18 - 07 - 2026

إسرائيل ترفض الانسحاب وتبني جدارا عازلا في لبنان.. والسلطة تخشى الذهاب للبرلمان

إسرائيل ترفض الانسحاب وتبني جدارا عازلا في لبنان.. والسلطة تخشى الذهاب للبرلمان

 قصير وزهوي لـ "المشهد": المفاوضات جريمة قانونية.. والاتفاق يخالف القانون الدولي

أرجأت واشنطن لأسباب تقنية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، الاجتماع الفني والعسكري المشترك بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي عبر تقنية الفيديو كونفرنس، برعاية ومشاركة أمريكية، لمناقشة التفاصيل التقنية والآليات التنفيذية لبدء تطبيق آلية المناطق التجريبية، لنقل "الهيكلية والمبادئ العامة" التي تم الاتفاق عليها في روما من الإطار السياسي الدبلوماسي إلى الخطط الميدانية العملياتية على الأرض، والذي كان مقرراً عقده يوم الجمعة 17 يوليو 2026.

وعلمت "المشهد" من مصادر قريبة من الجيش اللبناني ومتابعة للأحداث، أن سبب التأجيل رفض إسرائيل الانسحاب، رغم تصريحات ترامب لقناة فوكس نيوز الأمريكية (يوم الخميس 16 يوليو 2026) بأنه من الجيد أن تقوم إسرائيل بإعادة انتشار في لبنان للتركيز على القضية الكبرى وهي إيران، وأن الشرع سيتولى التعامل مع حزب الله وسيفعل ذلك بطريقة مختلفة وهو لن يهدم المباني، وسيكون أكثر دقة من الإسرائيليين في التعامل مع الحزب، مؤكداً علمه بأن الشرع يرغب في القيام بذلك.

على النقيض من تصريحات ترامب، نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم"، ذات اليوم، عن مكتب وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أنه استعرض في اتصال هاتفي مع وزير الحرب الأمريكي أنشطة إسرائيل في المنطقة ضد ما يصفه بـ "الجهات الإرهابية الجهادية" في سوريا وغزة ولبنان، وأكد كاتس عزم إسرائيل على البقاء في المناطق الأمنية في سوريا وغزة ولبنان لحماية الحدود الإسرائيلية والمستوطنات القريبة من الحدود من تهديدات القوات الجهادية، باعتباره الدرس الرئيسي المستفاد من أحداث 7 أكتوبر 2023.

كما أفادت صحيفة معاريف الإسرائيلية، يوم الخميس 16 يوليو 2026، أن الجيش الإسرائيلي شرع في إنشاء خط جديد من المواقع العسكرية الثابتة داخل المنطقة الأمنية التي يحتلها في جنوب لبنان لتعزيز سيطرته رغم الاتفاق في روما على انسحابه من منطقتين.

هذا فيما تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي التصعيد الميداني عبر سلسلة من الاعتداءات والغارات الجوية بالمسيرات والطائرات الحربية والقصف المدفعي وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة مستهدفاً البلدات الجنوبية، وتقوم القوات المتوغلة ميدانياً بإحراق عدة منازل ومساحات زراعية واسعة، وهدم المنازل وتفجير المربعات السكنية في القرى الحدودية؛ في محاولة لفرض واقع ميداني جديد، وسجّل الإعلام اللبناني تحليقاً مكثفاً للطيران الإسرائيلي على مستويات متوسطة فوق مناطق متعددة شملت الضاحية الجنوبية لبيروت، وقضاء الهرمل شرقي البلاد، ومنطقة عكار في الشمال.

جاء ذلك بعد ساعات من إصدار السفارة الأمريكية في بيروت، بياناً مساء يوم الأربعاء (15 يوليو 2026) فور اختتام جولة المفاوضات السادسة التي عُقدت في العاصمة الإيطالية روما (يومي 14 و15 يوليو 2026) معلنةً عن توصل الطرفين (لبنان وإسرائيل) إلى اتفاق بشأن الهيكلية والمبادئ التوجيهية العامة لآلية المناطق التجريبية، على أن يتم استكمال هذه الهيكلية والبدء بتنفيذها خلال أيام. وأكد البيان أن المرحلة المقبلة ستشهد الانتقال إلى"محادثات تقنية موسعة" تركز على تفاصيل تنفيذ كافة بنود الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وُقّع في 26 يونيو 2026، بهدف التوصل في النهاية لاتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل.

