في غمرة ليلةٍ خيّم سكونها على القاهرة، ولكنها كانت تئزُّ بترقُّبٍ ووجوم، انطلقت فجأة دباباتٌ لم تكن في حسابات المواطن البسيط ولا في تقديرات البلاط الملكي، كان الموعد فجر 23 يوليو 1952، حين اقتحم ضباطٌ صغارٌ، ينتسبون إلى تنظيم سري أطلقوا عليه "الضباط الأحرار"، مسرح التاريخ المصري، ليعلنوا عبر موجات الراديو نهاية حقبةٍ عمرها قرون، وبداية حقبةٍ جديدةٍ حملت في مراسيمها الأولى وعداً جماهيرياً لم يسبق له مثيل، لم تكن تلك الحركة مجرد تبديل للرموز على كرسي الحكم، ولا مغامرة عسكرية عابرة، بل كانت لحظة تأسيسية ادَّعت امتلاك مشروعٍ متكاملٍ لتغيير بنية الدولة والمجتمع، تجلَّى في ستة مبادئ أُعلنت بوصفها خارطة طريقٍ مقدسة: اقتلاع جذور الاستعمار وأعوانه، وتجفيف منابع الإقطاع، وتفكيك احتكار رأس المال، وإقامة عدالة اجتماعية تصون كرامة الفرد، وبناء جيش وطني قويٍّ يكون سوراً للسيادة، وإرساء حياة ديمقراطية سليمة تكون مرآةً لإرادة الشعب.
ولكنَّ هذه المبادئ، التي هتفت بها الجماهير في البدايات، سرعان ما تحولت إلى أيقوناتٍ مُثيرةٍ للجدل، إذ كشفت الممارسة اليومية عن فجواتٍ عميقةٍ بين الخطاب الثوري وأرضية الواقع، بين الطموح التحرري وغرائز السيطرة، بين العدالة الموعودة وهيمنة النخبة العسكرية الجديدة، وعلى مدار سبعة عقودٍ متتالية، ظلَّ السؤال الأكثر إلحاحاً وإزعاجاً للنخب والمؤرخين على السواء: هل ماتت ثورة ٢٣ يوليو مع تلاشي روحها الاجتماعية وزوال أهدافها التنموية والقومية، أم أنها تحولت إلى كائنٍ سياسيٍّ مختلف، استنزف مضامينه التقدمية واحتفظ بأدواته القمعية؟ وهل ما نراه اليوم من عودةٍ ملموسةٍ لنماذج اقتصادية وعلاقات خارجية كانت الثورة قد أعلنت الحرب عليها، يشكِّل انتقاماً بطيئاً من جانب القوى التي أزاحتها يومئذٍ، أي "انقلاباً ناعماً" على مبادئ يوليو يُعاد إنتاجه عبر سياسات الانفتاح والخصخصة والتبعية؟
ولكن الإشكالية الأكثر تعقيداً وتركيباً، والتي تفرض على الباحث منهجاً تاريخياً مقارناً وقانونياً دقيقاً، هي إمكانية قراءة ماحدث في 3 يوليو 2013، في سياقه المرتبط بثورة 25 يناير 2011، بوصفه حلقةً مكررةً في سلسلةٍ من الانقلابات على الثورات الشعبية، حيث تحوّل الجيش - الذي كان في الأصل أداةً لتغيير يوليو - إلى حارسٍ للنظام المضاد للثورات، معيداً إنتاج النمط المؤسسي نفسه الذي أسسه قبل ستة عقود. ومن هنا، تنبثق الإشكالية البحثية لهذه المقالة في ثلاثة محاور متداخلة:
أولها - ماهية التطور الديالكتيكي لمبادئ ثورة يوليو، وكيف تحوَّلت من برنامج تحرر اجتماعي وقومي إلى غطاءٍ شرعي لهيمنة عسكرية مُستدامة؛ وثانيها - مدى نجاح النخب الاجتماعية والاقتصادية التي كانت مهيمنة قبل 1952 في استعادة نفوذها، وإن لم تعُد بأسمائها القديمة، لكنها استعادت أدواتها وآلياتها من خلال التحولات البنيوية في العقود الأخيرة؛ وثالثها - وإليه تتجه الجرأة البحثية الأكبر، وهو اختبار فرضية "دورية الانقلابات على الثورات" من خلال تحليل مقارن بين مسار 1952 ومسار 2011-2013، للكشف عن وجود نمطٍ متكررٍ من تدخل المؤسسة العسكرية لإنهاء لحظات الفتح الديمقراطي، باسم حماية الثورة أو استقرار الدولة، مما يُعيد إنتاج دائرةٍ مفرغةٍ من الاستبداد العسكري الذي يرفض أن يُمارس الديمقراطية الحقيقية.
