19 - 07 - 2026

السيادة المستأجرة: حين تطلب واشنطن من دمشق تسديد فاتورة الحكم

السيادة المستأجرة: حين تطلب واشنطن من دمشق تسديد فاتورة الحكم

في غرب آسيا، لا تبدو السلطة، في كثير من الحالات، ملكيةً كاملة لأصحابها بقدر ما تبدو امتيازاً مشروطاً؛ فالقوة، والسيادة، والشرعية، وحتى وحدة الأرض، قد تتحول في لحظة ما إلى عناصر قابلة للإيجار السياسي. وحين يصل حاكم إلى السلطة على ظهر قوة خارجية، أو بفضل مظلة إقليمية ودولية، فإنه لا يسكن قصراً سيادياً خالصاً، بل يقيم في بيتٍ يعرف مالكه الحقيقي أنه يستطيع، عند الحاجة، أن يطالبه بالأجرة.

من هنا يمكن فهم جانب مهم من المشهد السوري الراهن. فالمسألة لا تتعلق فقط بعلاقة دمشق الجديدة بواشنطن، ولا بموقع أحمد الشرع في المعادلة الإقليمية، بل بطبيعة السلطة نفسها حين تقوم على توازن هشّ بين الداخل والخارج، وبين الحاجة إلى الاعتراف الدولي والخوف من دفع أثمانه.

في هذا السياق جاء طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الدور الممكن لسوريا في ملف حزب الله. فبعد تعثر مسارات التسوية في المنطقة، وعدم نضوج اتفاق سلام واضح بين الفاعلين الأساسيين، قدّم ترامب تصوراً يقوم على فكرة إسناد مهمة احتواء حزب الله في جنوب لبنان إلى القوة العسكرية التابعة للسلطة السورية الجديدة، بدلاً من إبقاء العبء كاملاً على إسرائيل.

في الظاهر، يبدو الأمر مقترحاً سياسياً أو أمنياً قابلاً للقبول أو الرفض. وقد بادر أحمد الشرع إلى رفض أي مواجهة عسكرية مع حزب الله، بل حاول تقديم بديل أقل كلفة، من خلال الإشارة إلى إمكان فتح مسار تفاوضي بين دمشق والحزب اللبناني. غير أن قراءة هذا الطرح بوصفه مجرد اقتراح عابر لا تكفي لفهم عمقه الحقيقي. فالمسألة، في جوهرها، أقرب إلى منطق المقايضة منها إلى منطق النصيحة.

فواشنطن التي ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تهيئة جزء من البيئة السياسية التي مكّنت الشرع من الوصول إلى موقع الحكم، والتي منحت دمشق الجديدة هوامش اقتصادية وسياسية محسوبة، لا تنظر إلى هذا الدعم بوصفه عملاً خيرياً. في السياسة الدولية، ولا سيما في منطق الواقعية الصلبة، لا توجد مظلات مجانية. الدعم يُقدَّم اليوم، لكن فاتورته تُطلب في الوقت والمكان المناسبين.

لهذا يمكن النظر إلى الطلب الأميركي من دمشق بوصفه اختباراً مبكراً لطبيعة السلطة السورية الجديدة: هل هي سلطة قادرة على رسم حدودها الخاصة، أم أنها ستتحول إلى ذراع وظيفية ضمن هندسة أميركية ـ إسرائيلية أوسع للمنطقة؟ وهل يستطيع الشرع أن يحتفظ بمسافة بين حاجته إلى الاعتراف والدعم، وبين انجراره إلى صدام قد يفجر البيئة اللبنانية والسورية معاً؟

إن تجربة العقد الماضي بين حزب الله والقوى السورية المعارضة تجعل فكرة استخدام دمشق الجديدة في مواجهة الحزب أمراً مغرياً لبعض دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب. فهناك ذاكرة صدام قديمة، وخصومة سياسية وعسكرية عميقة، وحسابات ثأرية لم تنطفئ بالكامل. غير أن تحويل هذه الذاكرة إلى سياسة ميدانية اليوم ليس مسألة سهلة. فلبنان ليس ساحة فارغة، وحزب الله ليس مجرد فصيل حدودي، وسوريا الخارجة من حرب طويلة ليست في موقع يسمح لها بخوض مغامرة إقليمية مفتوحة بلا أثمان داخلية وخارجية باهظة.

هنا تكمن معضلة أحمد الشرع. فهو من جهة يحتاج إلى تخفيف الضغوط الدولية، وإلى انفتاح اقتصادي، وإلى اعتراف سياسي يرسخ سلطته. ومن جهة أخرى، فإن دخوله في مواجهة مباشرة مع حزب الله قد يحوله من حاكم يبحث عن تثبيت الدولة إلى أداة في صراع إقليمي لا يملك مفاتيحه كلها. لذلك فإن رفضه الأولي للطلب الأميركي لا يعكس بالضرورة استقلالاً كاملاً في القرار، بقدر ما يعكس إدراكاً لحجم الكلفة التي قد تترتب على الاستجابة.

لكن السؤال الأهم هو: ماذا ستفعل واشنطن إذا شعرت بأن دمشق الجديدة لا تستجيب للوظيفة المطلوبة منها؟ هنا يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: الإغراء المشفوع بالتهديد

في هذا السيناريو، لا تذهب واشنطن فوراً إلى معاقبة الشرع، بل تحاول دفعه تدريجياً إلى تغيير موقفه. وقد تجمع في ذلك بين الترغيب والضغط: فتح أبواب اقتصادية محدودة، تقديم وعود سياسية، التلويح بتسهيلات في ملفات العقوبات وإعادة الإعمار، وربما منح دمشق دوراً رمزياً في ملفات حدودية أو سيادية مثل مزارع شبعا، بما يخلق إغراءً سياسياً يمكن تسويقه داخلياً.

