19 - 07 - 2026

خطاب مفتوح ثان لرئيس الوزراء : من غول المرض إلى مقصلة الجوع.. صرخة كرامة من بلاط صاحبة الجلالة

خطاب مفتوح ثان لرئيس الوزراء : من غول المرض إلى مقصلة الجوع.. صرخة كرامة من بلاط صاحبة الجلالة

- هل ما يحدث  للصحفيين هو واقع اقتصادي فرضه التضخم، أم أنها سياسة تجويع صامتة لإشغال عقول الصحفيين بلقمة العيش وإبعادهم عن دورهم الرقابي والتنويري؟
- كنا في قمة الهرم الاجتماعي لعقود طويلة وانحدر بنا المقام لنكون بعد الذيل بمراحل !!
- هل نعاقب بصراحة علي اشتعال ثورة 25 يناير فوصفنا موسي بعصا فرعون وبعدها بدأ التنكيل بنا؟ !!
- هل تعلم أن 13.1% من الصحفيين لا يتقاضون أجرًا على الإطلاق، ويعملون سخرة بلا مقابل فقط
- وهل تتخيل أن 7.1% يحصلون على أجر يقل عن 1000 جنيه شهرياً وأن 18.9% يتقاضون أقل من 3000 جنيه، و32.7% يتقاضون أقل من 6000 جنيه؟
- هل تعلم ان معاش الصحفي بعد 36 سنه من العمل لا تزيد عن 3500 جنيه بعد الزيادة الأخيرة؟
- هل يمكن أن تعيش معالي رئيس الوزراء براتب أو معاش أقل من 3500 جنيه؟
-  هل يستطيع وزير في وزارتكم أن يدير شؤون بيته يوماً واحداً بهذا المبلغ؟
- الصحفيون الحقيقيون ليسوا نجوم الفضائيات بملايينهم
- دافعنا عن المواطن ونسينا أنفسنا.. فتجاهلتنا الحكومات المتعاقبة

دولة رئيس مجلس الوزراء/ الدكتور مصطفى مدبولي

صبحكم الله بالخير، أو مساكم بالخير

" حسب توقيت قراءتكم لخطابنا هذا".

اعذر اضطراري للكتابة إليكم مجدداً في خطاب مفتوح؛ فقد أعيتنا السبل، وسُدت في وجوه الصحفيين الحقيقيين ممن لايشغلون مناصب الطرق للتواصل معكم ومع رموز الدولة، فبينما ينشغل البعض ممن يتحدثون بإسمنا بمصالحهم الضيقة، والجري اللاهث وراء المناصب والمغانم على حساب آلام الزملاء، لم يتبق لنا سوى أن نرفع صوتنا إليكم مباشرة، بلا وسيط يزيف الحقيقة، وبلا تجميل لواقع بات أقبح من أن يُغطى بعبارات الدبلوماسية.

أكتب إليكم اليوم يا سيادة رئيس الوزراء، لا بحثاً عن سجال سياسي عقيم، ولا رغبة في استعراض لغوي فوق جراح الوطن وأزماته، بل لنسكب بين يديكم وجعاً صامتاً بات ينهش عظام الجماعة الصحفية؛ تلك الجماعة التي صانت تاريخ هذا الوطن، وحمت جبهته الداخلية في أصعب المنعطفات، وظلت تحلم بمستقبل أنبل وأعدل لناسه.

سيادة رئيس الوزراء

هذا هو خطابنا الثاني لكم، في الأول، نقلنا إليكم أنين الزملاء تحت وطأة "غول المرض ومهانة الموت في بلاط صاحبة الجلالة". ونود هنا أن نثمن ببالغ التقدير استجابتكم السريعة آنذاك بصرف 30 مليون جنيه لدعم العلاج والمعاشات بنقابة الصحفيين. كانت تلك التفاتة طيبة أكدت شعوركم بالمسؤولية، لكننا اليوم نقف أمام الحقيقة العارية: إن المسكنات المؤقتة لا تعالج نزيفاً يقطع شريان الحياة عن المهنة بأكملها. نحن لا نريد نظاماً يتأثر بانتخابات النقابة أو تحكمه ردود الأفعال الموسمية والهبات المؤقتة، بل نتطلع معكم إلى نظام مؤسسي ثابت وعادل يضمن كرامة الصحفي المصري ويحصنه بأجر متميز يليق برسالته.