وهذه الأسئلة، التي تبدو تاريخية في ظاهرها، إلا أنها تحمل في طياتها راهنيةً سياسيةً وقانونيةً حادة، لأنها تتعلق بشرعية النظام ذاته، وبمستقبل العلاقة بين المدني والعسكري في مصر، وبإمكانية كسر هذا النمط المتكرر الذي جعل من كل ثورة شعبية مدخلاً لتعزيز القبضة العسكرية بدلاً من أن يكون مدخلاً لتداول سلمي للسلطة، ولذلك، لن تكون هذه المقالة مجرد سردٍ زمني للأحداث، بل محاولةً لتشريح البنى الكامنة، ولتفكيك الخطابات المتضاربة، ولتقديم قراءة توفيقية بين التاريخ السياسي والقانون الدستوري، راجيةً أن تلامس الجرح العميق في الذاكرة الوطنية، وأن تفتح نافذةً على إمكانيات المستقبل من خلال مرايا الماضي.
ففي خضم التحولات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وتحت وطأة صراعٍ أيديولوجي حاد بين المعسكرين الشرقي والغربي، لم تكن ثورة يوليو مجرد حركة تصحيحية عابرة، بل نهضت على توليفةٍ أيديولوجيةٍ طموحةٍ جمعت بين عبقرية القومية العربية التي تتبنى وحدة المصير واللغة، وبين نزعةٍ اشتراكيةٍ مناهضةٍ للاستغلال سعت إلى إعادة توزيع الثروة، وقد وجد جمال عبد الناصر، القائد الملهم للحركة، في كتابات المفكر القومي ساطع الحصري المرجعية الفكرية التي تمنح مشروعه البعد القومي الشامل، متجاوزاً بذلك الحدود الجغرافية الضيقة، ومؤسساً لقطيعةٍ معرفيةٍ واضحة مع المدرسة الفرعونية التي هيمنت على المخيال المصري في أعقاب ثورة 1919 وركزت على خصوصية وادي النيل وانعزاليته الحضارية.
وعلى هذا النحو، التقت طموحات الضباط الصغار بآمال الجماهير العربية العريضة في التحرر الكامل من نير الاستعمار، والإقلاع الاقتصادي الذي ينتشل المجتمعات من التخلف، والعدالة الاجتماعية التي تصون كرامة الفرد وتمحو الفوارق الطبقية الحادة، ولم تقف الثورة عند حد الشعارات، بل سارعت إلى ترجمة رؤاها إلى إنجازات ملموسة هزت أركان النظام العالمي القائم، حين حولت قناة السويس إلى شرارةٍ قوميةٍ واستعادت للدولة المصرية سيادتها الكاملة، وطردت آخر جندي بريطاني من أرضها لتؤكد استقلال القرار الوطني، وأقامت قطاعاً عاماً واسعاً شكل العمود الفقري للتنمية وأسهم في دفع عجلة التصنيع الثقيل.
ولكن اللافت للنظر، والمثير للدهشة التاريخية، أن الثورة التي حملت على عاتقها راية التحديث والتحرر، لم تلبث أن ألغت دستور 1923 الليبرالي الذي مثّل جوهر التجربة البرلمانية المصرية، لتكرس بدلاً منه دساتير متعاقبة لم تكن مجرد وثائق تنظيمية، بل أدواتٍ صاغت بمهارةٍ نظاماً رئاسياً مفرط الصلاحيات، عزز هيمنة السلطة التنفيذية وقلص مساحات التوازن مع بقية السلطات، واضعاً بذلك أسس دولةٍ ذات طابعٍ تنفيذيٍّ مهيمن، استمرت ملامحها في التبلور والتشكل عبر العقود التالية.
ويشكّل التوصيف الإبستمولوجي لحركة 23 يوليو 1952 أحد أعقد الإشكاليات التاريخية والقانونية التي تتصدر المشهد الفكري المصري، إذ يتأرجح الحقل الأكاديمي والسياسي بين اعتبارها ثورة شعبية عارمة اقتلعت أركان التبعية والفساد وأعادت للبلدان هيبتها، وبين تصنيفها انقلاباً عسكرياً أجهض التجربة الديمقراطية الليبرالية في مهدها، وأدخل البلاد في نفق من التدهور الاقتصادي والهيمنة الفردية التي لم تشهدها الملكية نفسها.
ولكن المعركة الأكثر ضراوة وإلحاحاً لا تكمن في ساحة البرهنة التاريخية وحدها، بل تتجاوزها إلى صراع شرس حول شرعية الكيان السياسي بأكمله، ذلك أن الطريقة التي يُقرأ بها ذلك الماضي التأسيسي - كونه ثورة تملك إرادة شعبية أم انقلاباً يفتقر إلى الغطاء الدستوري - هي وحدها التي تمنح نظام ما بعد يوليو شرعيته الوجودية أو تسلبه إياها، فتتحول الحقيقة التاريخية من مجرد وقائع جامدة إلى سلاحٍ فتاكٍ في معركة الهوية والمشروعية التي لا تهدأ، حيث كل قراءة ليست مجرد تفسير للماضي، بل هي رهانٌ على مستقبل الدولة ذاتها.
والمفارقة التأسيسية التي تحمل في طياتها عبقرية التناقض هنا؛ هي الهيمنة التي حولت الثورة التي رفعت راية "إقامة حياة ديمقراطية سليمة" كأحد مبادئها الستة المقدسة، إلى الآلة التي مهدت الطريق لهيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلم يكن إلغاء دستور 1923 مجرد إجراء إداري عابر، بل كان بمثابة إعلان قطيعة مع التقليد البرلماني الليبرالي الذي تراكم عبر عقود، ليحل محله سلسلة من النصوص الدستورية المتوالية التي صيغت ببراعة لتكريس سلطة تنفيذية لا تعرف التقييد ولا تخضع للمراقبة، وكأن النظام الجديد كان يعيد كتابة قواعد اللعبة السياسية من الصفر ليضمن بقاءه واستمراره.
واللافت أنه مع تراجع نجم الأسرة العلوية التي هيمنت على مقدرات البلاد منذ عصر محمد علي باشا، لم يخْلُ المشهد السياسي من سطوةٍ جديدة، بل انتقلت عصا الهيمنة من أسرة حاكمة وراثية إلى مؤسسة عسكرية منظمة، تحولت مع مرور الوقت إلى قطب الرحى في معادلة السلطة الثلاثية التي ظلت قائمة بين رئيس الجمهورية والجيش والإدارة المدنية، فأصبحت مقاليد الحكم حكراً على ضباط الجيش الذين لبسوا ثياب السياسة وأداروا دفة الدولة بمنطق ثكناتهم العسكرية، وهكذا كشفت الأيام عن أعمق تناقض يمكن أن يحمله أي مشروع تحرري، إذ خرجت ثورة تهدم عرش الاستبداد الملكي لتقيم مكانه نظاماً جديداً من الاستبداد العسكري، وإن اختلفت الأدوات وتبدلت الأسماء، بقي الجوهر واحداً في صراعه الأبدي مع جوهر الديمقراطية.
