لعل المؤرخين، حين يكتبون تاريخ مصر الحديثة، سيتأملون السنوات الأخيرة بوصفها مرحلة تستحق التوقف طويلًا. هذا التوقف لا أظنه بسبب السياسات العامة التي انتهجتها السلطة، أو لإنشائها شركة مملوكة للدولة أو جهازًا سياسيًا استثماريًا، فكل تلك أمور هامة وخطيرة، إنما الأخطر هو تغير المنطق الذي تُبنى به الدولة نفسها.
فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، كان مشروع التحديث المصري، على اختلاف مراحله وصيغه وتناقضاته، قائمًا على فكرة واحدة وأصيلة، وهي بناء المؤسسات. فمن محمد علي، الذي أسس الدواوين والوزارات والجيش الحديث والمدارس، فالحركة الوطنية، على اختلاف تياراتها، التي طالبت بالدستور والبرلمان والقضاء المستقل، باعتبارها جميعًا من أسس الدولة الحديثة، مرورًا بانقلاب يوليو 1952، وعلى الرغم من سلطوية نظامه، إلا أنه استمر في التحديث من أعلى، موسعًا المؤسسات العامة، وتأسيس شركات القطاع العام، وبناء جهاز إداري لينجز عملية التنمية.
على مدار مائة وخمسين عامًا مضت، اختلفت الطبقة السياسية على طبيعة النظام السياسي، وحول توزيع السلطة والثروة، لكن أحدًا لم يطرح إصلاحات للدولة بطريقة تتجاوز مؤسساتها. فالخلاف كان يدور حول كيفية إصلاح مؤسسة ما أو تطوير الإدارة، إلا أنه لم يُطرح مطلقًا إنشاء كيانات وهيئات موازية لتحل محل الأطر التقليدية.
اليوم، يبدو أننا بصدد منطق مختلف وطريقة إدارة مختلفة، فمتى ظهر أن هناك أزمة في وزارة أو مؤسسة معينة، فلم يعد الاتجاه هو إصلاحها، إنما إنشاء جهاز جديد أو مؤسسة جديدة تملك صلاحيات واسعة واستقلالًا ماليًا وإداريًا كبيرًا، وتعمل بضوابط تختلف تمامًا عن قواعد الإدارة العامة التقليدية.
ربما لتزامن كتابة هذه الكلمات ما يدفع إلى أن الباعث عليها جهاز مستقبل مصر أو الصندوق السيادي، فالمسألة لا تتعلق بكيان بعينه، إنما باتجاه مؤسسي آخذ في التوسع، وتتزايد فيه الكيانات الخاصة بإدارة المال العام، فيما تتراجع القيمة والمكانة للمؤسسات التقليدية للدولة وصيغة الإدارة العامة المعروفة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول المستفيد من ذلك؟!
فقد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك يحدث بغرض التحديث الإداري، فمن غير الخافي أن الصناديق الاستثمارية والأجهزة ذات الطبيعة الخاصة كلها أدوات موجودة وتستخدم في دول عديدة، لكن السؤال لا يتعلق بالأداة، إنما بما تنتجه هذه الأداة في بنية الدولة ذاتها.
فالإدارة العامة ليست الركيزة الوحيدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، إنما كذلك تقوم على مجموعة من المبادئ، وفي مقدمتها وحدة المال العام، ووحدة الموازنة، وتحديد الاختصاصات، ووضوح المسؤولية السياسية، ومن يدير المال العام، ومن ثم تحديد الخاضع للرقابة والمساءلة والمحاسبة.
وإذا كانت الأدوات الحديثة تؤدي بالتدريج إلى تجاوز هذه المبادئ، فإننا لا نكون بصدد تحديث للدولة، إنما بصدد تحول في طبيعتها، وبالشكل الذي من الممكن أن نطلق عليه مفهوم "التحديث العكسي".
فالتحديث العكسي ليس معناه العودة إلى الماضي، إنما جلب الماضي ووضعه في خاصرة الحاضر، ولا يعد كذلك رفضًا للتكنولوجيا والإدارة الحديثة، إنما استخدامها لإضعاف المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة، مفارقة غريبة، ولكن هذا ما يحدث.
يبدو أن الصندوق الاستثماري - أي صندوق - بمثابة أداة حديثة، لكنه يتحول إلى إحدى أدوات التحديث العكسي متى أدى إلى تقليص دور الموازنة العامة ووحدتها، أو إضعاف الرقابة البرلمانية لعدم تحديد المختص، ومن ثم المسؤول السياسي الخاص بهذه المسألة. وكذلك، فالجهاز الاقتصادي - أي جهاز - قد يكون وسيلة فعالة للتنفيذ، لكنه يتحول إلى جزء من مسار التحديث العكسي إذا أصبح بديلًا عن الوزارات أو موازيًا لها، فالأصل في عمله أن يكمل عمل الوزارات، لا أن يحل مكانها. فالمشكلة إذن ليست في وجود أجهزة جديدة، وإنشاء هذه الأجهزة أصبح في أحيان كثيرة بديلًا عن إصلاح المؤسسات القائمة.
