب المصرى فى غفلة من حقبات الفساد الذى تزاوجت فيه السلطة مع المال. وهو يستغل المناخ الطائفى ويهاجم الثورة وعبد الناصر لأن كثيرا من الأقباط غير الفاهمين يتوهمون على أرضية طائفية أن ثروة النجيب شراكة معهم! ولا يكتب التاريخ ابراهيم عيسى الذى كان ناصريا ومتوافقا مع الجماعة ومع وضد مبارك ...الخ
لا يصح غير الصحيح ومن يتحدث عن مصر الملكية نسأله سؤالا: تصوير الحياة الملكية أنها النعيم والرفاهية لمن؟! للألفي رأسمالى وإقطاعى، أم للغالبية الغالبة من الشعب المصرى الحافى والفقير والجاهل والمريض؟ صحيح اللى اختشوا ماتوا، ولكنهم لا يختشون ولا يخجلون لأنهم كاذبون.
حمى الله مصر وشعبها العظيم .
-------------------------------
بقلم: جمال أسعد






