20 - 07 - 2026

العدالة المزدوجة ما بين كنيسة 15 مايو واحتجاجات القري.. القشة الكاشفه لظهر المواطنة

العدالة المزدوجة ما بين كنيسة 15 مايو واحتجاجات القري.. القشة الكاشفه لظهر المواطنة

في فبراير 2026، شهدت منطقة زهور 15 مايو بحلوان واقعة تحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم "المواطنة" في مصر، أقباط المنطقة احتجوا على إزالة سور أرض مخصصة لبناء كنيسة العذراء والبابا كيرلس، وكانت النتيجة، قبض جماعي، واتهامات بالتجمهر ومقاومة السلطات، ثم براءة جماعية لـ18 متهمًا بعد تدخل أجهزة سيادية، تلاها استئناف من النيابة في مفاجأة للجميع.

في الجانب الآخر، نرى نمطًا متكررًا في قرى الصعيد وأماكن أخرى، تجمعات غاضبة ترفض بناء كنيسة أو ترميمها، و تهدد، وتحاصر، وتدخل في "مساومات" و"مؤامرات" محلية، وغالباً ما تمر الأحداث بسلام نسبي أو بـ"جلسات عرفية" تنتهي بـ"تهدئة" على حساب حقوق الأقلية، و نتساءل هل هذا توازن، أم ازدواجية معيار؟

ونري أن قضية 15 مايو، لم يهاجم الأقباط فيها أحدًا، ولم يحرقوا منشآت، ولم يطردوا جيرانهم. احتجوا على قرار إداري يمس مكان عبادة مخصص رسميًا، وربما اختلط عليهم الأمر ما بين سور الكنيسة والمبني نفسه، وأثبت الدفوع القانونية بطلان الإجراءات المتمثله في عدم إخطار مسبق وقبض عشوائي، والمحكمة أصدرت براءة. ثم جاء الاستئناف. هذا يعكس صراعًا داخليًا بين توجه سياسي يسعى للتهدئة، وتوجه أمني يرى أي تجمع طائفي "تهديدًا" يستحق الردع، والنتيجة أن مواطنين مارسوا حقهم في الاحتجاج السلمي غير المرتب حبث تصادف وجودهم في صلاه قداس يونان، ودفعوا ثمنًا الحبس مرتين، رغم البراءة النهائية المحتملة، فإن استئناف النيابة على حكم البراءة ليس مجرد طعن تقني، بل هو رسالة سياسية وأمنية مفادها: 'حتى لو برّأتكم القضاء، سنستنزفكم استئنافًا' في توجيه رسالة ردع  للمحتجين، و ليس الهدف تحقيقا للعدالة.

وفي كثير من القرى، يتجمع عشرات أو مئات ضد بناء كنيسة أو حتى ترميم منزل للصلاة. يقطعون الطرق، يهددون بالعنف، يحاصرون الأقباط، ويطالبون بـ"موافقة أهالي القرية"، غالبًا ما تتدخل الأجهزة الأمنية لـ"التهدئة" عبر جلسات عرفية بحجة وأد الفتنة، وليس لتطبيق القانون والنتيجة: تأخير أو إلغاء المشروع، وتعزيز منطق "الأغلبية تحكم".

فالفرق واضح، احتجاج الأقباط على إزالة سور وقبض وتحقيق واستئناف، واحتجاج "عشوائي" على وجود كنيسة، غالبًا أفضي الي مفاوضات وتنازلات رغم انه هذة جرائم لا تسقط بالتقادم.

هذا ليس توازنًا، بل ازدواجية معيار ومنحني خطير، لكن على الأرض، يبدو أن الأجهزة الأمنية تتعامل مع الاحتجاج القبطي بحذر شديد، خوفًا من تصعيد طائفي أو ضغط دولي، بينما يتعامل مع الرفض على الجانب الآخر بـ"الاحتواء الاصطناعي" الذي يعطي المحتجين قوة غير مستحقة، وبالتالي يشعر الأقباط بأنهم "مواطنون من الدرجة الثانية"، فيضطرون للاحتجاج ثم يدفعون الثمن، ويتعلم المتطرفون أن "الضغط الجماعي" يؤتي ثماره، و الدولة تخسر في كلا الحالتين، تفقد ثقة جزء من مواطنيها، وتعزز ثقافة تجاوز القانون.

ونجد أن النيابة العامة غالبًا ما تستخدم بند "المصلحة العامة" لتبرير استئناف أحكام البراءة في القضايا الحساسة، لكن في قضايا منع بناء كنيسة، تتغاضى النيابة عن "المصلحة العامة" وتتبنى منطق "وأد الفتنة"، أما في قضية 15 مايو، حيث الاحتجاج كان سلميًا وعلى قرار إداري، فجأة تصبح "المصلحة العامة" تستوجب استئناف البراءة! ، فأين كانت 'المصلحة العامة' عندما تُركت جرائم التحريض على الكراهية ومنع بناء الكنائس في القرى دون استئناف؟ يبدو أن 'المصلحة العامة' تُستدعى فقط وتصنف علي ديانه المحتج، بينما تُنسى عندما يكون المعتدي يهدد المواطنة.

فهي القشة التي تكشف ظهر 'المواطنة'، عندما تتحول البراءة القضائية إلى 'بداية معركة استئنافية' لأقباط 15 مايو، بينما تتحول جرائم العنف ضد الأقباط في الصعيد إلى 'صفحات مطوية' بقرارات إدارية، فإننا لا نواجه ازدواجية معيار فحسب، بل نواجه نظامًا قانونيًا يُستخدم كسلاح لـ 'تأديب' من يخرج عن الصمت، و'تطويع' من يرفض واقع التمييز. العدالة لا تُبنى باستئناف البراءات، بل بمحاكمة من يحرض على الكراهية.

وكانت البراءة في قضية 15 مايو خطوة إيجابية، لكن الاستئناف يعيد الشكوك، و يُدان إجرائيًا عبر إطالة أمد القضية، ويجب أن تكون العدالة واحدة، ومراعاة الأسباب الاجتماعية تشمل الجميع وليس فئه واحدة، من يحتج سلميًا على قرار إداري يحميه القانون، ومن يحرض على رفض وجود الآخر يُحاسب بصرامة، لا "مساومة"، المواطنة الحقيقية لا تُبنى على "التهدئة"، بل على سيادة القانون الواحد للجميع. الوقت حان لأن تكون الدولة فوق الجميع، لا وسيطًا بين "متجاوزين للقانون" ومواطنين يدافعون عن حقوقهم كما يظنون وبعاقبون جماعيا لجرأة الاحتجاج.
----------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي

مقالات اخرى للكاتب

العدالة المزدوجة ما بين كنيسة 15 مايو واحتجاجات القري.. القشة الكاشفه لظهر المواطنة