لم تعد الصحافة في العصر الحديث تقتصر على نقل الأخبار، بل أصبحت مهنة تقوم على إنتاج المعرفة، وتحليل الأحداث، وتفسير الوقائع، وتقديم رؤية تساعد المجتمع على فهم ما يجري حوله. ومن هذا المنطلق، أصبح حق الصحفي في الأداء العلني امتدادًا طبيعيًا لدوره المهني ورسالة يؤديها تجاه المجتمع.
فالصحفي لا يقتصر عمله على غرفة الأخبار، وإنما يمتد حضوره إلى المؤتمرات والندوات والملتقيات الفكرية والجامعات ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حيث يقدم خبراته وتحليلاته للجمهور. وهذا النشاط لا يمثل خروجًا عن طبيعة العمل الصحفي، بل يعكس تطور المهنة في عصر أصبح فيه الجمهور لا يبحث عن الخبر فقط، وإنما عن تفسيره وفهم أبعاده وتأثيراته.
وقد أحدثت الثورة الرقمية تحولًا كبيرًا في مفهوم الإعلام والاتصال، فأصبحت المعلومات متاحة بسرعة غير مسبوقة، بينما باتت القيمة الحقيقية للصحفي في قدرته على التحقق والتحليل وربط الأحداث بسياقاتها المختلفة. لذلك أصبح الجمهور بحاجة متزايدة إلى الصحفي القادر على تقديم المعرفة الموثوقة ومواجهة التضليل والشائعات، مما يجعل الأداء العلني وسيلة مهمة لتعزيز التواصل بين الصحفي والمجتمع.
ويتيح الأداء العلني للصحفي فرصة لنقل خبراته بصورة مباشرة، والمشاركة في نشر الثقافة الإعلامية، ورفع وعي الجمهور بالقضايا العامة. كما يساعد على تبسيط الموضوعات المعقدة، والإجابة عن التساؤلات، ودعم الحوار المجتمعي، بما يعزز حق المواطنين في الوصول إلى المعرفة الدقيقة.
ومن هنا تبرز أهمية وضع أطر قانونية ونقابية تنظم ممارسة الأداء العلني للصحفي، بما يحدد الحقوق والواجبات، ويحافظ على استقلالية الصحفي ومصداقيته، ويضمن أن يظل هذا النشاط جزءًا من رسالته المهنية وليس منفصلًا عنها.
كما تشمل حماية هذا الحق صون الحقوق الأدبية والمالية المرتبطة بالمحتوى الذي ينتجه الصحفي. فالمحاضرات والندوات والبرامج والمقالات والتحليلات تمثل إنتاجًا فكريًا يستحق الحماية القانونية، ويجب أن يحصل صاحبه على المقابل العادل عند استغلاله أو إعادة نشره أو استخدامه عبر مختلف الوسائط وفقًا للقوانين والعقود المنظمة.
ومع توسع الاعتماد على المحتوى الصحفي في البيئة الرقمية، سواء عبر المنصات الإلكترونية أو محركات البحث أو تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحاجة ضرورية لتطوير التشريعات وآليات الترخيص بما يحقق التوازن بين نشر المعرفة وحماية الحقوق الفكرية والاقتصادية للصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
إن الاعتراف بحق الأداء العلني للصحفي لا يمثل مطلبًا خاصًا بفئة مهنية، بل هو اعتراف بدور الصحافة في بناء الوعي العام، وتعزيز الحوار، ومواجهة المعلومات المضللة. فكلما توفرت للصحفي مساحة أكبر للتواصل مع الجمهور ضمن إطار مهني منظم، زادت قدرة المجتمع على الوصول إلى المعرفة والتحليل الرصين.
فالصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، وإنما رسالة تقوم على إنتاج المعرفة وخدمة الصالح العام. ولذلك فإن حماية حق الصحفي في الأداء العلني وصون حقوقه الفكرية والمالية يمثلان دعمًا لجودة الإعلام، وتعزيزًا لحق المجتمع في المعرفة، واستجابة ضرورية للتحولات التي يشهدها عالم الإعلام والاقتصاد الرقمي.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