وإذا كانت السنوات الأولى للثورة قد بدت وكأنها زحفٌ منتصر نحو مجدٍ قوميٍّ لا يبارى، فإن الزلزال المدوي الذي أطاح بالمنطقة في 5 يونيو 1967، قد جاء ليكون نقطة التحول الأكثر مأساويةً وخطراً في مسيرة ذلك المشروع التحرري، إذ لم تكن هزيمة الأيام الستة مجرد انكسارٍ عسكريٍّ مؤقت، بل كانت كشفاً عنيفاً لجميع الحدود التي أحاطت بالحلم الناصري، وكشفتها على حقيقتها حدوداً ضيقة لا يمكن تجاوزها بالقوة الخطابية ولا بالنوايا الحسنة، وهو ما أحدث شرخاً غائراً في الجدار الوهمي الذي كان يربط بين نظام يوليو وقاعدته الجماهيرية، فإذا بالجماهير التي هتفت لعبد الناصر طويلاً بدأت تدرك لأول مرة أن مشروعها الكبير ليس فوق إمكانية الانهيار، وأن الزعامة الكاريزمية وحدها لا تستطيع درء المخاطر الجيوبوليتيكية أو تعويض الفجوات التنظيمية والتكنولوجية.
ومع ذلك، ورغم عنف هذه الصدمة وقسوتها، لم يتوقف إيقاع الخطاب الثوري عن التصاعد، بل تضاعفت وتيرته وكأنها محاولة يائسة لتعويض الفشل الميداني بسيل من الكلمات النارية، لكن النار التي التهمت المعدات العسكرية لم تكن لتخفي حقيقة أشد إيلاماً، وهي أن الممارسة الفعلية للدولة بدأت تنخلع ببطء عن جوهر المبادئ التأسيسية التي أعلنتها في لحظة ميلادها، وتنزلق نحو براجماتية متزايدة وسياسات واقعية أبعد ما تكون عن روح التحدي الثوري، حتى بات التناقض بين الأيديولوجيا المعلنة والإجراءات المتخذة هو السمة المهيمنة على المشهد، وتلك كانت بداية مرحلة التآكل البطيء الذي لم يقتصر على أسس النظام السياسي فحسب، بل تعداها إلى نسيج الدولة وذائقة الشعب وشكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم في عقود لاحقة.
وبحلول أوائل السبعينيات، مع انتقال المشعل إلى الرئيس الجديد الذي تسلم زمام الأمور في لحظة كانت فيها البلاد منهكة الجسد مهزوزة الروح، بدأ يلوح في الأفق تحولٌ جذريٌّ وإن بدا في ظاهره تدريجياً، حيث شرع عصر السادات في تفكيك أسس المشروع الناصري بأسلوبٍ لم يكن عنيفاً في علانيته ولكنه كان حاسماً في نتائجه، فكانت سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انطلقت بقوة كالسيل الجارف بمثابة نقضٍ عمليٍّ لمبدأ "القضاء على احتكار رأس المال" الذي كان يمثل أحد دعائم البيان الأول للثورة، إذ فتحت الأبواب على مصراعيها لتدفق رؤوس الأموال الخاصة والعربية والأجنبية، وبدأت الدولة تنسحب ببطء من دورها كحاميٍ للقطاع العام ومخططٍ للاقتصاد، لتحل محلها روح السوق التي تترك كل شيء لقوانين العرض والطلب وإرادة المستثمرين، فتغيرت معالم الحياة الاقتصادية تغيراً جذرياً.
وانتقلت مصر من فضاء التخطيط المركزي الموجه إلى فضاء التنافس الحر الذي كان غائباً طوال عقدين من الزمان، ولم يقف الأمر عند الاقتصاد، بل تعداه إلى الأعماق الجيوبوليتيكية الأكثر حساسية، حين شق الرئيس الجديد طريقاً مغايراً تماماً في السياسة الخارجية فعقد اتفاقية كامب ديفيد التي هزت المنطقة بأسرها، والتي لم تكن مجرد معاهدة سلام مع العدو اللدود، بل كانت قطيعةً معلنةً مع المشروع القومي العربي الذي ظل لعقودٍ القلب النابض لثورة يوليو والمرتكز الأساسي لهويتها، فانكفأت مصر على ذاتها الجغرافية والتاريخية، وانسحبت من معادلة الصراع مع إسرائيل لتختار طريقاً فردياً يختلف تماماً عن التوجهات التحررية الجماعية، وكأنما كانت الناصرية بأسرها قد دُفنت رسمياً في يوم وقعت فيه تلك الاتفاقيات، تاركةً الفراغ لسياسة جديدة تبحث عن شرعيتها في واقع مختلف تماماً عن الأحلام القومية التي قامت عليها ثورة الضباط.
