ضمن المنافسة الرسمية للدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، قدمت مسرحية "سما" عرضها على خشبة مسرح الهناجر ليومين متتاليين، بعد أن وقع عليها الاختيار ضمن أبرز إنتاجات العام المسرحي الماضي، لتدخل سباقًا يضم نخبة من العروض المصرية التي تمثل مختلف المؤسسات والفرق المسرحية، وقد جاء حضور العرض داخل المهرجان تأكيدًا لما حققه من صدى نقدي وجماهيري منذ تقديمه الأول، بوصفه تجربة مونودرامية استطاعت أن تفرض حضورها اعتمادًا على قوة الفكرة والتمثيل أكثر من اعتمادها على الإبهار البصري.
منذ اللحظة الأولى، لا يقدم العرض حكاية امرأة فحسب، بل يضع المتلقي داخل حالة إنسانية تتشابك فيها الأسئلة حول الحرية والهوية والسلطة الاجتماعية، فسما ليست شخصية فردية بقدر ما تصبح رمزًا لنساء كثيرات يجدن أنفسهن محاصرات بين ما يرغبن في أن يكنّه، وما يفرضه المجتمع عليهن من أدوار جاهزة.
نجحت البنية المونودرامية في تحويل الوحدة إلى عنصر درامي فاعل، إذ بدت الشخصية وكأنها تحاور العالم بأسره وهي تقف وحيدة على الخشبة. هذه الوحدة لم تكن نقصًا في العناصر المسرحية، وإنما كانت خيارًا جماليًا يضاعف من الإحساس بالعزلة النفسية التي تعيشها البطلة، ويجعل الجمهور شريكًا مباشرًا في اعترافاتها وأسئلتها.
أحد أهم رهانات العرض كان الابتعاد عن الخطاب المباشر، فالنص لا يرفع شعارات نسوية جاهزة، ولا يسقط في فخ الوعظ، وإنما يبني صراعه عبر التفاصيل اليومية، حيث تتحول القيود الاجتماعية إلى خصم غير مرئي، لكنه حاضر في كل جملة وكل حركة، ومن هنا جاءت قوة النص في قدرته على جعل الخاص إنسانيًا عامًا، بحيث يصبح الألم الشخصي معبرًا عن قضية اجتماعية أوسع، كما استطاعت المسرحية أيضًا أن تُقدم المرأة بوصفها ذاتًا تبحث عن تعريفها الخاص بعيدًا عن الأحكام المسبقة والقوالب الجامدة.
على المستوى الإخراجي، اعتمد العرض على الاقتصاد في العناصر البصرية. لم يكن الديكور مزدحمًا وهذا هو عهدنا الدائم مع العملاق فادي فوكيه الذي أرسى قواعدًا في تصميم ديكور المسرح، يمكننا الآن أن نُعنونها باسمه، فلقد كان أول من سعوا إلى تحطيم الكتل الضخمة لقطع الديكور وحرر الخشبة لتُصبح فضاءَا أكثر رحابة لحركة الممثل، وهذا ما حققه أيضًا في مسرحية سما، حيث قدم ديكورًا عبر بصدق تام عن محطة القطار دون أي كُتل لرصيف ومقاعد، وكانت المفاجأة في آخر المسرحية حين تحرك القطار من عمق الخشبة في المنتصف باتجاه الجمهور ليدهس البطلة تحت عجلاته.
لم تسع كذلك السينوغرافيا إلى لفت الانتباه بذاتها، بل جاءت جميع العناصر في خدمة الحالة النفسية للشخصية، بينما لعبت لعبت دورًا يتجاوز الإنارة التقليدية، إذ صنعت انتقالات نفسية وزمنية واضحة، بينما أسهمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية في تكثيف الإحساس الداخلي دون أن تتحول إلى بديل عن الأداء، وذلك من خلال أبو بكر شريف والمؤلف الموسيقي زياد هجرس.
ويبقى الأداء التمثيلي هو الرهان الأصعب في أي مونودراما، لأن الممثل يتحمل وحده مسؤولية الحفاظ على إيقاع العرض وإبقاء الجمهور في حالة تفاعل مستمرة. وفي «سما» جاء الأداء معتمدًا على التنوع في الانفعالات، والقدرة على الانتقال بين لحظات الهدوء والانكسار والتمرد، وهو ما منح الشخصية أبعادًا إنسانية بعيدة عن النمطية، وأكد أن الممثل يستطيع أن يملأ الفراغ المسرحي بطاقة حضوره وحدها.
كما يحسب للعرض أنه لا يقدم المرأة باعتبارها ضحية مطلقة، بل يمنحها مساحة للمقاومة والاختيار، حتى وإن جاءت هذه الاختيارات مؤلمة، فالمسرحية لا تنتهي بإجابات نهائية، وإنما تترك الباب مفتوحًا أمام المتلقي لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الموروث والرغبة في التغيير.
ورغم ما يمتلكه العرض من تماسك، فإن إيقاعه كان يتباطأ في بعض المقاطع نتيجة الإطالة في بعض المونولوجات، وهو أمر قد يؤثر على تركيز المتلقي، خاصة في عرض يعتمد بالكامل على ممثل واحد. كما أن بعض الرموز جاءت مباشرة أكثر مما ينبغي، وهو ما قلل من مساحة التأويل التي تمنح الجمهور متعة الاكتشاف.
لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للعمل، الذي استطاع أن يقدم نموذجًا ناجحًا للمونودراما المعاصرة، وأن يثبت أن المسرح لا يحتاج دائمًا إلى كثافة الشخصيات أو ضخامة الإنتاج ليصنع أثرًا عميقًا، بل يحتاج قبل كل شيء إلى فكرة صادقة، ونص متماسك، وأداء قادر على تحويل الكلمة إلى حياة.
إن وجود «سما» ضمن عروض الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري يبدو مستحقًا؛ فالعرض يقدم تجربة فنية تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتلامس أسئلة المجتمع بأكمله، وهو يبرهن أن المسرح ما يزال قادرًا على أن يكون مساحة للتأمل والمساءلة، لا مجرد وسيلة للترفيه، وأن الخشبة يمكن أن تتحول إلى مرآة يرى فيها الجمهور تناقضاته وأسئلته المؤجلة.
في النهاية، تخرج «سما» من إطار كونها مونودراما عن امرأة واحدة، لتصبح شهادة مسرحية عن الإنسان حين يواجه القيود التي يصنعها المجتمع، وعن قدرة الفن على تحويل الألم الشخصي إلى تجربة جمالية وفكرية تظل عالقة في ذاكرة المشاهد طويلًا.