** سلطة العجز والمقاول الأمني

الملاحظ أن السلطة اللبنانية (سواء القصر الرئاسي، أو السراي الحكومي، أو وزارة الخارجية، أو السفارة في واشنطن) لم تصدر بيانا في ختام جولة روما، وانفردت السفارة الأمريكية بإعلان المخرجات، مما يكرس الانطباع بأن بيروت مجرد "متلقٍ" للترتيبات، وأن الولايات المتحدة لا تلعب دور "الوسيط النزيه" بل دور "الطرف الصائغ والموجه" للاتفاق. وترى نفسها المتحدث الرسمي والضامن الوحيد لتنفيذ "الاتفاق الإطاري الثلاثي" الذي تم توقيعه في 26 يونيو 2026، وتتعامل مع الطرفين (اللبناني والإسرائيلي) كجهات تنفيذية للرؤية الأمنية التي تضعها الإدارة الأمريكية للمنطقة. وإن كانت السلطة اللبنانية هي الطرف الأضعف، وعاجزة عن تبني بيان رسمي حاسم ومكتمل الأركان، خشية ألا تلتزم الأطراف الميدانية بمخرجاته، وتنفذ ما اتفقت عليه قبل تسلمها السلطة، فوفقاً لمصادر لبنانية قريبة الصلة من الأحداث، أن عون تعهد أمام الجانب الأمريكي والسعودي والإماراتي والفرنسي، بالقضاء على المقاومة وحزب الله، ولفتت المصادر لـ "المشهد" أن السعودية طلبت من الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة اللبنانية، عبر موفدها زيد بن فرحان، رفض قرار وقف الحرب بين إيران والمقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله والولايات المتحدة وإسرائيل، والتمسك بالتسوية مع إسرائيل بعيداً عن مسار إسلام آباد، على قاعدة نزع كامل سلاح الحزب والمقاومة في كامل لبنان، وتفكيك مؤسسات الحزب الاجتماعية والصحية والمالية وغيرها من الخدمات التي يقدمها الحزب ليس للبيئة الشيعية فقط، ولكن لكل لبناني.

حتى فيما يخص الاجتماع الفني والعسكري المشترك لم يرد ذكر السلطة اللبنانية، وواشنطن هي من حددت الموعد والإلغاء.

وفي الوقت الذي قال فيه الإعلام اللبناني المنحاز للسلطة إن الاجتماع تقرر عقده عبر تقنية "الفيديو كونفراس" نظرا لضيق الوقت. تقول مصادر لبنانية لـ "المشهد" إن الجيش يرفض التفاوض المباشر مع الإسرائيلي، ويرفض فكرة المناطق التجريبية، ولكونه في نهاية الأمر خاضع للسلطة باعتباره أحد أجهزتها، وافق على فكرة المناطق التجريبية شريطة أن تبدأ من النقاط والبلدات الحدودية المحتلة فعلياً لإجبار إسرائيل على التراجع أولاً وإثبات جديتها، وليست مناطق تقع تحت سيطرة النيران الإسرائيلية، مثل زوطر (الشرقية والغربية) ويحمر الشقيف، وبلدة دير سريان الواقعة شمال نهر الليطاني، لأن ذلك يعني منح الاحتلال شرعية القصف، بتراجع حزب الله منها تحت التهديد بالنار، دون أن يقابل ذلك أي انسحاب إسرائيلي فعلي من أراضٍ محتلة.

وبرفض الجيش فكرة "المقاول الأمني" وهي الصيغة الأمريكية-الإسرائيلية التي تمنح إسرائيل حق "التحقق والرقابة" لمعاينة ما إذا كان الجيش قد فكك بنية المقاومة التحتية أم لا، لأنه أمر مخالف لعقيدته القائمة على الدفاع والانتشار السيادي، وتحرير الأرض المحتلة، وليس تقديم تقارير أداء للاحتلال.

ونوهت المصادر إلى أن الجيش اللبناني يتعرض لضغوط من جانب السلطة الخاضعة للمطالب الأمريكية والإسرائيلية والسعودية المطالبة بتغيير قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، واستبعاد أسماء معينة من قادة الجيش، وفقا لقائمة قدمها الجانب الإسرائيلي لارتباطها بالمقاومة والقوى السياسية المعارضة لاتفاق الإطار. ويصر الجيش على إعادة أهالي الجنوب دون تدقيق أمني كما تطلب إسرائيل التي قدمت قائمة ـ وفقا لمصادرنا ـ تضم 3400 مقاتل من المقاومة ترفض عودتهم لبلداتهم، والسؤال من منح الاحتلال تلك الأسماء (؟)

القراءة الصحفية والسياسية تكشف تفرد أمريكا بالحديث باسم المفاوضات مما يكرس فكرة "التدويل غير المعلن" لإدارة ملف الجنوب اللبناني، ويظهر السلطة اللبنانية بمظهر الطرف الذي يوقع على ما يُعرض عليه خلف الكواليس لتجنب استمرار التدمير، دون أن يملك القدرة السياسية أو الإعلامية على تسويق الاتفاق كإنجاز سيادي وطني. وتكشف أيضاً عن وجود تناقض بين السلطة الراغبة في إنجاز أي اتفاق شكلي لإرضاء المجتمع الدولي، وبين قيادة الجيش الرافضة لأن تكون كبش فداء أو أداة لتمرير اتفاق يفرغ السيادة اللبنانية من مضمونها.