دولة رئيس الوزراء

 دعنا نذكركم والتاريخ بواحدة من أنبل مواقف هذه المهنة التي قد لا تلتفت إليها التقارير المرفوعة لمكتبكم. عندما انطلقت ثورة يناير وصارت "المظاهرات الفئوية" لزيادة الأجور هي السمة العامة في البلاد، وطالت كل قطاع ومؤسسة، لم تجدوا صحفياً واحداً يقف في مظاهرة فئوية يطالب بقرش زائد.. لقد ترفع الصحفيون المصريون تماماً عن إهانة كرامة أقلامهم في مزاد المطالب المادية. انشغلنا بالدفاع عن هموم الناس، وصرخنا من أجل أجور عادلة وحياة كريمة لكل فئات المجتمع، ونسينا أنفسنا.. أو بالأحرى، تجرعنا الصمت عمداً بحكم عزة النفس والشموخ الذي جُبل عليه حامل القلم.. ظننا أن الدولة بوعيها ستقدر هذا الصمت النبيل وتدرك أنه لا يجوز وضع صاحب فكر ورأي في خانة العوز، لكن صمتنا لم يثمر للأسف سوى التجاهل الذي يجرنا اليوم نحو مقصلة العوز والجوع بلا أدنى مبالغة في واقع يقطر مرارة.

دولة رئيس الوزراء

ولأنكم رجل دولة وعقلية علمية تؤمنون بلغة الأرقام لإدارة الأزمات، نضع أمامكم وأمام ضميركم نتائج استبيان المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين حول الأوضاع المالية والاجتماعية للصحفيين؛ وهي أرقام صادمة وصلتكم بالتأكيد، وتمثل وثيقة إدانة – ليست للصحفيين ولكن لواقع مرير- يعلن بوضوح أن أكثر من 72% من الصحفيين المصريين يعيشون بأجور تقل عن الحد الأدنى للأجور الذي تقره الدولة نفسها لعامة الموظفين!

تأمل معي هذه الكارثة يا دولة رئيس الوزراء: 13.1% من الصحفيين لا يتقاضون أجرًا على الإطلاق، ويعملون سخرة بلا مقابل فقط ليحافظوا على انتسابهم لمهنتهم التي لا يعرفون مهنة سواها تقترب من سمو رسالتها. وهل يتخيل عقل أن 7.1% يحصلون على أجر يقل عن 1000 جنيه شهرياً؟ وهو رقم مخجل لا يكفي حتى كلفة مواصلاتهم إلى مقار عملهم! وأن 18.9% يتقاضون أقل من 3000 جنيه، و32.7% يتقاضون أقل من 6000 جنيه؟ بينما الفئة التي تزيد أجورها عن 6000 جنيه لا تتعدى 28.2%، وهي الفئة التي تصارع الغلاء والتضخم بالكاد لحماية أسرها من غائلة الجوع... 

بالله عليكم با دولة رئيس الوزراء .. لن أسالكم عن دخلكم  أو دخل احد الوزراء او رئيس اي هيئة ربنا يبارك .. لكن يكون السؤال: هل تستطيع دولتكم أن تعيش بهذا الدخل؟ 

هل يستطيع وزير في وزارتكم أن يدير شؤون بيته يوماً واحداً بهذا المبلغ؟ 

ولن أذهب بعيداً، لكنه الواقع المرير الذي يصل فيه دخل موظف أو عامل في بعض الهيئات والشركات الخدمية إلى خمسة أضعاف مرتب صحفي مخضرم قضى في محراب مهنته أكثر من 30 عاماً!

  • أما عن المعاشات، فالصحفي حين يحال إلى التقاعد  وهو يحمل جبالاً من المهانة والألم فوق ظهره..

