إهداء إلى كل من عرف معنى الجيرة قبل أن تتحول الأبواب إلى أرقام، والشقق إلى جزرٍ معزولة ، ليست كل الأماكن التي تسكن ذاكرتنا كبيرة، ولا كل الشوارع التي تركت فينا أثرًا كانت واسعة أو مشهورة.
بعض الأماكن لا تتجاوز عشرات الأمتار، لكنها تتسع لحياة كاملة، وتحتفظ في زواياها بوجوه لا تغيب، وضحكات لا تنسى، وقلوب علمتنا معنى أن يكون الإنسان سندًا لأخيه الإنسان .
هكذا كانت عطفة المحبة... لم يكن هذا اسمها في سجلات الحي، لكنه الاسم الذي اخترته لها بعد أن أدركت، وأنا أستعيد سنوات العمر، أن المحبة كانت عنوانها الحقيقي، وأنها كانت تستحق اسمًا يليق بما احتوته من بشر قبل أن تحتويه من حجارة ، كانت العطفة شارعًا صغيرًا مغلقًا، يتفرع من شارع أكبر ثم ينتهي عند آخر بيت، وكأنها عالم مستقل له قوانينه الخاصة، لا يعرف الضجيج ولا قسوة المدينة التي كانت تحيط به من كل جانب ، لم تضم سوى ثلاثة منازل متواضعة، يتوسطها مبنى صغير يضم ثلاث ورش للحرف اليدوية، لكنها كانت بالنسبة لنا كونًا كاملًا، تنبض فيه الحياة منذ طلوع الشمس وحتى آخر الليل.
أول الورش كان يمتلكها شريكان يعملان في تصنيع أجزاء معدنية صغيرة، تبدو لمن يراها مجرد قطع من الحديد، لكنها كانت تدخل بعد ذلك في صناعات كثيرة، لتصبح جزءًا من أشياء يستخدمها الناس كل يوم دون أن يعرفوا أين بدأت رحلتها. وبجوارهما كانت ورشة الأسطى عبد الله، صانع الأحذية الذي عرفه الجميع بإتقانه وأمانته ، كان يقضي نهاره بين الجلد والمسامير والمطارق، ثم يغلق باب الورشة مع غروب الشمس، ليعبر خطوات قليلة إلى المنزل المقابل حيث يسكن في الطابق الأول مع أسرته ، لم تكن المسافة بين بيته وعمله تتجاوز عرض الشارع، ولذلك كان يشعر أن العطفة كلها بيته الكبير.
أما الورشة الثالثة، فكانت ورشة خراطة صغيرة، لا يتوقف فيها صوت الحديد وهو يدور ويتشكل بين يدي صاحبه، حتى صار ذلك الصوت جزءًا من موسيقى المكان التي اعتدناها فلم نعد ننتبه إليها إلا عندما تسكت ، ورغم بساطة المكان، فإن سكانه كانوا يمثلون لوحة مصرية متكاملة ، جاءت كل أسرة من محافظة مختلفة، منهم من حمل معه رائحة الحقول، ومنهم من جاء من قرى الدلتا، وآخرون من مدن الصعيد، وبعضهم من حدود الاسكندرية ، يحمل كل منهم عاداته ولهجته وذكريات طفولته، لكنهم جميعًا تركوا خلفهم الأهل والأقارب، وجاؤوا إلى القاهرة يبحثون عن لقمة العيش ومستقبل أفضل.
كان يمكن أن يعيش كل منهم داخل شقته، مكتفيًا بنفسه، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
تحولت العطفة إلى عائلة واحدة ، لم يكن أحد يسأل الآخر: من أي محافظة أنت؟ أو ما أصلك؟ أو ما مستواك الاجتماعي؟ كانت الإجابة الوحيدة هي أننا جيران، وكأن هذه الكلمة وحدها تكفي لتختصر كل العلاقات ، إذا مرض أحد سكان العطفة، أصبح المرض مسؤولية الجميع ، لا يخلو البيت من زائر، ولا تتوقف الدعوات، وتتناوب السيدات على إعداد الطعام لأسرته حتى يتعافى .
