22 - 07 - 2026

الحرب تعيد تشكيل الوعي الشعبي العربي

الحرب تعيد تشكيل الوعي الشعبي العربي

الحرب الممتدة من غزة إلى لبنان واليمن، ثم المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا، لم تخلق اصطفافًا عربيًا جديدًا بقدر ما أعادت تعريف معيار الشرعية في الوعي الشعبي؛ فباتت قطاعات واسعة من الرأي العام تمنح التأييد أو تحجب التعاطف وفقًا لمقدار الانخراط الفعلي في مواجهة إسرائيل وأمريكا، لا وفقًا للتحالفات التقليدية أو الانتماءات المذهبية أو الإقليمية. وقد يكون هذا التحول أحد المؤشرات الأخطر في نتائج الحرب، لأنه لا يتعلق بموازين القوى العسكرية، بل بإعادة تشكيل الإدراك والوعي الجمعيين لملايين العرب، وهو ما يترك أثرًا أطول عمرًا من أثر المعارك نفسها.

على امتداد العقدين الماضيين، انقسم العالم العربي حول قضايا عديدة؛ من الربيع العربي إلى الصراعات الأهلية، ومن النفوذ الإيراني إلى العلاقة مع تركيا، ومن التطبيع مع إسرائيل إلى شكل التحالفات الإقليمية. وبدا في كثير من الأحيان أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية الجامعة التي تستطيع تجاوز هذه الانقسامات. لكن الحرب الأخيرة أعادت ترتيب الأولويات بصورة غير متوقعة، إذ استعادت فلسطين موقعها بوصفها العدسة التي يُعاد من خلالها تقييم مواقف الدول والقوى الإقليمية والدولية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد انفعال عاطفي. فقد أظهر المؤشر العربي للعام 2025 أن إسرائيل جاءت في مقدمة الدول التي يعدها المواطنون العرب أكبر مصدر تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة، تلتها الولايات المتحدة، وهو ما يعكس تأثير الحرب في إعادة تشكيل صورة الطرفين داخل الوعي الشعبي العربي. كما سجلت الاستطلاعات تراجعًا واضحًا في التأييد الشعبي للتطبيع مع إسرائيل، حتى في الدول التي تقيم علاقات رسمية معها، بما يؤكد أن الحرب أعادت توسيع الفجوة بين السياسات الرسمية والمزاج الشعبي في عدد من الدول العربية.

ولم يقتصر التغيير على الموقف من إسرائيل، بل امتد إلى الولايات المتحدة. فمنذ اندلاع الحرب ارتبطت واشنطن، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، بالدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي لإسرائيل، سواء من خلال المساعدات العسكرية، أو المواقف في مجلس الأمن، أو الانتشار العسكري الأمريكي في شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج. وبذلك انتقلت صورة أمريكا، في الوعي الشعبي العربي، من قوة يُفترض أنها قادرة على لعب دور الوسيط إلى طرف يُنظر إليه باعتباره شريكًا مباشرًا في إدارة الابادة الجماعية ومسؤولًا عن استمرارها. وقد انعكس هذا التحول في تراجع النظرة الإيجابية إلى أمريكا في كافة استطلاعات التي أُجريت في العالمين العربي والإسلامي بعد الحرب.

كما حدث في المقابل تحول لا يقل أهمية في النظر إلى إيران. فقبل الحرب كانت صورة طهران في الوعي الشعبي العربي ترتبط، لدى كثيرين، بملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبالخلافات المذهبية والنفوذ الإقليمي وبرنامجها النووي. ولم تختفِ هذه التحفظات، لكنها لم تعد المعيار الأول للحكم عليها. فقد دفعت الحرب قطاعات من الرأي العام إلى إعادة تقييم إيران من زاوية مختلفة؛ هي زاوية انخراطها في مواجهة إسرائيل ثم أمريكا. وهكذا لم يصبح السؤال: ماذا فعلت إيران في المنطقة خلال السنوات الماضية؟ بل: ماذا كان موقفها من الحرب على غزة ومن المواجهة مع إسرائيل وأمريكا؟

الأمر ذاته ينطبق على القوى المرتبطة بإيران. ففي لبنان أعادت المواجهة مع إسرائيل وضع "حزب الله" في صدارة المشهد الإقليمي بعد سنوات من انشغاله بالأزمة السورية والداخل اللبناني. وفي اليمن تحولت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، رغم ما تثيره من جدل قانوني وسياسي، إلى عنصر حاضر في النقاش العربي لأنها رُبطت بالحرب على غزة. ونتيجة لذلك، أصبح كثيرون يقيمون هذه الأطراف من خلال مستوى اشتباكها مع إسرائيل وأمريكا، أكثر من تقييمهم لها من خلال مواقفهم السابقة من أدوارها الداخلية أو الإقليمية.

وهنا تكمن المفارقة التي قد تشكل مستقبل المنطقة. فالحرب لم تُنهِ الخلافات العربية مع إيران، لكنها غيّرت سلم الأولويات. ودفعت قطاعات من الرأي العام العربي إلى منح قدر أكبر من الشرعية لكل طرف يُنظر إليه باعتباره منخرطًا في مواجهة إسرائيل وأمريكا، حتى مع استمرار الاختلاف معه في ملفات أخرى. وفي المقابل، تراجعت مكانة قوى ودول مثل تركيا وباكستان والسعودية كانت تحظى بدرجة من التعاطف، عندما بدا أنها تكتفي بالإدانة السياسية أو بالتحركات الدبلوماسية دون تأثير ملموس في مجريات الحرب.

وهذا التحول لا يقتصر على الحكومات، بل يمتد إلى صورة القوى الدولية والإقليمية في الوعي الشعبي. فالحرب أعادت تعريف مفهوم "الشرعية" نفسه. فلم تعد شرعية الدولة أو التنظيم تُقاس، لدى كثير من المتابعين، بحجمها الاقتصادي أو نفوذها السياسي أو تحالفاتها الدولية، بل بمدى استعدادها لتحمل كلفة المواجهة مع إسرائيل وأمريكا، أو على الأقل باتخاذ مواقف يُنظر إليها على أنها أكثر صلابة في دعم الفلسطينيين.

إن الدرس الأهم للحرب أن الرأي العام العربي لم يعد يتحرك وفق الحسابات الجيوسياسية أو الانقسامات المذهبية، وأنه أعاد ترتيب أولوياته في مواجهة قضية مركزية تتمثل في الاجرام الاسرائيلي الأمريكي. وفي مثل هذه اللحظات تتراجع الخلافات القديمة، ليحل محلها سؤال واحد: من يقف بالفعل في مواجهة إسرائيل وأمريكا، ومن يكتفي بإدارة الأزمة؟

وأخيرا قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتنتهي الحروب باتفاقات أو تفاهمات، لكن التحولات التي تصيب الوعي الجمعي الشعبي لا تزول بالسرعة نفسها. ولهذا فإن أخطر ما أفرزته الحرب الحالية ليس فقط اتساع رقعة الصراع، وإنما إعادة رسم خريطة الشرعية السياسية في الوعي الشعبي العربي. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن الشرق الأوسط في السنوات المقبلة قد يشهد فجوة متزايدة بين حسابات الدول ومواقف شعوبها، وهي فجوة ستؤثر في مستقبل التحالفات، وفي قدرة القوى الإقليمية والدولية على الاحتفاظ بنفوذها المعنوي داخل العالم العربي بقدر تأثيرها في توازنات القوة على الأرض.
---------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي

مقالات اخرى للكاتب

الحرب تعيد تشكيل الوعي الشعبي العربي