يحتفل العالم باليوم العالمي للتعاونيات في السبت الأول من شهر يونيو كل عام. وتتجه الأنظار في كثير من الدول إلى الدور المتنامي الذي تؤديه التعاونيات في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص العمل وتمكين صغار المنتجين وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع العائد الاقتصادي. وتعد الحركة التعاونية في العديد من التجارب الدولية أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني وشريكًا رئيسيا في تنفيذ السياسات التنموية وأداة فعالة لدمج الفئات الأقل قدرة في النشاط الاقتصادي المنظم.
وضع التعاونيات المصرية
أما في مصر، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً فنحن تمتلك واحدة من أكبر الحركات التعاونية في المنطقة العربية من حيث عدد الجمعيات والأعضاء إذ تضم نحو 18 ألف جمعية تعاونية يعمل تحت مظلتها أكثر من 12 مليون عضو، بينما يصل حجم أعمالها السنوي إلى نحو 50 مليار جنيه، وتنتشر هذه التعاونيات في قطاعات اقتصادية متنوعة كالزراعة والإسكان والاستهلاك والإنتاج والثروة المائية، بما يعكس اتساع حضورها التنظيمي وتاريخها الممتد لأكثر من قرن.
لكن هذه الأرقام تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله، فإذا كانت الحركة التعاونية بهذا الحجم فلماذا لا ينعكس وجودها وتأثيرها الاقتصادي بما يتناسب مع هذا الانتشار؟ ولماذا لا تمثل التعاونيات أحد المحركات الرئيسية للإنتاج والاستثمار والتشغيل كما هو الحال في عدد من الدول التي نجحت في تطوير هذا القطاع؟ الإجابة هنا مرتبطة بطبيعة النموذج نفسه الذي تقوم عليه الحركة التعاونية في مصر. فمعظم البنية التعاونية الحالية تشكلت في ظروف اقتصادية تختلف جذريا عن الواقع الراهن. فعندما كانت الزراعة التقليدية والقطاع العام يمثلان العمود الفقري للاقتصاد وكانت أنماط العمل أكثر استقرارً وتنظيمًا، أما اليوم فقد تغير الاقتصاد المصري بصورة عميقة وتوسع الاقتصاد غير الرسمي وارتفع عدد العاملين لحسابهم الخاص وانتشرت المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وظهرت المنصات الرقمية والعمل الحر وأصبحت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي تعتمد على أفراد أو مجموعات صغيرة تعمل بصورة مستقلة دون أن تجد إطاراً اقتصادياً او قانونياً يُنظم مصالحها المشتركة أو يعزز قدرتها على المنافسة.
الوزن الاقتصادي والتنموي للتعاونيات
خلال السنوات الماضية انصب جانب كبير من النقاش حول مستقبل التعاونيات على تعديل القوانين أو إعادة تنشيط الجمعيات القائمة أو زيادة أعدادها ، ورغم أهمية هذه الإجراءات فإنها لم تنجح في معالجة جوهر الأزمة لأن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات أو محدودية عدد الكيانات، بل في غياب نموذج تنظيمي يتوافق مع طبيعة الاقتصاد المصري في صورته الحالية.
وتكشف البيانات عن هذه المفارقة بوضوح. فالتعاونيات الزراعية تمثل أكثر من نصف عدد الجمعيات التعاونية، بينما تستحوذ التعاونيات الإسكانية والاستهلاكية على معظم النسبة المتبقية في حين تظل التعاونيات الإنتاجية والخدمية محدودة للغاية، رغم أن الاقتصاد المصري أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الأنشطة الإنتاجية الصغيرة والخدمات وريادة الأعمال والعمل الرقمي. وهذا يعني أن الخريطة التعاونية لا تزال تعكس أولويات اقتصادية تعود إلى عقود مضت، أكثر مما تعكس طبيعة النشاط الاقتصادي القائم اليوم.
