نتكلم عن ربة البيت التي ليس لديها شغالة أو عاملة أجنبية تساعدها في شؤون البيت، بعض المحامين والمهتمين بقضية المرأة، يدعون إلى عدم تجاهل أهمية المرأة كربة بيت فعلاً لا قولاً، فالمجتمع لا يعدّ ولا يحسب المرأة ربة بيت التي تعد الطعام وتكنس الغرف وتغسل الملابس وتراجع دروس الأطفال، وغيرها من هذه المهام، والتي لا يعدونها ولا يحسبونها ضمن قوة العمل.
ونحن نسأل لماذا لا يشارك معظم الرجال في تأدية مثل هذه المهام (الخطيرة والجليلة والثمينة) التي هي (الطبخ، الكنس، الغسل)؟
بل ولماذا لا يتحملون جميع هذه المهام الخطيرة والجليلة مثل المرأة (الضعيفة) ليعطوها مهام (أقل خطورة)، كالتعليم والتعلم والعمل في جميع ميادين الحياة؟ ولماذا تُدفع وتُرغَّب وتُشجع المرأة للعمل كربة بيت ويُعظّم هذا الدور، وفي الوقت نفسه يُقلل من أهمية العلم والعمل بالنسبة لها؟ وكم نتمنى أن يُثمّن دور ربة البيت اقتصادياً واجتماعياً.
لكن كيف يمكن تقييم وتثمين دور ربة البيت؟ وبأي معيار؟ هل بدفع راتب لربة البيت من قبل رب الأسرة الرجل؟ أم بوضع خطة اقتصادية تشمل مكافآت معنوية ومادية من الدولة لربات البيوت؟
نحن نعي دور ربة البيت جيداً، ونعرف ضرورته وأهميته، ونقدّر مدى ما تقدمه المرأة من تضحيات، لكن البعض يطالب أن تكون المرأة فقط هي التي تضحي دائماً؟ لذا نتساءل أين الحياة المشتركة بين الطرفين؟
إن الإنسان إذا كان يعمل عملاً شريفاً براتب، فهو من أجل نفسه أولاً، لأنه أثناء العمل يكتسب خبرات كثيرة وذلك من خلال احتكاكه بالآخرين، هذه الخبرات تُغني عقله وروحه، هذا من جانب، ومن جانب آخر المكسب المادي الذي يحققه الإنسان ويجعله حراً ذا كرامة لا يمدّ يده أو يحتاج لأحد حتى ولو كان والده، هذا العمل هو الذي يعلمه الاستقلالية والاعتماد على الذات وحكمة التصرف في أمور الحياة.
ولقد قام المحامي حسن علي إسماعيل مشكورًا، بإعداد دراسة خاصة عن ربات البيوت، وقد صدرت الدراسة عن الاتحاد النسائي البحريني، في عام 2025، بعنوان: (أهمية العمل المنزلي للنساء وتقدير قيمته)، تطرق فيها إلى مفهوم العمل المنزلي، وكيفية تقديره وعلاقته بالتمكين الاقتصادي للمرأة، كما ناقش فتوى حق الكدّ والسعاية، وعلاقتهما بالعمل المنزلي، والأموال المشتركة بين الزوجين، وأكدت الدراسة على أهمية الاعتراف بعمل المرأة المنزلي مقابل أجر، والنص على هذا الحق في التشريعات الوطنية، مثل قانوني الضمان والتأمين الاجتماعي.
كما قامت جمعية فتاة النهضة، بتنظيم محاضرة للأخت مريم الرويعي، عن الثروة المشتركة بين الزوجين، في 9 يونيو 2026، أكدت فيها أهمية توثيق حقوق الطرفين.
ونحن بسهولة يمكننا تقدير قيمة العمل المنزلي ماديًا، من خلال معرفة أجور عاملات المنازل الأجنبيات، ولا مانع لدينا من التعامل مع ربة البيت المواطنة كحال العاملة الأجنبية، فأقل راتب تتقاضاه العاملة الأجنبية 100 دينار بحريني، وبعض العاملات الأجنبيات يزيد راتبهن عن 250 دينار بحريني.
إحدى الدراسات الحديثة في البحرين تقول: إن أكثر النساء اللواتي يتعرضن للضرب ولسوء المعاملة هن النساء ربات البيوت، وهذا يؤكد معاناة ربة البيت.
إن بعض البشر يريد شعباً يعيش نصفه في البيت يؤدي أعمالاً (جليلة وخطيرة) هي الأعمال المنزلية، ونصفه الآخر يؤدي أعمالاً (أقل أهمية وخطورة)، كتطوير الصناعة والزراعة والتجارة وغزو ميادين العلوم الطبيعية والإنسانية، والغوص في ميدان العلم والتكنولوجيا، لتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي والسياسي والعسكري، والرقي والنهوض بالمجتمع إلى الأفضل، كيلا نعتمد على الغرب وعلى النموذج الغربي أو أي نموذج آخر، وكيلا يكون "نظامنا التعليمي وسيلة لتكريس التبعية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للنموذج الغربي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية".
يريدون مجتمعا نصفه منتج ونصفه الآخر مستهلك، نصفه مبدع ونصفه بليد، اهتمامات نصفه (الرجل) الاقتصاد والسياسة وعلم الذرة والفضاء، والنصف الآخر أهم اهتماماته (السوبر ماركت)، ليشتري الأكل ويعرف طبخ أحدث أصناف الطعام، و(البوتيكات) ليشتري آخر منتجات الموضة، ليرجع مرة أخرى إلى السوبر ماركت يشتري أفضل أنواع الشامبو والصابون لغسيل الشعر والملابس، وآخر صيحات المكياج للتزين لهذا الرجل المسكين المُتعب طوال النهار. كيف يمكن أن يعيش مثل هذا المجتمع المنقسم على نفسه؟ والذي تطغى الاهتمامات الجادة على نصفه والاهتمامات التافهة على نصفه الآخر؟ وهل يمكن أن يكون مجتمعاً صحياً ذلك الذي يضم هذا التناقض الرهيب؟ بل هل يمكن استمرار وتطور مثل هذا المجتمع في ظروف المنافسة الرهيبة التي يمر بها العالم المعاصر؟
----------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام






