21 - 07 - 2026

كيف أصبحت الصين القوة الصناعية الأولى التي تقلق أوروبا؟

كيف أصبحت الصين القوة الصناعية الأولى التي تقلق أوروبا؟

كشف تقرير نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، واستعرضته ماعت، أن الصعود الصناعي والاقتصادي المتواصل للصين بات يفرض واقعًا جديدًا على الاقتصاد العالمي، في ظل تنامي المخاوف الأوروبية من اتساع الفجوة التنافسية مع بكين، ونجاح الأخيرة في ترسيخ مكانتها كأكبر قوة صناعية في العالم.

وأشار التقرير إلى أنه في عام 2025، حرص الرئيس الصيني شي جين بينغ على تقديم بلاده باعتبارها قوة مسؤولة وشريكًا قادرًا على التعاون مع أوروبا في مواجهة التوترات الدولية، داعيًا إلى تعزيز التعددية والدفاع عن النظام الدولي، ومواجهة ما وصفه بـ”الأحادية والبلطجة”، في رسالة تؤكد تمسك الصين بالحوار والتعاون والانفتاح.

ورغم هذه الدعوات، يرى التقرير أن عدداً من القادة الأوروبيين لا يزالون ينظرون بقلق إلى السياسات الصناعية الصينية، خاصة ما يتعلق بالدعم الحكومي الموجه لقطاع التصنيع، وهو ما تعتبره بكين جزءًا من استراتيجيتها طويلة المدى لتعزيز التنمية الاقتصادية ورفع القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.

وأوضح التقرير أن أوروبا تخشى تكرار ما يُعرف بـ”صدمة الصين” التي أعقبت انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، إلا أن التحدي الحالي يتمثل في أن المنافسة الصينية أصبحت تمتد إلى الصناعات المتقدمة، مثل السيارات والآلات والكيماويات والأدوية والطاقة الخضراء، وهي قطاعات تعكس حجم التطور الذي حققته الصين في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

وأشار التقرير إلى أنه خلال السنوات الماضية، قللت أوروبا من سرعة التحول الصناعي الصيني، بينما واصلت بكين ضخ استثمارات بمليارات الدولارات لبناء شركات وطنية قادرة على المنافسة عالميًا. 

ومع مرور الوقت، أصبح هذا النجاح أكثر وضوحًا، خاصة مع الصعود اللافت لشركات السيارات الكهربائية الصينية، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم على واردات السيارات الكهربائية الصينية عام 2024، في خطوة تعكس تصاعد المنافسة بين الجانبين.

وتبرز الأرقام حجم هذا التحول التاريخي في موازين الصناعة العالمية؛ إذ ارتفعت حصة الصين من التصنيع العالمي من نحو 6% عام 2000 إلى حوالي 30% حاليًا، في حين تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي من 30% إلى 17%، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي شهدته القدرات الإنتاجية العالمية خلال العقدين الماضيين.

كما ارتفعت الصادرات الصينية إلى أوروبا منذ عام 2015 بنسبة 89%، فيما وصل الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي إلى نحو 411 مليار دولار خلال العام الماضي، في مؤشر على تنامي الحضور الصناعي والتجاري للصين داخل الأسواق الأوروبية.

ويرجع تقرير لماعت جروب هذا التفوق إلى مجموعة من العوامل، من بينها الدعم الحكومي واسع النطاق، والاستفادة من السوق المحلية الضخمة، إلى جانب السياسات الاقتصادية التي ساعدت الشركات الصينية على تعزيز قدرتها التنافسية والتوسع في الأسواق العالمية.

كما يشير التقرير إلى أن الصين طورت منظومة قانونية وإدارية متكاملة عززت من مكانتها الاقتصادية، ويرى أن تنامي اعتماد الأسواق الأوروبية على المنتجات الصينية منح بكين نفوذًا اقتصاديًا متزايدًا في علاقاتها التجارية مع القارة.

واعتبر التقرير أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية لعدد من الصناعات الأوروبية، مستشهدًا بما حدث في قطاع الطاقة الشمسية، الذي فقد جانبًا كبيرًا من حصته العالمية لصالح الشركات الصينية، التي نجحت في ترسيخ ريادتها في هذا القطاع.

وأضاف أن تراجع القاعدة الصناعية الأوروبية قد يزيد من اعتماد القارة على الواردات الصينية، وهو ما قد ينعكس على عدد من الملفات الاقتصادية والاستراتيجية، بما في ذلك الصناعات المرتبطة بالأمن والدفاع.

وفي ضوء هذه التطورات، دعا التقرير الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسات أكثر تشددًا لحماية صناعاته، تشمل فرض إجراءات تجارية دفاعية، وتنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز التعاون مع دول تشترك في المخاوف نفسها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل وتركيا، مع الاستعداد لأي ردود فعل صينية محتملة.

كما يرى التقرير أن التعامل مع الصعود الصناعي الصيني يتطلب تنسيقًا أكبر بين أوروبا والولايات المتحدة، معتبرًا أن تراجع القدرات الصناعية الأوروبية قد ينعكس أيضًا على المصالح الأمريكية، في الوقت الذي انتقد فيه توجهات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي ركزت على الخلافات التجارية مع الحلفاء الأوروبيين، بدل العمل على بناء موقف غربي موحد في مواجهة تنامي النفوذ الصناعي الصيني.