 هل يعقل يا دولة رئيس الوزراء أن الصحفي و الكاتب الذي قضى في الخدمة أكثر من 36 سنة، وشارك في صياغة وجدان هذا الوطن وحمل علي أكتافه هموم الناس ومازال ، لا يتقاضى معاشاً يزيد عن 3500 جنيه بعد الزيادة الأخيرة؟

  • والسؤال الساذج هنا: ما هو معاشكم ومعاش أي وزير في حكومتكم ، حتى نشعر على الأقل أننا "كلنا في الهم شرق" إذا اقتربت معاشاتكم منا؟ وهو ما أوقن تماماً أنه أبعد ما يكون عن الواقع!

إن هناك غصة حادة تعتصر قلوبنا من وهم مجتمعي جائر شوه مأساتنا؛ إذ يظن الكثيرون – وبعضهم من صناع القرار للأسف – أن الصحفيين يتقاضون ملايين الجنيهات ويعيشون في رغد وتَرَف، رابطين خطأً بيننا وبين قلة قليلة تعمل في الإعلام المرئي والشاشات الفضائية ولا يزيد عددهم عن أصابع اليدين.. 

هؤلاء النجوم يا سيادة رئيس الوزراء يمثلون استثناءً تجارياً لا يقاس عليه، أما الصحفيون الحقيقيون – جنود صالات التحرير والميدان والمحافظات الذين يجمعون الأخبار بدموعهم وعرقهم – فهم الأغلبية الكاسحة التي تعيش بالملاليم، وتتألم صامتة ولا تتكلم، وتعتصم بعزة النفس خلف واجهة أنيقة وملابس مهندمة تخفي وراءها بيوتاً مغلقة على ديون وهموم تئن منها الجبال.

  • الكل يدرك يا دولة رئيس الوزراء ويترنم بأن الصحافة أمن قومي، فكيف يدافع عن الوطن قلم جائع؟ 

نعم نحن نعيش في عصر لم تعد فيه الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات التقليدية فحسب، بل نحن في قلب حروب إعلامية شرسة ومنظمة لنهش الأوطان وتفتيت الجبهات الداخلية.. 

والصحافة هنا هي حائط الصد وحائط الصواريخ الفكري للحماية.

 ووسط هذه الاجواء التآمرية علي الوطن نجد من يروج الي الإفتراء الأعظم يا معالي رئيس الوزراء الذي يروجه بعض أعداء هذا الوطن بان الصحافة قطاع إنتاجي، علينا ان نعامله بمنطق كشك السجائر يعني يعامل بمنطق المكسب والخسارة وحسابات الأرباح..

والهدف طبعا  معروف هو تخريد الصحافة عماد الأمن القومي المصري وجعل مصر بلا لسان أو أدوات إعلامية ...

والسؤال هنا كيف يدافع عن الوطن جائع؟ وكيف نطلب من صحفي يرى أطفاله محرومين من أبسط مقومات العيش الكريم أن يقاوم وحيداً وبطنه خاوية محاولات الإغراء بالمال التي تتدفق من جهات مريبة تسعى لشراء الذمم والأقلام لتشويه هذا الوطن؟

 إن تحصين الصحفي وتأمين عيشه ليس رفاهية، بل هو قرار سيادي لحماية عقل وفكر هذه الأمة وتجهيزه للمعارك القادمة والمستمرة.

معالي رئيس الوزراء

إن المقارنة التاريخية تبكّي العيون دماً؛ ففي خمسينات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقبل تأميم الصحافة وبعدها، كان الصحفي يتربع على قمة السلم الاجتماعي والمادي، إيماناً من الدولة والمجتمع معا بأن عقل الأمة لا يجوز أن يمسه ذل الحاجة، وأن الكاتب يجب أن يكتب وهامته مرفوعة نحو الأفق لا منكسرة تبحث عن ثمن الخبز..

 ويكفيني أن أذكر لدولتكم حكاية طريفة حكاها لي عمنا طوغان، شيخ رسامي الكاريكاتير في مصر والعالم العربي يقول: "قررت ذات يوم أن أستأجر شقة بعد أن سئمت حياة الفنادق والبانسيونات، فخرجت من مؤسسة "الجمهورية" بعد قبض الراتب الشهري، واستأجرت به شقة من 6 غرف في شارع 26 يوليو، وأسستها بالكامل وركنت بند الطعام والشراب بالباقي، وصارت مشكلتى الوحيدة في ذلك الشهر هي كيف أدبر بند الترفيه في هذا الشهر فقط!"