ومع رحيل السادات وبداية عهد جديد طال أمده لثلاثة عقود كاملة، دخلت مصر في مرحلة يمكن وصفها بالجمود المؤسسي المقنَّع، حيث امتد حكم مبارك ليصبح أطول فترة رئاسية في تاريخ مصر الحديث، وهو ما عزز نموذج "الدولة الأمنية" الذي لم يكن وليد اللحظة بل كانت جذوره قد تغلغلت بعمق في تربة نظام يوليو نفسه، فقد وجدت أجهزة الأمن والمخابرات في ذلك العصر فرصتها الذهبية لتوسيع نفوذها وتشابك مصالحها مع كل مفاصل الدولة حتى صار المشهد السياسي شبيهًا بقلعة محصنة تحميها أسوار من الرقابة والترهيب، وظلت المؤسسة العسكرية طوال هذه الحقبة الممتدة تسيطر بيد من حديد على مقدرات الوطن الحيوية، ليس فقط بوصفها ركيزة الدفاع الوطني بل كإمبراطورية اقتصادية ضخمة تمد جذورها في كل قطاع، بينما كانت العدالة الاجتماعية التي احتلت صدارة شعارات 1952 تتراجع على مهلٍ لتصبح مجرد ذكرى عابرة في خطب التنمية.
واتسعت الفجوات الطبقية اتساعاً مذهلاً حتى باتت المدن الكبرى تعكس وجهين متناقضين: نخبة مترفة تعيش على هامش الانفتاح وطبقات كادحة تكافح من أجل البقاء، وفي خضم هذا التحول الجذري، تبلور مفهوم جديد لدور الجيش صيغ بعبارات براقة جعلته فوق الدستور وفوق الدولة ذاتها، بوصفه "حامياً للدستور ومدنية الدولة"، وهي صياغة تحمل في طياتها مفارقة كبرى إذ جعلت من المؤسسة العسكرية وصياً على النظام المدني الذي تفترض حمايته، مما مثل استمراراً لنمط الهيمنة الذي أسسته ثورة يوليو ولكن بتجريدها التدريجي من كل مضامينها الاجتماعية التقدمية، فالجيش لم يعد أداة لتحقيق التنمية والعدالة بل أصبح غاية في حد ذاته وقيمة عليا لا يجوز مساءلتها، وهو تحول يحمل في جوهره ترسيخاً لحالة من الاستقرار الساكن على حساب أي طموح حقيقي للإصلاح السياسي أو الديمقراطي.
وفي 25 يناير 2011، وعلى غير موعدٍ مع التوقعات الرسمية أو حسابات النخب ودوائر الحكم، خرجت جموعٌ غفيرةٌ لا تُحصى إلى ميادين المدن المصرية في مشهدٍ هائلٍ لم تشهد البلاد له مثيلاً منذ عقود، رافعةً شعاراتٍ اختزلت أحلاماً متراكمةً في ثلاث كلماتٍ فقط: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وكأنها ملخصٌ بليغٌ لفشلٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ متراكم، وهذه المرة لم تكن الحركة وليدة تخطيطٍ سريٍّ من غرف العمليات العسكرية أو تنظيمٍ حزبيٍّ محكم، بل كانت ثورةً شعبيةً خالصةً انبثقت من رحم المعاناة اليومية ومن فضاءات التواصل الاجتماعي التي تجاوزت رقابة الدولة، لتختلف جوهرياً في تكوينها وآلياتها وديناميكيتها عن حركة الضباط الأحرار التي انطلقت قبل ستة عقود من ثكنات الجيش وقررت تغيير الحكم بقرارٍ مركزيٍّ.
