29 - 07 - 2026

"أداجيو.. اللحن الأخير" ... حين يتحول الفقد إلى موسيقى بصرية لا تنتهي

ليست كل الأعمال المسرحية التي تتناول المرض أو الموت تنجح في الإفلات من فخ الميلودراما، لكن عرض "أداجيو.. اللحن الأخير"، الذي أعدّه وأخرجه السعيد منسي عن رواية الأديب إبراهيم عبد المجيد، ينجح إلى حد كبير في تحويل الحكاية إلى تجربة شعورية تتجاوز السرد التقليدي، ليصبح المسرح نفسه مساحة للتأمل في الذاكرة والحب والفقد والزمن.

العرض لا يروي قصة زوجين يواجهان مرضًا عضالًا فحسب، بل يقدم رحلة داخل النفس البشرية، حيث يصبح المرض مجرد بوابة لاكتشاف معنى البقاء، لا بوصفه استمرارًا للحياة وإنما استمرارًا للأثر الذي يتركه الإنسان في قلوب من يحبهم.

المسرح باعتباره معزوفة

عنوان العرض ليس اختيارًا زخرفيًا. فـ"الأداجيو" في الموسيقى يعني الحركة البطيئة، وهو الإيقاع الذي يحكم البناء الدرامي بأكمله، وهو ما نلحظه في إيقاع المسرحية حيث لا توجد قفزات حادة في الأحداث ولا صدامات مباشرة تعتمد على المفاجآت، بل يتقدم العرض كما لو كان قطعة موسيقية تتصاعد تدريجيًا، تسمح للمشاهد بأن يعيش الحالة بدلًا من أن يراقبها.

هذا البطء قد يبدو للبعض مخاطرة، خاصة في زمن أصبحت فيه العروض المسرحية تميل إلى الإيقاع السريع، لكنه هنا يتحول إلى ضرورة جمالية لأن العمل لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن الإنصات للمشاعر الصغيرة، تلك التي لا تُقال عادةً بصوت مرتفع.

نص أدبي يرفض الاستسلام للمسرحة التقليدية

الاقتباس المسرحي عن أعمال إبراهيم عبد المجيد ليس مهمة سهلة، فالرجل يكتب بعين روائي يراهن على التفاصيل الداخلية وعلى التدفقات النفسية أكثر من اعتماده على الحدث الخارجي.

ما يميز معالجة السعيد منسي أنه لم يحاول تحويل الرواية إلى حوار مباشر بل حافظ على طابعها التأملي، مع إعادة بناء كثير من المشاهد بصريًا، لتصبح الصورة المسرحية جزءًا من عملية السرد لا مجرد خلفية للأداء.

النتيجة أن العرض يحتفظ بروح الرواية دون أن يصبح أسيرًا لها، وهي معادلة نادرًا ما تتحقق في الاقتباسات المسرحية.

هبة عبد الغني... أداء يتجاوز الانفعال

تقدم هبة عبد الغني واحدة من أكثر تجاربها نضجًا على خشبة المسرح.

شخصية "ريم"، عازفة البيانو التي تواجه سرطان المخ، كان يمكن أن تتحول بسهولة إلى نموذج للبطلة الضحية، لكن هبة عبد الغني تنجح في تجنب هذا الفخ عبر أداء شديد الاقتصاد. لا تعتمد على البكاء أو الانفعالات الكبيرة، وإنما تبني الشخصية من الداخل عبر نظرات مترددة وصمت طويل وحضور جسدي يتغير تدريجيًا مع تطور المرض.

اللافت أيضًا قدرتها على توظيف الغناء داخل العرض دون أن يبدو استعراضًا منفصلًا عن الدراما، فالأغنيات تتحول إلى امتداد للمونولوج الداخلي وهو ما يمنح الشخصية عمقًا إضافيًا ويزيد من تأثيرها العاطفي.

رامي الطمباري... البطولة في مقاومة الانهيار

في المقابل، يقدم رامي الطمباري شخصية "سامر" بعيدًا عن الصورة التقليدية للزوج المثالي.

يعتمد أداؤه على الصراع الداخلي أكثر من التعبير المباشر، فنراه طوال العرض ممزقًا بين الاعتراف بالحقيقة والتمسك بالأمل، وبين رغبته في إنقاذ زوجته وعجزه الكامل عن تغيير المصير.

هذه المساحة النفسية المركبة جعلت الشخصية أكثر إنسانية وأبعد ما تكون عن النمطية، خاصة أن الطمباري لا يلعب دور المنقذ، بل دور الإنسان الذي ينهار بصمت، وهي من أصعب المناطق التمثيلية على خشبة المسرح، وقد ظهر تمامًا الأثر النفسي العميق الذي يتركه "سامر" على "رامي" حيث نشهد انهيارًا إنسانيًا حقيقيًا لا يمت للتمثل بشئ في المشاهد الأخيرة من المسرحية، فصدق أداء رامي يعصف بنا على مقاعد المشاهدين وننفجر داخليًا في بكاء عميق لتماهينا الكامل مع حزن "سامر" وهو الشخصية الرئيسية بالمسرحية، وعن نفسي فقد أشفقت على رامي الطومباري من هذا الانفعال الشديد الذي يتحمله كإنسان ونراه في ارتعاشة جسده الصادقة على الخشبة. إن أداء الطومباري لشخصية سامر في أداجيو تؤكد ايماني التام برامي كأحد عمالقة التمثيل المعاصر بلا منازع في منطقته التي يحتلها بصدق وهي من أصعب مدارس الأداء التمثيلي حيث تقمص الشخصية الذي برع فيه من قبل العملاق أحمد زكي، ومازلت أرى أن رامي الطومباري لم يأخذ فرصته الحقيقية كممثل فريد من نوعه في عصرنا الحالي. 

ديكور الخراب... الشخصية الثالثة في العرض

أحد أهم عناصر قوة "أداجيو" يتمثل في الديكور الذي صممه أحمد الألفي.

الخراب هنا ليس وصفًا للمكان، بل حالة نفسية كاملة. فالمساحات الخالية والألوان الباردة والعناصر المتآكلة كلها تعكس عالمًا يعيش على حافة النهاية.

لا يحاول الديكور أن يكون واقعيًا بقدر ما يصبح مرآة للداخل الإنساني، حتى يشعر المتفرج أن الشخصيات تتحرك داخل ذاكرتها أكثر مما تتحرك داخل منزل أو مستشفى.

هذا التوظيف للفضاء المسرحي يجعل الصورة تحمل جزءًا من العبء الدرامي، فلا يعود الحوار وحده مسؤولًا عن إنتاج المعنى.

الموسيقى... بطل خفي

يصعب الحديث عن العرض دون التوقف عند الموسيقى التي وضعها رفيق جمال، حيث قدم موسيقى مميزة لا تبدو كخلفية صوتية بل عنصرًا دراميًا كاملًا، فهي تدخل وتنسحب كما لو كانت شخصية إضافية تحدد مزاج المشهد وتربط بين الانتقالات الزمنية والنفسية.

كما أن توظيف البيانو داخل الحكاية يتجاوز كونه مرتبطًا بمهنة البطلة؛ فهو يتحول إلى رمز لذاكرة تتآكل ببطء، وإلى اللغة الوحيدة التي تستطيع التعبير حين تعجز الكلمات.

الإخراج... انتصار الصورة على الخطابة

ينتمي السعيد منسي إلى المخرجين الذين يؤمنون بأن المسرح فن بصري قبل أن يكون أدبًا منطوقًا، لذلك يعتمد العرض على تكوينات مسرحية دقيقة وإيقاع محسوب واستخدام ذكي للإضاءة و "الفيديو مابينج"، دون الوقوع في استعراض تقني فارغ.

ورغم أن بعض المشاهد كان يمكن اختصارها للحفاظ على كثافة الإيقاع، فإن الرؤية الإخراجية نجحت في خلق عالم متماسك، ينسجم فيه الأداء مع الموسيقى والديكور والإضاءة في بنية واحدة.

هل يقع العرض في فخ الإطالة؟

إذا كان لا بد من تسجيل ملاحظة نقدية، فهي أن العرض يكرر أحيانًا الحالة الشعورية نفسها في أكثر من مشهد، فالإيقاع الهادئ، رغم جماله، يصبح في بعض اللحظات أقرب إلى الدوران حول الفكرة ذاتها، ما يقلل من قوة بعض الذروات الدرامية التي كان يمكن أن تحقق أثرًا أكبر لو جاءت بعد اختزال زمني محدود، كما أن الشخصيات الثانوية لا تحظى بالعمق الكافي، فتظل وظيفتها الأساسية خدمة الرحلة النفسية للبطلين، دون امتلاك خطوط درامية مستقلة، لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية العامة، بقدر ما تشير إلى إمكانات كان يمكن استثمارها بصورة أوسع.

تجربة تؤكد عودة المسرح إلى جمهوره

الإقبال الجماهيري الكبير، واستمرار العرض لأسابيع مع تحقيق حضور كامل في كثير من الليالي، إضافة إلى اختياره للدخول في المسابقة الرسمية لعروض المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشر، لا يمكن اعتباره مجرد نجاح تسويقي بل دليل على أن الجمهور ما زال يبحث عن عروض تقدم تجربة إنسانية صادقة بعيدًا عن الكوميديا التجارية أو الاستعراض الخالص.

إن عرض "أداجيو ... اللحن الأخير" لا يقدم إجابات عن الموت أو الحب أو الفقد، بل يترك المشاهد مع أسئلته الخاصة، فهو عرض لا يعتمد على الصدمة، وإنما على التراكم الشعوري، حيث يهمس أكثر مما يصرخ ويثق في ذكاء جمهوره أكثر مما يسعى إلى استدرار دموعه.

وربما تكمن أهميته في أنه يذكرنا بأن المسرح، حين يتخلى عن الضجيج، يستطيع أن يصبح أقرب الفنون إلى الإنسان، وأن الحكايات الأكثر خصوصية قد تكون، في النهاية، هي الأكثر قدرة على التعبير عن الجميع.
----------------------------------
كتبت: أمنية طلعت المصري