وبذلك تنتقل الدولة شيئًا فشيئًا من منطق عمل المؤسسات إلى منطق بناء وعمل الكيانات، مما يعلو بالولاءات وأهل الحظوة ويبعد عن المهنية والمؤسسية، وهو تحول بالغ الأهمية والدلالة. والمؤسسات ليست جدارًا من الأسمنت أو مبنى كبيرًا، فهي ذاكرة للدولة، وتراكم لخبراتها الإدارية، ونقل هذه الخبرات لكوادر جديدة، وقواعد عمل مستقرة ومتعارف عليها، واختصاصات محددة تستأهل رقابة ومحاسبة من يخالفها. ومتى أصبح تجاوز المؤسسة هو الوسيلة السهلة والمعتادة لمواجهة أزماتها، فإن النتيجة لا تكون إصلاح الدولة قدر ما تكون إعادة صياغتها على أسس مختلفة، ويزداد الأمر أهمية حينما يتعلق بالمال العام.
فالملكية العامة ليست وثيقة تسجل بها الأصول باسم الدولة، فهي فضلًا عن ذلك أن تدار باسم الشعب، ولصالحه، وتحت رقابته. ولهذا ارتبطت فكرة الملكية العامة تاريخيًا بالموازنة العامة والرقابة البرلمانية، وبحق المجتمع في المعرفة بكيفية إدارة موارده. فالتوسع في تأسيس الصناديق الخاصة والأجهزة الاستثمارية يفتح نقاشًا يتجاوز الاقتصاد كتقنية ليصل إلى السياسة والدستور. فالسؤال لا يتعلق بمن يملك الأصول، فقد أصبح: من يديرها؟ وكيف تدار؟ ومن يحاسب على إدارتها؟
فقد يكون أصل ما مملوكًا للدولة، ولكن ضعف إمكانية الرقابة عليه بعد انتقال إدارته إلى إحدى الكيانات المشكلة، والتي لا تخضع لدرجات الرقابة التقليدية، فإن مضمون الملكية العامة ذاته يصبح محل نقاش. فالدفاع عن الملكية العامة لا يقتصر على رفض الخصخصة وبيع الأصول، إنما يشمل كذلك الدفاع عن مضمونها الجمهوري، بمعنى حق المواطنين، عبر مؤسساتهم المنتخبة، في الرقابة على من يديرون المال العام من السلطة التنفيذية.
ومن المفارقات أنه رغم تعثر كل مشروعات الحركة الوطنية المصرية، إلا أنها كانت تسير في اتجاه واحد، وهو توسع المجال المؤسسي للدولة، وهو على خلاف ما يحدث الآن، إذ تتزايد الكيانات الاستثنائية، وتتداخل الاختصاصات، وتتراجع المكانة النسبية لمؤسسات كانت تمثل أعمدة الدولة الحديثة. ربما لا يعني ذلك أن مصر تعود إلى الوراء كما كانت قبل الدولة الحديثة، فلا يصح نعت أي مؤسسة جديدة بأنها تمثل تراجعًا بالضرورة، ولكن الثابت أن منطق بناء الدولة أصبح مختلفًا.
فالأسئلة التي يطرحها هذا التحول ليست تقنية، فهي أسئلة سياسية وتاريخية بامتياز، تتعلق بالدولة التي نريد، وهل يمكن تحقيق التنمية بتجاوز المؤسسات بدلًا من إصلاحها، وهل تكفي الكفاءة الاقتصادية وحدها لتبرير إعادة توزيع الاختصاصات وإدارة المال العام خارج الأطر التقليدية، وأين التمثيل البرلماني والرقابة الشعبية في هذا النموذج الجديد؟
الإجابة على هذه الأسئلة لا تحدد فقط شكل الإدارة الاقتصادية، إنما شكل الجمهورية نفسها. فالجمهورية، فضلًا عن أنها وعد بالحرية والعدالة الاجتماعية، فهي منظومة من المؤسسات والاختصاصات والمسؤوليات والرقابة، والمال العام الذي يدار باسم الشعب ولصالحه، وكلما ابتعدت إدارة المال العام عن المجال العام، كلما ضعفت المضامين الجمهورية للدولة، وإن بقيت الأسماء على حالها.
ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه يتجاوز عدد الأجهزة الاستثمارية التي أُنشئت والصناديق التي أُسست، ليصل إلى سؤال أظنه الأهم: هل ما زلنا نبني الدولة التي بدأ المصريون في تشييدها منذ القرن التاسع عشر، أم أننا دخلنا مرحلة تجاوز المؤسسات كطريق للتنمية، لا محاولة إصلاحها؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يكون في قلب النقاش خلال السنوات القادمة.
-------------------------------
بقلم: محمد الخولي