وهنا كان الشعب هو البادئ والمحرك والقائد في آنٍ واحد، وتدفقت إلى الشوارع ملايين من كل الطبقات والأعمار والاتجاهات الفكرية: عمّالٌ وأساتذة، موظفون وعاطلون، شبابٌ ثائرون ونساءٌ غاضبات، مسلمون وأقباط، اجتمعوا على قلب رجلٍ واحدٍ ليس لأن عقيدةً واحدةً تجمعهم بل لأن الإحباط من الفساد والظلم والقهر كان قاسماً مشتركاً يربط بينهم جميعاً، ولم تكن مطالبهم مجرد إصلاحات جزئية أو تحسينات شكلية، بل تجاوزتها إلى المطالبة الصريحة بإسقاط النظام القائم بكامله، وهدم هيكل السلطة المستبد الذي استحكم لعقود، وإقامة دولةٍ ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ تقوم على المواطنة المتساوية والفصل بين السلطات واحترام الحقوق الأساسية، وتلك كانت لحظة استثنائية حقاً، حيث بدا للمرة الأولى وكأن المستحيل صار ممكناً، وكأن العقدة التي ظلت عصية على الحل طوال سبعين عاماً على وشك الانفراج.
وفي 11 فبراير 2011، وبينما كانت الدنيا تترقب مصير ثورةٍ شعواء هزت عروش الطغيان، أُذيع نبأٌ تاريخيٌّ هزّ القلوب وأسكت الشوارع للحظات، ألا وهو تنحي حسني مبارك عن الحكم بعد ثلاثين عاماً من السيطرة المطلقة، معلناً بذلك سقوط أطول عهود الجمود السياسي في تاريخ مصر الحديث، لكن فرحة النصر سرعان ما خالطتها ريبةٌ قاتمة حين بدأت تُقرأ ملامح المرحلة الانتقالية، إذ بدا وكأن التاريخ يعيد نفسه وفق سيناريو مكتوب قبل ستة عقود، حيث تحولت ثورة شعبية هائلة إلى سلعةٍ سياسيةٍ تُسلَّم على طبق من ذهب إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ذلك الكيان المؤسسي الذي كان يُفترض أن يكون حارساً للدولة لا متولياً لأعبائها، وما هي إلا لحظات حتى أعاد الجيش إنتاج نمط الهيمنة الذي رسخته ثورة يوليو حين تولى إدارة المرحلة الانتقالية بصلاحياتٍ شبه مطلقة، معلقاً الدستور كما حدث عام 1952، وحلَّ البرلمان المنتخب، وممسكاً بزمام السلطة التنفيذية والتشريعية معاً في يدٍ واحدة، وكأن كل تلك العقود من النضال الديمقراطي لم تكن سوى حلقةٍ مفرغةٍ تعيد إنتاج ما سبق.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً: فثوار يناير الذين نزلوا بأحلامهم الجميلة إلى الشوارع كانوا يطمحون بالضبط إلى إقامة حياة ديمقراطية سليمة، أي ذلك المبدأ السادس الذي وضعته ثورة يوليو في بيانها التأسيسي ولكنه ظل حبراً على ورق طوال ستة عقود، ليكتشف الجميع أن الجيش الذي كان من المفترض أن يكون أداةً لحماية الثورة، تحول في لحظةٍ حرجة إلى سيد الموقف، ممهداً بذلك لمرحلةٍ جديدةٍ من الهيمنة العسكرية التي لم تختلف في جوهرها عن تلك التي أسسها الضباط الأحرار، مما جعل من ثورة يناير مجرد حلقةٍ أخرى في سلسلة طويلة من الثورات التي تبدأ بنفس الأمل وتنتهي بنفس المصير، حيث تُستنزف الطاقة الجماهيرية في دراما السلطة التي تنتهي دائماً بتعزيز قبضة الجيش على مفاصل الدولة.
وبينما كانت الجماهير ترقب مصير التحول الديمقراطي بقلوبٍ معلقة بين الأمل والخوف، أفضت صناديق الاقتراع في عام 2012 إلى نتائجٍ حملت في طياتها لحظةً استثنائيةً غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، تمثلت في فوز محمد مرسي بأول انتخابات رئاسية حرة ونزيهة نسبياً، - بصرف النظر عن انتماءاته وأسلوب إدارته فيما بعد - ليصبح بذلك أول رئيس مدني منتخب يُتاح له حمل أمانة الحكم في بلدٍ ظل طوال ستة عقود أسيراً لقبضة العسكريين الذين احتكروا سدة الرئاسة، وهو حدثٌ تاريخيٌّ فريدٌ بدا وكأنه يتوج آمال ثورة يناير ويكسر الحاجز النفسي الذي ظل قائماً بين المصريين وإمكانية أن يحكمهم واحدٌ من خارج المؤسسة العسكرية.
