23 - 07 - 2026

أزمة البدل الصحفي

أزمة البدل الصحفي

قرأت في إحدى منصات التواصل الاجتماعي رسالة مبكية لزميلة صحفية، أكاد أرى وأستشعر دموعها بين سطور رسالتها عن أزمتها الطاحنة بعد تأخر صرف بدل التكنولوجيا في نقابة الصحفيين. الزميلة وجهت سهام دعواتها إلى الله ضد المسؤولين عن تأخير صرف البدل في النقابة. كشف ما كتبته الزميلة وما كتبه عشرات من الزملاء عن مدى تردي الوضع الاقتصادي للصحفيين. أقسم عدد كبير من الزملاء أن بدل التكنولوجيا يمثل النسبة الأكبر من الدخل الذي يعيشون عليه، إن لم يكن كل الدخل، خاصة للزميلات اللاتي يعشن وضعا اجتماعيا مؤلما بسبب الانفصال الزوجي أو الطلاق، ولآلاف الزملاء الذين يكافحون لإعالة أسرهم في ظل أوضاع اقتصادية تزداد صعوبة. فالبدل، لم يعد علاوة وإنما بات جزءا أساسيا من دخول تقل كثيرا عن الاحتياجات ولا تفي بمعظمها ولا يصح أن يتحول إلى ورقة في الحسابات والمساومات الانتخابية، فهذا أمر يجرح كرامة الصحفيين.  

لم أفهم لماذا حدث هذا الموقف الذي آلم الصحفيين، فموعد اعتماد الموازنة العامة للدولة معروف للجميع، وإذا كنا نصرف البدل في وقت محدد في شهر يوليو، فلماذا لم نعد أنفسنا للصرف؟ برر الزملاء في مجلس النقابة، وكذلك بيان للنقيب خالد البلشي، أن ذلك يحدث كل عام!! فإذا كان هذا يحدث كل عام، فلماذا لم نتحسب له؟ ألم يكن لدينا علم بموعد صرف البدل؟ هل فوجئنا بموعد الصرف؟ إذا كانت الأزمة تتكرر سنويا – كما قيل في معرض التبرير - فهي في الحقيقة ليست أزمة بالمعنى الحقيقي، إنما هي أزمة دورية متوقعة وبالتالي فإن إهمال توقعها وحلها مسألة تتطلب وقفة ومحاسبة. 

الزميل المسؤول عن الشئون المالية نقابي قديم ولا أفهم كيف فات عليه هذا الموضوع، كما أن مجلس النقابة بكامله مسؤول، فعضو الجمعية العمومية له كل الحق في محاسبة المجلس والأعضاء، وهنا الأمر لا يكون فتنة، بل محاسبة، وهذا حق أصيل للجمعية العمومية، خاصة أن الصحف القومية صرفت البدل في موعد صرفه. لماذا لم ندبر المبلغ المحدد في موعده. ألم يخطر ببالنا أن زملاء لنا ينتظرون البدل بفارغ الصبر؟ ألا ندرك أن بيوتا مفتوحة على هذا المبلغ الذي لا يغني ولا يسمن من جوع؟ ألا نعلم أن الصحف صارت لا تعالج ولا تصرف الأدوية كما كانت من قبل، وأن الزميل أو الزميلة من كبار السن يحتاجون إلى أدوية يخصصون لها جزء معتبرا من قيمة البدل الصحفي؟  

لماذا تعاملنا مع الموضوع باستهانة حتى وصلنا إلى أن صار أزمة؟ لا أتطرق هنا إلى حسابات وأرقام وتبريرات بأن هذا ما كان يحدث دائما، إنما أتحدث عن أسلوب الإدارة داخل النقابة، في الوقت الذي صارت فيه المؤسسات تدار بأحدث الأساليب. العالم لم يعد يدير الأزمات، بل يستبق الأزمات ويعد لها العدة قبل أن تظهر. العالم يطبق علم الإدارة الاستباقية، التصور الاستباقي لإدارة الفجوة المالية، هذا النوع من الإدارة يهدف إلى الحد من آثار الفجوات المالية، خاصة إذا كانت فجوة سنوية تسبق اعتماد الموازنة العامة للدولة. الاستباق ضمان لاستمرار أعمال النقابة دون تعطل.

الإدارة المالية للنقابة تعد جدولا زمنيا يحدد موعد بدء الفجوة المالية سنويا، وتقوم بتحليل بيانات الأعوام السابقة لتحديد حجم الاحتياج المالي المتوقع، وإصدار تقرير قبل موعد الأزمة بـستة أشهر أو ثلاثة أشهر على الأقل يوضح مؤشرات العجز المتوقع. ثم ترفع تقريرها لمجلس النقابة لاتخاذ الإجراءات الاستباقية التي تتضمن ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل المصروفات الأقل أهمية وتوفير احتياطي تشغيلي أو تمويل مؤقت، مع متابعة أسبوعية للتدفقات النقدية خلال فترة الأزمة، والتحول من موقف رد الفعل بعد أن تحدث الأزمة، إلى الاستعداد المسبق لها، ومواجهتها بما يقلل من آثارها على الزملاء الذين صاروا في ذيل قائمة الأجور ولم تعد هناك فرص للعمل، مع ارتفاع رهيب في الأسعار والخدمات. 

أعلم ويعلم غيري من الزملاء الظروف القاسية التي تمر بها الجماعة الصحفية على كل الأصعدة، لكن ما حدث من رد فعل بشأن أزمة عدم صرف البدل زاد من قتامة الصورة، خاصة ما قيل عن حجم المبلغ المطلوب وعدم التحرك لتدبيره بأي وسيلة ولو من خلال اقتراض مؤقت أو من خلال البنوك التي تتعامل معها النقابة. لو كانت قنوات الاتصالات سليمة ومفتوحة مع مصادر متعددة في الدولة وفي المجتمع، لكان في الإمكان حل الأزمة، وإن كان ذلك لا يغير من رأيي في حتمية تطبيق الإدارة الاستباقية والاستفادة من كل أدوات التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال. 

من أصعب الملفات إدارة، الملف المالي لأنه يتطلب مراقبة دقيقة لحركة الأموال – المحدودة – في النقابة، وكذلك إمكانية تَحيُن الفرص لتعظيم دخل النقابة، ومواردها، لذلك عند توزيع مهام الزملاء أعضاء المجلس وتخصيص ملفات لهم، يجب أن يراعى مدى خبراتهم في المجالات واللجان التي يتولون مسؤوليتها حتى يمكنهم تحقيق أكبر نسبة نجاح ممكنة في العمل النقابي. حان الوقت لأن نعيد النظر في العمل النقابي ومسؤولياته، وفي ظل نقابة مثل نقابة الصحفيين، فإن شغل منصب قي مجلس نقابة الصحفيين، مسؤولية جسيمة ذلك أن فلسفة العمل النقابي تقتضي أن تكون الأولوية لمصلحة الصحفيين أولاً وأخيراً، واستعداد دائم لتذليل ما يواجهون من صعوبات ومعوقات، وهذا يستلزم تغيير النظرة لمجلس نقابة الصحفيين ودوره في الدفاع عن المهنة والعاملين فيها. ولهذا الموضوع وقضايا أخرى أحاديث ستتواصل.
--------------------------
بقلم: رفعت رشاد




مقالات اخرى للكاتب

أزمة البدل الصحفي