نطرح دوماً أهمية أن يكون للعرب مشروع سياسي يسعون إلى تحقيقه، وعلى الأنظمة العربية كلها أن تتناسى الخلافات الأخرى أيًا كانت، وتركز على تحقيق مصالحها، وتتفق على هدفين رئيسين على الأقل: تقوية اقتصادها، واستمرار النهضة والتنمية والتطوير.
لكن من يسمح للأمة العربية أو حتى للدول الخليجية فقط، بالاستقرار والتطوير والتعمير؟ ومن يعيقها ويمتص خيراتها بالقتل والتدمير؟
البعض يقول: إيران صدعت رؤوسنا بتحرير فلسطين والقدس، وأنشأت (فيلق القدس)، الذي لم يطلق رصاصة واحدة ولو بالخطأ على الصهاينة أثناء وجوده في الأراضي السورية، لكن إيران لم تتردد بإطلاق آلاف القذائف على دول الخليج العربي.
إيران تفكر في مصلحتها وتحقيق مشروعها السياسي، وإيران ضربت العدو الصهيوني في عقر داره وكبدته خسائر فادحة، ومنذ شهرين فقط توقفت عن ذلك، ولا نعرف السبب، هل وراء ذلك اتفاق سري؟ واقتصرت ضرباتها على دول الخليج، وقد تضرر من جراء ذلك الكثير من المدنيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل، وللأسف نعم العديد من الدول تتاجر باسم فلسطين.
والبعض يقول: إن العدوان على دول الخليج العربي، إيراني لا صهيوني، حتى سلطنة عمان الواقفة على الحياد لم تسلم، ونعتقد أن من يقول ذلك كمن يغطي عين الشمس بالغربال.
إن العدوان على الخليج العربي عدوان أمريكي صهيوني بإمتياز، لكنه مُغلف ومُغطى بعباءة إيرانية، وأهداف الحرب كثيرة منها: إلهاء العالم عن جرائم الصهاينة في غزة والضفة، وإحكام السيطرة على منابع النفط، وهيمنة الدولار.
وبالطبع لو إن إيران منذ بداية الثورة ركزت على شأنها الداخلي، بدلاً من مشروع تصدير الثورة والتدخل في شؤون الجوار، لأصبحت من أغنى دول المنطقة، ووفرت الكثير على نفسها وعلى الآخرين، وأيضاً لا ننسى أن إيران ومنذ سنوات طوال، يكرر ساستها تبعية البحرين لها، لكن أيضاً علينا أن نتذكر إن البحرين والإحساء، كانت من ضمن الأراضي التي أراد الصهاينة إقامة دولتهم اليهودية عليها، وكان يمكن أن يكون حالنا الآن كحال الشعب الفلسطيني، وهو يعاني من القتل والتشريد منذ ٨٠ عاماً. هذا عدا عن إن أرضنا العربية، من الخليج إلى المحيط، تقع ضمن نطاق المشروع الصهيوني المستمر، لإقامة (اسرائيل الكبرى)، الممتدة من النيل إلى الفرات.
النظام الإيراني الحالي وضع من ضمن مشروعه السياسي نشر التشيع وتصدير فكر ولاية الفقيه، في حين أن النظام الإيراني السابق، كان أيضاً لديه مشروعه السياسي، الذي يتماشى مع سياسة الدول العظمى، وكان يُعتبر الحليف الأول لأوروبا وأمريكا، ومع ذلك لم يسلم، فلا أمان للغرب أبدًا حتى مع الحلفاء، تم إسقاط نظام الشاه بدم بارد واستبداله بالنظام الحالي، لأن المشروع الاستعماري الإمبريالي السياسي يتطلب ذلك، لتفتيت المُفتت.
لقد عانى الشعب الإيراني من بطش السافاك في عهد الشاه، وتغيرت المسميات وبقي البطش.
الأنظمة الغربية ومخابراتها تستغل ثورات الشعوب، وتقتات على الدماء، ولكي يكونوا دوماً في مرتبة العالم الأول، عليهم باستمرار اضطهاد وقتل واستغلال العالم الثالث.
فمن أجل استمرار حضارتهم في الغرب، عليهم تدمير حضارتنا في الشرق، وخاصة في إفريقيا وآسيا، هذا هو مشروعهم السياسي.
والضحية في كل زمان ومكان دائماً الشعوب.
أغلب الدول وضعت مشروعها السياسي الذي تسعى لتحقيقه، فمثلاً اليابان وضعت نصب عينها مشروعاً سياسياً واقتصادياً، واستطاعت تحقيقه، على الرغم من تعرضها إلى هزيمة نكراء، بعد أن قامت أمريكا بقصفها بالقنابل النووية، وتم تدميرها كلياً، وقتل ملايين المدنيين، لكن من رحم المعاناة، استطاعت أن تصبح قوة اقتصادية عظمى لا يُستهان بها، ولم تواصل البكاء على الأطلال.
وكذلك كوريا الشمالية والجنوبية، وماليزيا، وحتى بنغلاديش وموريشيوس وسنغافورة، وغيرها، كل لديه مشروعه السياسي، فلماذا نحن العرب لا نضع مشروعنا الخاص بنا؟ وبهدوء وتؤدة نعمل على تحقيقه، وبعد ذاك يمكن أن ننطلق إلى الدول الإسلامية وغير الإسلامية، لأننا آنذاك سنكون في موقع قوة لا ضعف، ونكسب احترام العالم.
وأعتقد أن المملكة العربية السعودية مؤهلة للقيام بهذا الدور التاريخي، وعسى الله أن يوفق كل من يسعى إلى نهضة أمتنا العربية.
--------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام






