26 - 07 - 2026

القرار الطبي ليس قرارًا إداريًا.. لماذا نحتاج إلى تشريع يحمي استقلال الطبيب

القرار الطبي ليس قرارًا إداريًا.. لماذا نحتاج إلى تشريع يحمي استقلال الطبيب

لا يختلف اثنان على أهمية الجولات الميدانية التي يقوم بها المحافظون لمتابعة مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ولا على أن الانضباط الإداري ومحاسبة المقصرين يمثلان ركيزة أساسية لتحسين أداء الجهاز التنفيذي.

وفي هذا الإطار، أرى أن الجانب الإداري في جولة السيد محافظ قنا داخل مستشفى قنا العام كان محل تقدير، خاصة فيما يتعلق بمتابعة الانضباط، ومحاسبة المقصرين، وتحويل مسؤولي الأمن والنظافة للتحقيق عند رصد أي تقصير. فهذه الرسائل تؤكد أن هناك متابعة جادة وإصرارًا على تحسين مستوى الخدمة.

لكن يبقى هناك جانب واحد أثار لديَّ علامات استفهام، وهو توجيه المحافظ بإجراء عملية جراحية لمريضة فورًا بمجرد شكواها من تأجيلها.

هنا يجب أن نفرق بين القرار الإداري والقرار الطبي.

فالعملية الجراحية ليست إجراءً إداريًا يمكن اتخاذه بقرار فوري، وإنما هي قرار طبي تحكمه معايير علمية دقيقة، تبدأ بتقييم الحالة الصحية للمريض، ونتائج التحاليل، ونسبة الهيموجلوبين، واستقرار العلامات الحيوية، ومدى جاهزية المريض للتخدير والجراحة. وقد يكون تأجيل العملية في بعض الحالات هو القرار الصحيح الذي يحمي حياة المريض، وليس تقصيرًا أو إهمالًا.

كما أننا لا نعرف سبب التأجيل في هذه الحالة تحديدًا. فهل كان التأجيل لأسباب طبية؟ أم لنقص إمكانيات؟ أم لوجود خلل إداري؟ لذلك فإن إصدار توجيه بإجراء الجراحة قبل معرفة الأسباب قد يضع الفريق الطبي في موقف بالغ الحساسية، وقد يخلق تعارضًا بين المسؤولية الطبية والتوجيه الإداري.

من وجهة نظري، كان المسار الأفضل هو تكليف لجنة طبية متخصصة من مديرية الشؤون الصحية بمراجعة الملف الطبي للمريضة، والتحقيق في أسباب التأجيل، ثم تحديد ما إذا كان هناك تقصير يستوجب المحاسبة أو أن التأجيل كان قرارًا طبيًا سليمًا.

الطب من أكثر المجالات التي يجب أن تُترك لأهل الاختصاص، لأن الطبيب وحده هو من يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن قراره، وليس المسؤول التنفيذي.

قد يكون الأمر مختلفًا نسبيًا إذا كان المحافظ نفسه طبيبًا، كما هو الحال مع الدكتور أحمد الأنصاري محافظ الجيزة، الذي يمتلك خلفية علمية تمكنه من فهم الاعتبارات الطبية بصورة أعمق. ومع ذلك، يظل القرار النهائي مسؤولية الفريق الطبي المعالج، وليس أي مسؤول تنفيذي، مهما كانت مكانته.

ومن هنا أرى أن الأمر يحتاج إلى تدخل تشريعي واضح يحدد الحدود الفاصلة بين سلطة المسؤول التنفيذي في متابعة جودة الخدمة الصحية، وبين استقلال القرار الطبي الذي يجب أن يبقى بيد الطبيب وحده. فمثل هذا التنظيم سيجنبنا كثيرًا من حالات التضارب، ويحمي الطبيب في أداء رسالته، وفي الوقت نفسه يضمن حق المريض في الحصول على خدمة صحية عادلة وآمنة.
------------------------------
بقلم: أحمد صلاح سلمان

مقالات اخرى للكاتب

القرار الطبي ليس قرارًا إداريًا.. لماذا نحتاج إلى تشريع يحمي استقلال الطبيب