وتزداد الصورة وضوحًا إذا انتقلنا من عدد الجمعيات إلى وزنها الاقتصادي فعلى الرغم من ملايين الأعضاء، لا يمثل القطاع التعاوني قوة إنتاجية مستقلة داخل الاقتصاد، كما لا توجد بيانات رسمية دورية تقيس مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بصورة منفصلة. وتشير التقديرات إلى أن مساهمته لا تزال محدودة مقارنة بالقطاع الخاص بل إنها تقل أيضا عن الوزن الذي يمثله الاقتصاد غير الرسمي، والذي أصبح أحد أكبر مكونات النشاط الاقتصادي في مصر وبذلك تبدو المشكلة الحقيقية في ضعف القدرة على تحويل الانتشار التنظيمي الواسع إلى قيمة اقتصادية مضافة، وإلى مؤسسات قادرة على المنافسة والإنتاج وخلق فرص العمل.
ولا يمكن تفسير هذا الوضع بالاعتماد على عامل واحد، فقد تراكمت مجموعة من التحديات على مدى سنوات طويلة، من بينها تعدد الجهات المشرفة على التعاونيات وتقادم الإطار التشريعي وضعف الموارد المالية ومحدودية نظم الحوكمة وتراجع الثقافة التعاونية وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين التعاونيات والقطاعات الاقتصادية الجديدة، فبينما كان الاقتصاد يتغير بوتيرة متسارعة بقيت الحركة التعاونية تتحرك داخل أطر تنظيمية صممت لاقتصاد مختلف، الأمر الذي حد من قدرتها على استيعاب ملايين العاملين في الاقتصاد غير الرسمي وأصحاب المشروعات الصغيرة والعاملين عبر المنصات الرقمية والحرفيين وغيرهم من الفئات التي أصبحت تمثل جانبا مهما من سوق العمل المصري.
البحث عن نموذج جديد " وحدات تعاونية أولية "
ومن هنا يبرز سؤال آخر أكثر أهمية، إذا كان النموذج الحالي لم يعد قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية، فهل يكون الحل في إنشاء المزيد من التعاونيات بالشكل التقليدي نفسه، أم أن الأمر يتطلب التفكير في نموذج مختلف يبدأ من الواقع الاقتصادي القائم. ثم يبني عليه مؤسسات تعاونية جديدة أكثر مرونة وقدرة على النمو؟ إن البحث عن نموذج جديد للحركة التعاونية لا يعني القطيعة مع التجربة التاريخية للتعاونيات في مصر ولا التقليل من الدور الذي لعبته في مراحل مختلفة من التنمية، وإنما يعني الاعتراف بأن الاقتصاد الذي نشأت فيه هذه التعاونيات لم يعد هو الاقتصاد الذي نعيشه اليوم، فقد تغيرت بنية الإنتاج وتغيرت طبيعة العمل وظهرت فئات مهنية وأنشطة اقتصادية لم تكن موجودة قبل عقود، وأصبحت تمثل اليوم قطاعا واسعا من الاقتصاد المصري ومن ثم فإن الإبقاء على الأدوات التنظيمية نفسها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج النتائج نفسها.
