28 - 07 - 2026

دعوى التعويــض عن أعمال النيابة العامة أمام القضاء السعودي

دعوى التعويــض عن أعمال النيابة العامة أمام القضاء السعودي

يسمح النظام الجزائي السعودي لكل من يتعرض للتوقيف دون وجه حق بأن يقيم دعوى تعويض ضد النيابة العامة عن ذلك التوقيف.

ودعوى التعويض ضد النيابة العامة يلجأ إليها الكثيرون من المتضررين من الحبس الاحتياطي أو التوقيف الخاطيء من جانب النيابة العامة دون أن تكون الأدلة كافية لذلك.

وعليه، فقد كفل نظام الإجراءات الجزائية الحق للمنهم بعد ثبوت براءته في التقدم بهذه الدعوى للمطالبة بالتعويض عن كل الاضرار التي لحقت به سواء المادية أو المعنوية منها.

حيث ينعقد الاختصاص القضائي بنظر دعوى التعويض عن أخطاء النيابة العامة وإجراءاتها (مثل القبض، أو التوقيف الباطل، أو إطالة أمد الحبس الاحتياطي) في جهتين قضائيتين:

1- المحكمة الجزائية (الدائرة القضائية التي نظرت الدعوى الأصلية)

تختص المحكمة الجزائية بنظر طلب التعويض إذا أُحيلت القضية إليها وصدر حكم نهائي ببراءة المتهم أو عدم إدانته حيث نصت المادة (215) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي، والتي نصت على :"لكل من أصابه ضرر من اتهامه كيداً، أو نتيجة إطالة مدة سجنه أو توقيفه أكثر من المدة المقررة، الحق في طلب التعويض أمام المحكمة التي رُفعت إليها الدعوى الأصلية".

وكذلك نص المادة (36) من النظام الأساسي للحكم على أن: "لا يجوز تقييد تصرفات أحد، أو توقيفه، أو حبسه، إلاّ بموجب أحكام النظام". وكذلك نص قرار المحكمة العليا: “أن الإدانة والعقوبة لا تكون إلا وفق أمر مجرم شرعًا أو نظامًا”، ولما كان هذا غير متحقق وصدر حكم بعدم ثبوت الإدانة، وقد تسببت النيابة في أضرار من قرارها بذلك، فإن المدعى عليه يتجه عادةً إلى إقامة دعوى الحق الخاص المتمثلة في “دعوى تعويض ضد النيابة العامة”.

2-المحاكم الإدارية (ديوان المظالم)

ينعقد الاختصاص لـ ديوان المظالم في حالتين رئيسيتين:

حفظ القضية لدى النيابة:  إذا انتهى التحقيق في النيابة العامة وصدر أمر بـ حفظ الدعوى دون إحالتها إلى المحكمة الجزائية، وكان المتهم قد تضرر من التوقيف الاحتياطي الخاطئ.

أخطاء الضبط الإداري:  إذا كان طلب التعويض ناشئاً عن عيب في قرارات النيابة العامة الإدارية أو أخطاء موظفيها المادية أثناء ممارسة أعمالهم بصفتها جهة حكومية.

ويرجع أساس ذلك إلى الخطأ الأصلي والمسؤولية الثابتة بصورة واضحة على النيابة العامة؛ كونها لم تأمر بحفظ أوراق القضية رغم أن الأدلة غير كافية لإحالة القضية إلى المحكمة لذا نؤكد على ضرورة توافر عدة شروط لقبول دعوى التعويض ضد النيابة العامة:

انتفاء الإدانة: صدور حكم قطعي بالبراءة، عدم الإدانة، أو صدور أمر نهائي بحفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة.

ثبوت ركن الخطأ: فهي ترجع بصورة أساسية إلى خطأ ثابت من جانب المحقق، يشكل ركن المسؤولية الموجبة لتعويض المتهم عند ثبوت الأضرار وهوا ما يستوجب ضرورة إثبات تجاوز النيابة للمدد النظامية المقررة للتوقيف (مثل تجاوز الـ 180 يوماً دون مبرر)، أو مخالفة المادة (124) من نظام الإجراءات الجزائية بصدور أمر التوقيف قبل استجواب المتهم.

ركن الضرر: وقوع ضرر مادي (خسارة مالية أو تكاليف علاج) أو معنوي (تأثر السمعة والاعتبار) نتيجة هذا التوقيف الخاطئ.

علاقة السببية: لا أن يكون الضرر ناتجاً مباشرة عن خطأ إجراء النيابة وليس لسبب آخر.

ورغم ما سبق إلاّ أن هناك بعض الاضرار تستثني من التعويض عنها حيث تتضمنها ما نصت على ذلك المادة (136) من نظام المعاملات المدنية على: “يكون التعويض بما يجبر الضرر كاملًا، وذلك بإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه أو كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر”.

وهذا يعني أن التعويض في دعوى التعويض ضد النيابة العامة يشمل كل الأضرار طالما تمكنت من إثباتها للدائرة.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الفقهاء يرى أن تقدير التعويض يكون بأجرة المثل، ونذكر منهم ما جاء في المغني (ج7/ ص429): “وإن حبسه مدة لمثلها أجرة ففيه وجهان، أحدهما: “يلزمه أجرة تلك المدة”. بالإضافة إلى ما ورد في كشاف القناع في (ج4/ ص65): “وإن استعمله - أي الحر- كبيرًا كان أو صغيرًا، كرهًا، أو حبسه مدة فعليه أجرته”. وكذلك في شرح المنتهى (ج2/ ص401): “وإن استعمله - أي الحر - كرهًا، في خدمة أو خياطة، أو غيرهما، فعليه أجرته، لاستيفائه منافعه المتقومة فيضمنها كمنافع العبد”.
------------------------------------
بقلم:
د. محمد جلال عبدالرحمــن
* كاتب وباحث، دكتوراة في القانون التجاري جامعة القاهرة، محام بالنقض ومستشار قانوني

مقالات اخرى للكاتب

دعوى التعويــض عن أعمال النيابة العامة أمام القضاء السعودي