إن المتابع لعمليات القصف التي تقوم بها الولايات المتحدة في العمق الإيراني سيلاحظ أن الاستهداف قد تم للمواقع التالية:
1- الجزر الإيرانية بالخليج وبخاصة في مدخل مضيق هرمز ومعها الساحل الإيراني الجنوبي
2- الجسور الواصلة الى الشمال والشمال الغربي الايراني
3- الوسط الإيراني.
حيث تم ضرب عدة جسور استراتيجية على النحو التالي:
أولا: جسر B1في (كرج) بوسط ايران، ويعد أطول وأعلى الجسور في المنطقة، ويقع على الطريق السريع الرابط بين طهران والمحافظات الشمالية والغربية.
ثانيا: جسور الجنوب، حيثتم استهداف عدد من الجسور الحيوية على الطرق الرئيسية في محافظة هرمزغان، مثل جسر كهورستان وجسر غريوه.
ثالثا: جسور السكك الحديدية: شملت الضربات أيضاً جسوراً للسكك الحديدية في شمال شرق إيران مثل جسر أكتيكه هان أو أك كالا خان
وبدون اغفال الدائرة الأكبر للصراع العالمي الذي يدور بين الصين وروسيا وحلفائهما، من ناحية، والغرب بزعامة الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، حول السيطرة على منابع الطاقة والممرات البحرية، فان تركز القصف لهذه المواقع على التحديد يمكنه أن يحدد لنا الهدف الرئيسي الذي تسعى الولايات المتحدة الى تحقيقه، خلال الموجة الحالية من الحرب ويمكن تقديره، حسب قراءتي، في محاولة عزل المدن الإيرانية وتقطيع خطوط المواصلات، تمهيدا لتقسيم ايران الى 3 أقسام:
1- قسم شمالي يستولي عليه الكرد الإيرانيون والذين يتم اعدادهم له منذ فترة لهذه المهمة. وبانخراط واضح لكرد العراق. وذلك تمهيدا لتأمين مد ممر زنجزور من أذربيجان الى شمال ايران، بدلا من تركيا، التي أخذت الدوائر الإسرائيلية تتوجس منها وتسعى الى استعدائها خلال الفترة القريبة الماضية. ومن شمال ايران سيمتد الممر الى شمال العراق، ثم الى سوريا، ومنها الى إسرائيل.
2- عزل الوسط الإيراني،عن كل من الشمال والجنوب، تمهيدا لغزوه بريا، على نحو مفاجئ ومؤقت، بهدف تدمير البرنامج النووي، الذي يقبع تحت جبل الفأس.
3- تجهيز الجنوب، من خلال القصف المستمر، بما فيه الجزر في مدخل الخليج من ناحية مضيق هرمز والسواحل الجنوبية لإيران، تمهيدا لاحتلاله بقوات برية. بهدف تأمين الملاحة في مضيق هرمز بالكامل. وأيضا، بهدف تحقيق أقصى أنواع التأمين لممر الهند - إسرائيل، عبر دول الخليج والأردن.
وبذلك تكون إسرائيل هي المصب لكل من: ممر زنجزور النفطي، وطريق البهارات التجاري، معا. وتكون ايران قد انتهت بوصفها دولة رئيسية في المنطقة وينتهي التهديد الذي تمثله للهيمنة الأمريكية علي آبار النفط في المنطقة وعلى مضيق هرمز، كما ينتهي التهديد الذي تمثله للحليف الصهيوني.
وأيضا تحجيم النفوذ التركي، عبر تحويل ممر زنجزور عنها، وتقليص نفوذها في سوريا. وفي هذه النقطة، على التحديد، قدمت تركيا إغراءات وتنازلات كبيرة للولايات المتحدة في قمة الناتو الأخيرة، منها استعدادها للتخلي عن صواريخ الدفاع الجوي الروسية من طراز اس 400، والانخراط بشكل أكبر في الحرب الأوكرانية. ولكن يبدو أن التخوفات الإسرائيلية من النفوذ التركي في المنطقة وبخاصة في شرق المتوسط وسوريا أكبر من تلك التنازلات.