** المفاوضات جريمة قانونية

الاتفاق الذي وقعت عليه السفيرة اللبنانية بواشنطن، بتفويض من رئيس الجمهورية عليه الكثير من الإشكالات القانونية والدستورية بالشكل والمضمون على حد قول الكاتب السياسي اللبناني قاسم قصير لـ "المشهد"، لافتاً إلى أن الاتفاق لم يحظ بالموافقة القانونية والدستورية، لعدم عرضه على مجلسي الوزراء والنواب، لأن رئيس الجمهورية يعتبره اتفاق إطار لم يصل بعد لمستوى المعاهدة، لذلك لم يتم عرضه لأنه لا يحتاج للموافقة حالياً، رغم أن الاتفاق في كثير من بنوده يتعارض مع القوانين اللبنانية والدولية فهو يتجاوز سيادة لبنان ويضعها تحت إشراف أمريكي إسرائيلي، ويضع الجيش اللبناني تحت الإدارة الأمريكية الإسرائيلية، ويتعارض مع القوانين الدولية بمنع محاكمة العدو الإسرائيلي على جرائمه التي ترقى لمستوى الإبادة.

ويؤكد مدير مركز الدراسات الأنتروستراتيجية العميد نضال زهوي، أن المفاوضات المباشرة جريمة يعاقب عليها القانون اللبناني، لوجود قانون اسمه "مقاطعة إسرائيل" يجرم كل أشكال التواصل المباشر معها، مما يعني أن كل اللقاءات التي عقدت في واشنطن وروما من قبل سفراء ومسؤولين جريمة يقاضي عليها القانون اللبناني، ولولا التدخل السياسي في النظام القضائي لتم اتخاذ قرارات وإجراءات بهذا الصدد.

ويكشف زهوي عن أن الدستور اللبناني الذي اعتبر إسرائيل عدو، أعطى الشعب حق الدفاع عن الأراضي اللبنانية، إذ نص على "أنه من حق لبنان أن تتخذ أي إجراء مناسب للدفاع عن الأراضي اللبنانية سواء كان شعبي أو غير ذلك" وبالتالي المقاومة اللبنانية مشروعة بحكم الدستور.  

اتفاق الإطار الذي تعارضه35 حزباً وقوى سياسية ودينية ونقابية سيتحدد مصيره بعرضه على مجلسي الوزراء والنواب، كما يقول قاسم قصير، الذي يؤكد بأنه في حال عرضه سيتم إسقاطه، كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذلك السياق.

قصير أوضح أن هناك توجه لعقد مؤتمر وطني عام، لكنه لم يتبلور بعد، انتظاراً للخطوات العملية، وهو ما ينتظره الجميع، ومن بين تلك الخطوات المناطق التجريبية وكيف ستطبق.

العميد زهوي الذي يتفق مع قصير على أن الانتظار سيد الموقف لعدم وجود آلية واضحة لتنفيذ الاتفاق الذي لم يصل بعد لمستوى المعاهدة، يرى أن المواجهة ستعتمد على الأطر الدستورية وقيادة الجيش التي لن تدخل في أي عملية عسكرية داخلية ليس لها إطار دستوري. أما إذا أجبرت السلطة غير الشرعية على تنفيذ الاتفاق بكسر العظام أصبحت المواجهة العسكرية واردة، خاصة وأن السلطة تخالف الدستور اللبناني الذي يمنع على الدولة القيام بعمل تعترض عليه إحدى الطوائف الوازنة، وفي ذلك السياق يعترض كافة أعضاء مجلس النواب من الدروز والشيعة على اتفاق الإطار والمفاوضات المباشرة، على عكس المسيحيين والسنة الذين ليس لهم كامل القة لقول لا.

ويوضح زهوي أنه وفقا للميثاق والدستور فإنه لا شرعية لأي سلطة في لبنان تعارض العيش المشترك، فمجرد وجود تهديد لأي مكون والانحياز ضده وهو ما تتعرض له الطائفة الشيعية حالياً، لذلك يرى ضرورة التواصل بين كافة الطوائف، لأننا أمام كارثة السلطة القادرة على الجلوس مع العدو، غير قادرة على الجلوس مع شعبها وهي كارثة من كوارث الدهر.
-------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع