28 - 07 - 2026

حين تُهجَّر الشعوب... تُصبح الذاكرة آخر ضحايا الحرب

حين تُهجَّر الشعوب... تُصبح الذاكرة آخر ضحايا الحرب

لا تقتصر الحروب على سقوط الضحايا أو تدمير المدن والبنية التحتية، فثمة هدف أكثر عمقًا وخطورة تسعى إليه القوى المحتلة والجماعات المسلحة في كثير من الأحيان، وهو اقتلاع الإنسان من أرضه، ليصبح الوطن بلا شهوده، والتاريخ بلا حراسه. فحين يُجبر السكان على النزوح، تتحول المواقع الأثرية، والمحميات الطبيعية، والمدن التاريخية إلى أهداف سهلة للنهب والتدمير والتزوير، في محاولة لإعادة كتابة التاريخ بما يخدم المنتصر، أو محو هوية شعب بأكمله.

هذا المشهد يتكرر اليوم في أكثر من منطقة حول العالم، إلا أن ما يحدث في لبنان والسودان وفلسطين يمثل نموذجًا صارخًا لكيفية تحول التراث الإنساني إلى ضحية مباشرة للصراعات السياسية والعسكرية.

وقد جاءت قرارات لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، خلال اجتماعها الأخير في بوسان، لتؤكد أن العالم بات أمام مرحلة غير مسبوقة، حيث أصبحت النزاعات المسلحة أحد أكبر التهديدات التي تواجه التراث الإنساني. ولذلك أُدرجت ستة مواقع جديدة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، ثلاثة منها بصورة طارئة، في اعتراف دولي بأن هذه المواقع تواجه مخاطر قد تؤدي إلى فقدانها إلى الأبد.

التهجير... السلاح الذي يسبق نهب الأرض

لا يمكن فصل تهجير السكان عن استهداف التراث. فوجود الإنسان في أرضه هو الضمانة الأولى لحماية تاريخه وثقافته. وعندما تُفرغ المدن والقرى من أهلها، تصبح المواقع التاريخية بلا حماية، وتتحول إلى ساحات مفتوحة للقصف أو النهب أو الاستيلاء.

ولذلك، فإن الحروب الحديثة لا تستهدف فقط السيطرة العسكرية، بل تسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، بحيث يصبح الاحتلال أمرًا واقعًا، بينما تتحول الآثار والرموز التاريخية إلى أدوات سياسية لإثبات روايات جديدة، أو محو الرواية الأصلية.

لبنان... حين تصبح القلاع والمدن التاريخية في مرمى النيران

في لبنان، لم تقتصر آثار الحرب على البشر، بل امتدت إلى واحدة من أقدم الحضارات في شرق المتوسط.

فقد قررت اليونسكو إدراج قلاع جبل عامل بصورة طارئة ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعد تعرضها لأضرار جسيمة نتيجة الأعمال العدائية. وتمثل هذه القلاع سجلًا حيًا لتطور النظم الدفاعية في المنطقة منذ الحروب الصليبية مرورًا بالعصور الإسلامية وحتى نهاية القرن التاسع عشر.

كما أُدرجت مدينة صور التاريخية، إحدى أهم المدن الفينيقية القديمة، على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما رأت لجنة التراث العالمي أن استمرار العمليات العسكرية بات يشكل تهديدًا مباشرًا لقيمتها التاريخية والاستثنائية.

إن استهداف هذه المواقع لا يعني فقط خسارة معالم أثرية، بل خسارة صفحات كاملة من تاريخ الحضارة الإنسانية، لأن هذه المدن والقلاع لم تكن ملكًا للبنان وحده، وإنما تمثل جزءًا من ذاكرة العالم.

السودان... الحرب تهدد الطبيعة والإنسان معًا

وفي جنوب السودان، يبدو المشهد مختلفًا في ظاهره، لكنه يحمل المأساة نفسها.

فقد أدرجت اليونسكو منظر الهجرة في بوما - باندينجيلو ضمن قائمة التراث العالمي وقائمة التراث المعرض للخطر في آن واحد، نظرًا لما يتعرض له من تهديدات جسيمة.

ويمثل الموقع أكبر هجرة برية معروفة للثدييات على سطح الأرض، كما يحتضن تنوعًا بيئيًا وثقافيًا استثنائيًا، عاش في كنفه السكان المحليون عبر قرون طويلة، محافظين على توازن دقيق بين الإنسان والطبيعة.

لكن استمرار انعدام الأمن، وضعف مؤسسات الدولة، والصيد الجائر، والاتجار غير المشروع بالحياة البرية، جعل هذا النظام البيئي الفريد مهددًا بالانهيار.

وهنا تظهر حقيقة مهمة؛ فالحرب لا تقتل البشر وحدهم، بل تدمر أيضًا العلاقة التاريخية بين الإنسان وأرضه، وتفتح الباب أمام استنزاف الموارد الطبيعية عندما يغيب أصحابها عنها.

فلسطين... معركة على التاريخ قبل أن تكون معركة على الأرض

إذا كانت الحروب تدمر الآثار في كثير من الدول باعتبارها "أضرارًا جانبية"، فإن المشهد في فلسطين يبدو مختلفًا وأكثر خطورة.

ففي قرارها الأخير، أدرجت اليونسكو موقع سبسطية الفلسطيني بصورة طارئة ضمن قائمة التراث العالمي، وقائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما رأت أن الموقع يواجه تهديدات مباشرة نتيجة خطط الاستملاك، ومشروع إنشاء متنزه "شومرون" (السامرة) الوطني، إلى جانب آثار النزاع المستمر.

وتحمل سبسطية قيمة حضارية استثنائية، إذ توثق تعاقب حضارات متعددة منذ القرن التاسع قبل الميلاد، مرورًا بالعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ثم الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

لكن القضية هنا تتجاوز مجرد الحفاظ على الآثار؛ إذ يرى الفلسطينيون أن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض السيطرة على المواقع الأثرية وإعادة تسميتها ودمجها في رواية تاريخية إسرائيلية، تمثل محاولة لطمس الهوية الفلسطينية، وتحويل التراث إلى أداة سياسية.

ولا يقتصر الأمر على سبسطية وحدها، بل يمتد إلى عشرات المواقع الأثرية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث تتكرر عمليات الحفريات، وإعادة التأهيل، وفرض السيطرة الإدارية، في ظل انتقادات دولية متواصلة تعتبر أن هذه الإجراءات تهدد أصالة المواقع وسياقها التاريخي.

إن أخطر ما في الصراع الفلسطيني ليس فقط السيطرة على الأرض، وإنما السعي إلى احتكار رواية التاريخ نفسه، لأن من ينجح في إعادة كتابة الماضي، يمتلك قدرة أكبر على تبرير سيطرته على الحاضر.

حماية التراث... مسؤولية إنسانية لا سياسية

تؤكد قرارات اليونسكو الأخيرة أن حماية التراث لم تعد قضية ثقافية فقط، بل أصبحت جزءًا من الأمن الإنساني العالمي.

فالمدن التاريخية، والقلاع، والمواقع الأثرية، والمحميات الطبيعية، ليست مجرد حجارة أو أطلال، وإنما شواهد على تطور الحضارات، وذاكرة جماعية تحفظ هوية الشعوب، وتروي للأجيال القادمة كيف تشكلت الأمم عبر آلاف السنين.

وعندما تُدمر هذه المواقع، أو تُنهب، أو تُشوَّه، فإن الخسارة لا تخص الدولة التي تقع فيها فقط، بل تمس الإنسانية جمعاء.

لقد أثبتت تجارب العقود الأخيرة أن إعادة بناء المدن ممكنة، وإصلاح الطرق والمنشآت أمر قابل للتحقق، أما إعادة بناء التاريخ إذا مُحي، أو استعادة أثر إذا اندثر، فهي مهمة قد تكون مستحيلة.

ولهذا، فإن الدفاع عن التراث في مناطق النزاعات ليس ترفًا ثقافيًا، بل دفاع عن ذاكرة الشعوب، وحقها في الحفاظ على هويتها، وعن حق الإنسانية كلها في أن يبقى تاريخها شاهدًا على ما صنعته الحضارات، لا على ما خلفته الحروب.
----------------------------------
بقلم: أمنية طلعت المصري 


مقالات اخرى للكاتب

حين تُهجَّر الشعوب... تُصبح الذاكرة آخر ضحايا الحرب