21 - 07 - 2026

من سرق عوائد أموال التأمينات والمعاشات؟

من سرق عوائد أموال التأمينات والمعاشات؟

قد يبدو عنوان المقال صادمًا، لكنه يفرض نفسه كلما عاد الحديث عن أموال التأمينات والمعاشات: إذا كانت هذه الأموال قد استُثمرت في مشروعات كبرى على مدار سنوات، فأين ذهبت عوائدها؟ ولماذا لا يلمس أصحاب المعاشات أثرًا واضحًا لهذه الاستثمارات في دخولهم أو مستوى معيشتهم؟

القضية ليست مجرد أرقام في دفاتر الحسابات، بل هي حقوق لملايين المواطنين اقتُطع جزء من دخولهم طوال سنوات العمل، على أساس أن هذه الأموال ستُدار بما يحفظ قيمتها ويحقق لهم الأمان عند التقاعد. ومن هنا، يصبح السؤال عن العوائد سؤالًا مشروعًا، لا اتهامًا مسبقًا.

في هذا السياق، أعادت التصريحات الإعلامية الأخيرة للدكتورة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى الواجهة روايات قديمة بشأن إدارة أموال التأمينات خلال فترات سابقة. إذ قالت إن هذه الأموال استُخدمت في تمويل مشروعات، مثل توشكى ومدينة الإنتاج الإعلامي، وإنها كانت تمثل مصدرًا تلجأ إليه الحكومات عند الحاجة إلى التمويل. وسواء صحت هذه الروايات بالكامل أو ظلت محل خلاف، فإنها تفتح الباب أمام سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت أموال أصحاب المعاشات قد ساهمت في إنشاء أصول ومشروعات، فمن الذي استفاد من عوائدها؟

ليس من المنطقي أن تتحول أموال التأمينات إلى مصدر تمويل لمشروعات عامة، بينما يبقى أصحابها ينتظرون زيادات بالكاد تواكب التضخم. وإذا كانت تلك المشروعات قد حققت أرباحًا أو أصبحت تمتلك قيمة اقتصادية كبيرة، فمن الطبيعي أن يكون أصحاب المعاشات أول المستفيدين منها، باعتبارهم أصحاب رأس المال الحقيقي.

المشكلة لا تكمن في الاستثمار، بل في غياب الشفافية. فمن حق أصحاب المعاشات أن يعرفوا أين استُثمرت أموالهم، وما حجم العائد الذي تحقق، وكيف جرى توزيعه، ومن تحمّل مسؤولية أي خسائر، إن وُجدت. فالمال العام يحتاج إلى رقابة، أما أموال التأمينات فتحتاج إلى رقابة مضاعفة، لأنها في الأصل حقوق خاصة تديرها الدولة نيابة عن أصحابها.

لقد آن الأوان لأن يتحول هذا الملف من ساحة للجدل السياسي إلى ملف للمصارحة والمحاسبة. فالإجابة عن سؤال: "من استفاد من عوائد أموال المعاشات؟" ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لاستعادة الثقة في منظومة التأمينات الاجتماعية. وإذا كانت العوائد قد عادت بالفعل إلى أصحاب الحقوق، فليُعلَن ذلك بالأرقام والوثائق. أما إذا كانت قد ذهبت إلى غيرهم، فمن حق المجتمع أن يعرف كيف حدث ذلك، ومن اتخذ القرار، وعلى أي أساس.

إن حقوق أصحاب المعاشات لا يجوز أن تظل رهينة التأجيل أو الغموض. فهذه الأموال ليست خزينة مفتوحة، وليست احتياطيًا يُستخدم كلما احتاجت الحكومات إلى التمويل، بل هي أمانة ينبغي أن تُدار بمنتهى الشفافية والعدالة. ويبقى السؤال قائمًا إلى أن تأتي إجابة واضحة وموثقة: إذا لم تذهب عوائد أموال المعاشات إلى أصحابها، فمن الذي حصل عليها؟
------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

من سرق عوائد أموال التأمينات والمعاشات؟