ومن البدهي أن النجاح في تحقيق مشروعي الممرات، المشار اليهما، سيمنح إسرائيل مركز ثقل اقتصادي واستراتيجي على الصعيد الدولي، على حساب كل القوى الرئيسية في المنطقة ومنها مصر (لأن ممر الهند سيتم بالخصم من أهمية قناة السويس) وتركيا (لحرمانها من إضافة نقاط قوة استراتيجية ترى أنها الأحق بها فيما يتعلق بنفط أذربيجان، فضلا عن تقليص نفوذها في سوريا لحساب إسرائيل وأمريكا، وهو النفوذ الذي عملت على بنائه والاستثمار فيه خلال سنوات طويلة فيما يسمى ب"الثورة السورية"). كما أن هذا النجاح في تأمين الممرين سيكون، أيضا، عل حساب السعودية التي، على الرغم من استفادتها من ممر البهارت الهندي على أراضيه، فانها سيتم اجبارها، حينئذ (أي حين القضاء على ايران) على التطبيع الكامل مع إسرائيل بدون المقابل الذي تريده (دولة فلسطينية وطائرات اف 35 ومفاعلات نووية). كما سيتم اجبارها، في الآن نفسه، على التخلي عن نفوذها في سوريا لحساب إسرائيل.
ولذلك لم تستجب السعودية لمحاولات جرها للانخراط المباشر في الحرب الدائرة مع ايران، كما أنها لم تستجب لعملية توظيفها في الدخول في حرب شاملة مع الحوثيين، على الرغم من المناوشات التي تمت بعد حادثة الطائرة الإيرانية وضرب مطار صنعاء ومطار أبها بالمقابل. فهل فطنت السعودية للفخ؟؟ أتمنى.
العائق الوحيد لتحقيق تلك الخطة يتمثل في القوة النيرانية الهائلة التي يمتلكها الإيرانيون، والتي لاتزال تعمل بكامل طاقتها وتتطور امكانياتها يوما بعد آخر. حيث، بالمقابل، تحاول ايران اجهاض التواجد العسكري الأمريكي في منطقة الخليج عن طريق تدمير مواقعها الرئيسية: سواء العسكرية أو المراكز اللوجستية ومراكز انتاج الطاقة بالخليج. كما أنها نجحت الى حد بعيد في تحييد قوة الكرد في الشمال، حيث اكتشفت دورهم في هذا المخطط مبكرا. كما أنها تجاوبت مع السعودية في خفض التصعيد، وأيضا قامت بمضاعفة دعمها لحلفائها في كل من العراق واليمن ولبنان. كما جاء قصف الإيرانيين لميناء العقبة بمثابة تحذير للأردن التي تستضيف القوات الأمريكية الضاربة على أراضيها، بعد تدمير القواعد الأمريكية بدول الخليج. وأيضا جاء هذا القصف بمثابة تحذير لإسرائيل عقب تحريك الأخيرة لغواصاتها من ميناء ايلات، بما يعد تعبيرا عن استعدادها للعمل ضد الحوثيين، بهدف منعهم من اغلاق مضيق باب المندب، واستكمال ما توقفت السعودية عن تحقيقه، من محاولة استنزاف للحوثيين وتقليص نفوذهم على المضيق وتدمير قدراتهم. حيث قالت الرسالة الإيرانية أن المواقع الحيوية الإسرائيلية ليست بمنأى عن الضرب.
واذا كانت كل الحروب معقدة ومركبة الأهداف والأطراف، واذا كانت كل الحروب تنطوي مساراتها على مفاجآت ومنعطفات غير محسوبة، فان هذه الحرب، بالذات، تبدو تاريخية، لما ينتظر المنطقة والعالم بعد نهايتها، وتبدو استثنائية لعدم تكافؤ القوة بين أطرافها الظاهرة. فعلى ضوء نتائجها سيتقرر الوضع في إقليم الشرق الأوسط ولا أبالغ اذا قلت في العالم أيضا.
------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