أين نحن من هذا اليوم؟ لقد انحدر الصحفي إلى قاع الهيكل الوظيفي في مصر، وبات يتساءل بمرارة: هل نحن أقل أهمية وتأثيراً في مكونات الدولة من رجال البنوك، والبترول، والقضاء، والشرطة، وحتى موظفي الكهرباء والاتصالات؟ 

إن الصحفي هو قاضي الحقيقة على منصة الرأي العام، وكما حصنت الدولة القاضي علي سبيل المثال ليعدل بين الناس بلا هوى أو حاجة، فإن الصحفي يستحق ذات التحصين المالي ليكون بمأمن تام من أي عوز يوجه قلمه.

دولة رئيس الوزراء

 لقد بدأت ظاهرة هجر المهنة كلياً تدق ناقوس الخطر، فهل هذا هو المراد من رب العباد؛ زملاء من أنبل وأقوى الأقلام يتركون المهنة للبحث عن أعمال لا تمت للفكر بصلة فقط ليوفروا لقمة العيش لأولادهم. لم يكن الصحفي في الماضي يعمل في أكثر من جهة، فجاء عليه الزمن في عهد مبارك وبات مجبراً على العمل في جهتين وثلاث ليستتر، واليوم حتى هذه الجهات والمواقع أغلقت أبوابها ليرد الصحفي إلى مطرقة البطالة وسندان العوز.

  • وهنا يثور تساؤل حاد نهمس به في أذنكم: هل ما يحدث هو واقع اقتصادي فرضه التضخم، أم أنها سياسة تجويع صامتة لإشغال عقول الصحفيين بلقمة العيش وإبعادهم عن دورهم الرقابي والتنويري؟
  • هل نعاقب بصراحة علي اشتعال ثورة 25 يناير فوصفنا موسي بعصا فرعون وبعدها بدأ التنكيل بنا؟ !!

 إننا نربأ بحكومتكم أن تقبل بهذا الاتهامات، لأن الحقيقة الثابتة هي أنه لا ديمقراطية حقيقية، ولا حوار وطني ناجح بلا صحافة حرة ونزيهة ومكتفية ماديًا.

بدل التكنولوجيا والتدريب

  • حتى "بدل التكنولوجيا والتدريب" الذي تقدمه الدولة  للصجفي لتطوير ادواته وخبراته تحول بفعل هذه الأزمة إلى المصدر الأساسي والوحيد للدخل لنسبة مرعبة من الزملاء، خاصة في الصحف الحزبية والمتوقفة عن الصدور.. هذا البدل لم يعد ترفاً لأدوات العمل، بل أصبح القوت الضروري لعائلات بأكملها تنتظره بشغف لتسد به رمقها.

· ومن هنا نطالبكم بالعمل الفوري على زيادة هذا البدل ليعوض الفارق القاتل في الأجور وبما يضمن حداً أدنى من العيش الكريم. وليس الحد الأدني من الأجور فقط كما يطالب البعض. 

دولة رئيس الوزراء،

إن القلم الجائع لا يبني وعياً، والكاتب المنكسر لا يصنع وطناً شجاعاً. إننا لا نطالب برغد زائد، بل بالحد الذي يضمن شموخ القلم وعزة صاحبه.

 أنقذوا عقول مصر وأقلامها، وحصنوا كرامة صحفييها قبل أن نفقد ما تبقى من ضمير هذه المهنة العريقة، وتطوينا جميعاً الرمال الصامتة.

ويجعله عامر بحسكم

وتفضلوا بقبول خالص الاحترام والتقدير الفائق لشخصكم الكريم،
----------------------------
بقلم: يسري السيد
[email protected]
من المشهد الأسبوعية


مقالات اخرى للكاتب

خطاب مفتوح ثان لرئيس الوزراء : من غول المرض إلى مقصلة الجوع.. صرخة كرامة من بلاط صاحبة الجلالة