وإذا أقيم فرح، وعادة ما كان يقام علي سطح المنزل او في خيمة او سرادق ينصب في العطفة والفرح لم يكن يخص بيتًا واحدًا، بل كانت العطفة كلها ترتدي ثوب الفرح الرجال ينصبون الزينات، والشباب يرتبون المقاعد، والنساء يجهزن الطعام ويستقبلن الضيوف، والأطفال يركضون في كل مكان بفرحة لا تعرف الحدود حتي من لم يحضروا الفرح من الجيران كانوا يتابعونه من الشبابيك والبلكونات وتكون سهرة رائعة لأهل العطفة جميعا.
وفي شهر رمضان كانت للمحبة طقوسها الخاصة ، قبل أذان المغرب بدقائق، تبدأ الأطباق رحلتها اليومية من بيت إلى آخر ، هذا يرسل محشيًا، وذاك يبعث بطبق شوربة، وثالث يشارك بما استطاع، حتى تمتلئ الموائد بأطعمة لم تطهها صاحبة البيت وحدها، بل صنعتها أيادي الجيران جميعًا.
أما الأعياد، فكانت مناسبة لتجديد المودة ، تتبادل الأسر الكعك والبسكويت والتهاني، وتُفتح الأبواب منذ الصباح، فلا يكاد يمر أحد دون أن يدخل ليسلم ويشارك الآخرين فرحتهم ، وكان للشباب دور آخر لا يقل أهمية ، كل مساء، وبعد أن تهدأ حركة النهار، يجتمعون عند مدخل العطفة ، قد يبدو للمارة أنهم يتسامرون فقط، لكنهم في الحقيقة كانوا حراس المكان دون أن يكلفهم أحد بذلك ، يعرفون كل وجه يدخل، ويطمئنون على العائدين ليلًا، ويعتبرون حماية بنات الشارع الصغير والكبير مسؤولية شخصية، لا بدافع الوصاية، بل بدافع الشهامة التي تربوا عليها ، كانت هناك قواعد غير مكتوبة، لكنها راسخة في النفوس: احترام الكبير، ومساعدة المحتاج، والوقوف إلى جوار صاحب المصيبة، وعدم ترك جار يواجه أزمته وحده.
لم تكن الحياة سهلة، بل كانت قاسية أحيانًا ، أغلب الأسر كانت من محدودي الدخل، يعمل رجالها منذ الفجر، وتدير نساؤها البيوت بما تيسر، لكن الفقر لم ينجح يومًا في إفساد أخلاقهم، بل ربما جعلهم أكثر إحساسًا ببعضهم البعض، لأن من يعرف مرارة الحاجة يدرك قيمة من يخففها عنه.
واليوم، كلما مررت في شوارع امتلأت بالعمارات الشاهقة والأبواب المغلقة، أدرك أن ما تغير ليس شكل البيوت فقط، بل شكل العلاقات أيضًا ، صرنا نسكن فوق بعضنا، لكننا لا نعرف أسماء بعضنا، بينما كانت عطفة صغيرة تضم عشرات الأرواح التي تعيش كأنها أسرة واحدة .
لهذا أكتب هذه السلسلة ، لا لأحن إلى الماضي فحسب، بل لأوثق زمنًا كان الناس فيه أغنى بالمودة مما هم أغنى بالمال، وزمنًا كانت فيه الجيرة مسؤولية، وكانت المحبة أسلوب حياة، وكانت العطفة الصغيرة صورة مصغرة لمصر الجميلة، مصر التي بنتها الطبقة الوسطى .. الكادحة بقيمها، وبساطتها، وإيمانها بأن الإنسان لا يعيش وحده.
و في الحلقات القادمة لن أتحدث عن بيوت من الطوب، بل عن بيوت من البشر... عن رجال ونساء ربما لم تذكرهم كتب التاريخ، لكنهم صنعوا تاريخًا صغيرًا في قلوب كل من عرفهم.
سأفتح معكم باب كل شقة، وأترك سكانها يحكون حكاياتهم، لأنني مؤمنة أن التاريخ الحقيقي لا تصنعه الشخصيات المشهورة وحدها، بل تصنعه أيضًا تلك الوجوه البسيطة التي عاشت في صمت، وتركت في حياة الآخرين أثرًا لا يزول.
------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