حين يصبح الحلم مرآةً للتناقض
وهكذا، في مشهدٍ مهيبٍ ومفعمٍ بالتناقض، وقفنا على أعتاب اللحظة التأسيسية التي أرادت لمصر أن تخلع جلباب التبعية، وتلبس ثوب العزة والكرامة، فكانت ستة مبادئ هزت كيان دولةٍ عريقة، وأيقظت أمةً كانت تغفو على وسائد الاستبداد الملكي والهيمنة الأجنبية، لكن التاريخ، كما تعلمنا التجربة، لا يسير في خطوط مستقيمة، بل يتعرج بين إنجازاتٍ تخلد في الذاكرة، وهفواتٍ تكشف عن هشاشة المشاريع الكبرى حين تفتقر إلى أسس ديمقراطية راسخة، وحين تُترك مقاليد الحكم لضباطٍ يلبسون ثياب الثوار، لكنهم يظلون أسرى منطق الثكنات.
لقد رأينا كيف تحولت كلمات المبادئ الستة، التي هزّت وجدان الجماهير في فجر 23 يوليو 1952، إلى أيقوناتٍ مثيرةٍ للجدل، وكيف انكشفت الفجوات بين الخطاب الثوري الملتهب والممارسة اليومية الباردة، بين أحلام التحرر وواقع الهيمنة العسكرية، بين العدالة الموعودة ودولة الأمن التي بدأت معالمها تتشكل منذ اللحظة الأولى التي أُلغِيَ فيها دستور 1923، وأُسدِلَ الستار على تجربة برلمانية وليدة، لتُفتح صفحةٌ جديدةٌ كتبتها الدبابات لا صناديق الاقتراع.
ومع مرور العقود، لم تكن النكسة عام 1967 مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت زلزالًا عنيفًا هزّ أركان المشروع الناصري، وأحدث شرخًا في الجدار الوهمي بين القائد والجماهير، ثم جاء عصر الانفتاح ليُعلن قطيعة معلنة مع المبادئ الاقتصادية والقومية، ويُفسح المجال لعودة النماذج التي حاربتها الثورة، وإن بثيابٍ جديدة، ثم تلاه عصر الجمود الأمني الذي عزز من هيمنة المؤسسة العسكرية، وجعل منها إمبراطوريةً فوق الدولة، وغايةً في ذاتها لا تُسأل ولا تُحاسب.
لحظة الحرية التي هبت كالنسيم مع ثورة يناير تتركنا أمام سؤالٍ يلوح في الأفق ويزداد إلحاحاً: هل ستظل هذه اللحظة مجرد سرابٍ سريع الزوال، أم أنها ستكون البوابة التي يعبر منها المصريون إلى بر الأمان الديمقراطي؟
وهذا هو السؤال الذي يفتح أبواب الجزء الثاني من رحلتنا الطويلة، حيث سنغوص في أعماق اللحظة الأكثر إثارةً وجدلاً في تاريخ مصر الحديث، لحظة 30 يونيو وما تلتها من تدخلاتٍ عسكريةٍ أعادت إنتاج السيناريو القديم، وسنبحث في مصير النخب الاقتصادية والاجتماعية التي عادت من جديد، وسنختبر فرضية "دورية الانقلابات على الثورات" التي باتت تطارد المخيال المصري، ونطرح سؤالاً أكثر إيلاماً وأعمق أثراً: هل يمكن لأمةٍ أن تنهض من رماد أحلامها المسروقة، وتصنع مستقبلاً مختلفاً، أم أنها ستظل أسيرةً لدائرةٍ مفرغةٍ لا تنتهي؟
----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