ومن هذا المنطلق تبرز فكرة "الوحدات التعاونية الأولية" باعتبارها مدخلا مختلفا لإعادة بناء الحركة التعاونية. ولا تقوم هذه الفكرة على إنشاء تعاونيات كبيرة منذ البداية وإنما على تأسيس وحدات اقتصادية صغيرة تضم عدداً محدوداً من الأعضاء تجمعهم مصلحة مباشرة وواضحة. فقد يكون هؤلاء مجموعة من الحرفيين أو أصحاب ورش صغيرة أو مزارعين في قرية واحدة أو مجموعة من العاملين عبر المنصات الرقمية أو أصحاب مشروعات منزلية أو بائعين جائلين يعملون في منطقة واحدة، ما يجمعهم هو وجود احتياجات اقتصادية مشتركة يصعب على كل فرد تلبيتها بمفرده ولكي تتضح الفكرة بصورة عملية، يمكن تصور مجموعة تضم عشرة سباكين أو كهربائيين يعمل كل منهم لحسابه الخاص داخل مدينة واحدة، في الوضع الحالي يشتري كل منهم أدواته بصورة منفردة ويتحمل تكاليف النقل والصيانة والتسويق والتدريب وحده ويتفاوض منفردا مع العملاء والموردين، أما إذا انتظم هؤلاء في وحدة تعاونية أولية فيمكنهم شراء المعدات والخامات بصورة جماعية بتكلفة أقل وإنشاء مركز مشترك لصيانة المعدات وتنظيم برامج تدريب فني وإطلاق منصة إلكترونية للتعريف بخدماتهم والتعاقد مع شركات التأمين لتوفير تغطية جماعية، بل والتقدم للحصول على تمويل لتطوير نشاطهم بشروط أفضل من تلك المتاحة لكل فرد على حدة. وفي الوقت نفسه يحتفظ كل عضو باستقلاله المهني، فلا تتحول الوحدة إلى شركة، وإنما تبقى إطارًا تعاونيًا يخدم المصالح المشتركة لأعضائها.
ويمكن تطبيق الفكرة نفسها على سائقي تطبيقات النقل أو مندوبي التوصيل أو أصحاب المشروعات المنزلية أو العاملين في الصناعات الغذائية الصغيرة أو الحرف التراثية أو صغار المزارعين. ففي جميع هذه الحالات توجد احتياجات متشابهة تتعلق بشراء مستلزمات الإنتاج والتسويق والتمويل والتدريب والتأمين واستخدام المعدات، وهي خدمات يصبح توفيرها أكثر كفاءة عندما تقدم بصورة جماعية، وهنا تكمن القيمة الحقيقية للوحدات التعاونية الأولية. لأنها لا تنطلق من فكرة إنشاء مؤسسة كبيرة وإنما من حل مشكلات اقتصادية يومية يواجهها الأفراد بالفعل.
ولا يقتصر أثر هذا النموذج على خفض التكاليف أو تحسين القدرة التفاوضية ولكنه يمتد إلى إعادة بناء الثقافة التعاونية ذاتها , فالثقة في العمل الجماعي لا تنشأ بصدور قانون جديد أو بتنظيم حملات توعية وإنما تتكون عندما يلمس المشاركون عائدا اقتصاديا من تعاونهم وعندما يحقق أعضاء الوحدة وفر في تكلفة الإنتاج أو ينجحون في الوصول إلى أسواق جديدة أو يحصلون على تمويل لم يكن متاح لهم من قبل، فإن التعاون يتحول من فكرة نظرية إلى تجربة عملية قابلة للتكرار والانتشار وبهذا المعنى تصبح الوحدات التعاونية الأولية مدرسة لإنتاج كوادر تعاونية جديدة، وقاعدة لبناء تعاونيات أكبر وأكثر نضجًا مع مرور الوقت.
وتتوافق هذه الرؤية مع الخبرات الدولية التي تؤكد أن كثيرًا من التجارب التعاونية الناجحة لم تبدأ بكيانات ضخمة وإنما بمبادرات محلية صغيرة تأسست حول مصالح اقتصادية واضحة، ثم توسعت تدريجيا مع تراكم الخبرة ورأس المال والثقة , فقد أثبتت تجارب مثل موندراجون في إسبانيا والتعاونيات الاجتماعية في إيطاليا وتجارب الاقتصاد التضامني في البرازيل، أن نجاح التعاونيات لا يرتبط بحجمها عند التأسيس وإنما بقدرتها على تحقيق منفعة اقتصادية حقيقية لأعضائها ثم البناء على هذا النجاح للتوسع أفقيا ورأسيا.
---------------------------------
بقلم: حسن البربري