في المقابل، قد تستخدم واشنطن أدوات ضغط أكثر قسوة: إبطاء الانفتاح الاقتصادي، تجميد بعض التسهيلات، إعادة تفعيل خطاب العقوبات، أو ترك ملفات شائكة مثل الأكراد وقانون قيصر معلقة فوق رأس السلطة السورية. وبهذا المعنى، لا يكون الهدف الأميركي إسقاط الشرع، بل إعادة تشكيل حساباته ودفعه إلى اعتبار المواجهة مع حزب الله ثمناً ضرورياً لضمان استمرار الدعم.

غير أن هذا السيناريو يظل محفوفاً بالمخاطر. فدخول سوريا في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع حزب الله قد يفتح جبهة لا تستطيع دمشق ضبطها. وقد يؤدي، بدلاً من تعزيز موقع الشرع، إلى استنزاف سلطته وإظهارها بوصفها سلطة تقاتل بالوكالة لا باسم المصلحة الوطنية السورية.

السيناريو الثاني: ترك دمشق وحيدة أمام إسرائيل

إذا أصر الشرع على رفض الطلب الأميركي، فقد تختار واشنطن سياسة أكثر خشونة، لا عبر مهاجمته مباشرة، بل عبر تقليص الحماية السياسية عنه في مواجهة إسرائيل. وفي هذه الحالة، قد تجد دمشق نفسها أمام يد إسرائيلية أكثر حرية في الجنوب السوري، وفي المناطق الحساسة المتصلة بالجولان والحدود، وربما في المجال الجوي والأمني.

معنى ذلك أن واشنطن قد تقول للشرع، بصورة غير معلنة: إذا لم تساعد في ضبط حزب الله بما يخدم الأمن الإسرائيلي، فلن نمنع إسرائيل من توسيع هامش حركتها داخل سوريا. وهذه ليست عقوبة مباشرة بقدر ما هي رفع للغطاء، أو على الأقل تخفيف له، في مواجهة جار معادٍ يمتلك تفوقاً عسكرياً واستخبارياً واضحاً.

هذا السيناريو يضع السلطة السورية الجديدة أمام اختبار بالغ الصعوبة. فهي إن ردت على إسرائيل عسكرياً، دخلت في مواجهة غير متكافئة. وإن صمتت، تآكلت صورتها الداخلية بوصفها سلطة وطنية قادرة على حماية السيادة. وهكذا تصبح السيادة المستأجرة أكثر هشاشة: لا تستطيع أن ترفض طلب الحامي من دون كلفة، ولا تستطيع أن تنفذ طلبه من دون كلفة أيضاً.

السيناريو الثالث: تجميد الدولة لا إسقاطها

السيناريو الثالث هو الأكثر نعومة من حيث الشكل، لكنه قد يكون الأشد تأثيراً على المدى المتوسط. ففي هذا المسار، لا تدفع واشنطن نحو مواجهة عسكرية، ولا تترك إسرائيل وحدها لإعادة تشكيل المشهد، بل تعمل على إبقاء سوريا في حالة تجميد سياسي واقتصادي محسوب.

بمعنى آخر، قد لا تسعى الولايات المتحدة إلى إسقاط الشرع، بل إلى منعه من التحول إلى حاكم مستقر. فتُبقي الاقتصاد السوري في منطقة رمادية، وتفتح الأبواب نصف فتحة، وتغلقها عند الحاجة، وتمنح الاعتراف السياسي بالتقسيط، وتربط إعادة الإعمار والسوق والاستثمار والسفر والتحويلات بسلوك دمشق الإقليمي.

في هذه الحالة، تتحول سوريا إلى دولة معلقة: لا هي منهارة تماماً، ولا هي قادرة على النهوض. لا تُعاقَب بعنف، لكنها تُمنَع من التعافي الكامل. وهذا النوع من الضغط يتلاءم مع منطق واشنطن حين لا تريد خوض حرب، لكنها لا تريد أيضاً مكافأة حليف لم يدفع الثمن المطلوب.

وتتوقف حدة هذا السيناريو على مسار التسويات الإقليمية، خصوصاً في لبنان، وعلى مدى حاجة الولايات المتحدة إلى سوريا في ملفات أخرى، مثل ضبط الحدود، ومراقبة الجماعات المسلحة، وإدارة العلاقة مع تركيا، وترتيب التوازنات في شرق الفرات.

في المحصلة، يكشف هذا المشهد أن المشكلة لا تقف عند حدود رفض أحمد الشرع مواجهة حزب الله أو قبوله بذلك. جوهر الأزمة أعمق: إنه يتعلق بطبيعة الحكم حين يولد في ظل رعاية خارجية، ثم يحاول لاحقاً الادعاء بأنه مستقل تماماً. فالسلطة التي تصل بدعم الخارج تستطيع أن تؤجل دفع الفاتورة، لكنها نادراً ما تستطيع إلغاءها.

وهنا يعود مفهوم السيادة المستأجرة إلى مركز النقاش. فالحاكم الذي يقبل بمفاتيح السلطة من خارج الحدود سيكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن تلك المفاتيح لا تفتح أبواب القصر وحدها، بل تفتح أيضاً خزائن الالتزامات. وفي لحظة الاختبار، لا يُسأل فقط عمّن يحكم، بل يُسأل: لحساب من يحكم؟ ومن يملك حق مطالبته بالأجرة حين يحين موعد الدفع؟
-----------------------------------
بقلم: علي رضا شاه محمدي
* باحث إيراني متخصص في شؤون غرب آسيا

مقالات اخرى للكاتب

السيادة المستأجرة: حين تطلب واشنطن من دمشق تسديد فاتورة الحكم