12
بيروت 3 يوليو2015
استغرقني البكاء أمس حتى ظننتُ أن لا أمطار في بيروت بعد اليوم، عصرت غيوم شتاءات الدنيا بجفوني، واستعطفتني أحزاني "أن كَفَىَ"، وكيف بكفى والأحزانُ ولودُ.
قلبتُ ذاكرتي وفتشت زوايا قلبي، ومنعطفات عقلي عن سبب واحد لتلك الأمطار الاستوائية، فلم أجد وعدتُ صفرَ اليدين أسبحُ في محيطات الدمع الدافئة.
مٌقلتا عيناي لؤلؤتان تضيئان ليل أحزاني، وأنا تائهةٌ أبحث عن مرافئ النوم على سواحل الأمل، فإذا ليلي كنهاري؛ مفتوح العينين يقظ الجفنين، مؤرقٌ أشد ما يكون الأرق، مُسَهَدٌ أقسى ما يكون السهاد.
دخلت الحمام وبالكاد نزعت ملابسي عني وألقيتها بعيدًا كأنما أُلقي بهمومي ومشاكلي بعيدًا، جلست في أرضية البانيو، ذاهلة ضعيفة مشتتة، احتضنت ساقاي بذراعاي، وتركت ماء الدُش ينقر رأسي عَلَّهُ يوقظني من أوهامي وآلامي ويغسل أحزاني.
خطوت والبشكير القطني حول جسمي تجاه ماكينة القهوة المنتظرة تحية الصباح التي اعتادتها مني كل صباح " Bonjour, ma machine à café bien-aimée صباح الخير ماكينة قهوتي الحبيبة"، ضغطت الزر، ثمة نور أخضر اللون يضئ ويطفئ في قاعدتها غامزًا لي حتى إذا ما انتهى من مهمته، أسبل عينيه، وعاد إلى حالة التأهب لمعاودة العمل، عند الطلب، كقط مطيع، تناولت فنجاني معتقًا تفوح نكهته الذكية من حولي، وارتديت ملابسي الرياضية وخرجت.
يتمشى نمل التعب في خلاياي، ومع هذا عاندت نفسي وما أن وصلت الكورنيش رحت أجري وسط الجموع متفاوتة الأعمار والألوان والأحوال، اقتربت منهم أكثر وأكثر حتى كدت اصطدم ببعضهم، ذبت فيهم عَلَّ عدوى ابتساماتهم تنتقل إلي. كم تمنيت حينها أن تصبح الابتسامات بكتريا حميدة معدية أو حبوبا تباع في المحلات والصيدليات بنكهات مختلفة.
بالأمس، وخلال اجتماع الإعداد لورشة عمل تنظمها إدارة التنمية المستدامة بمدينة الرباط بالمغرب، نبهتني جان، أكثر من مرة إلى كثرة شرودي بطرق غير مباشرة، لا تلفت انتباه الآخرين أَشرُد بعيدًا وأعود على وقع نقر إصبعها على كتفي مرة، واحتكاكها بالكرسي الذي أجلس عليه مرة أخرى، كأنما تعتدل في جلستها، ومرة تلمس ذراعي بمرفقها بطريقة تبدو عفوية، ومرة ومرة، وأنا لا أكاد أفيق من سرحاني حتى أغيب مرة أخرى، أعدُ على أصابع يدي، وأحيانًا أتمتم كأنما أهمس إلى شخص قريب لا يراه أحد غيري، أو أرسم دوائر صغيرة بأصابعي على الطاولة.
تُشعرني جان أنني أجلس أمام دكتور صبره، أُحدثها عن آلامي وتباريحي، تشد من أزري وتؤكد لي أن غدًا لا شك أجمل، أنظر في عينيها بتوسل وأسألها؛
- متى يا جان؟
عن قريب.. قريب جدًا!!
- مللت الانتظار!!
ثقي في الله وفي نفسك وعاندي يأسك بالصبر.. اعتبريها لعبة عض أصابع، ما تتسرعي وتقولي آي، أصبري لحظة يتحول يأسك لفرج وفرح..
.....
تتحول عيناي إلى بحيرتي دمع ساخن فتحتضنني ولا تتوانى تشحذ همتي ومعنوياتي بالكلمات حينًا وبالوصايا الدينية حينًا آخر، تذكرني بمواعيد دكتور صبره، وتتابع مواظبتي على تناول الدواء، وما أن تجد نكتة - وإن تضمنت إيحاءات جنسية - حتى ترسلها إلىّْ متبوعة (بإيموجي) لوجه ضاحك.
بعد نحو ساعة من وصولنا المكتب، توجهنا سويًا لحضور اجتماع الترتيب لعقد ورشة عمل، تسندت على جان، أجر جسمي جرًا، وأشعر بثقل أنفاسي، أضغط من حين لآخر على ذراع جان، ربما لأشعر أنني ما زلت قادرة على السير، وربما لأستمد منها بعض القوة، ربتت على كفي بحنان، وقبلت جبهتي، وتمتمت (هلّق منفوت عالاجتماع، وخلي تركيزك عليه... ورح تلاقي إنّك نسيتي كل هالمشاكل شوي شوي)، فهززت رأسي دلالة الموافقة، وفي يقيني رفض.
شغلنا الكراسي حول الطاولة المستديرة ابتسم مُضيفنا، ورفع كرسيا منزويا في ركن المكتب، فجاءت جلسته قبالتي مباشرة. تطلع نحونا بوجهه الخمري وتكفلت ابتسامة ترحيب مع لطيف حديثه بإذابة ثلج البدايات، فيما وشت لهجته ولكنته بأصله المصري، قال وهو يشير ناحية أركان الغرفة؛
- أهلاً بيكم .. المكتب مكتبكم .. ماكينة القهوة، وأشار بيمناه، وسخان الميه للشاي، وأشار بيسراه، اللي محتاج ما يتردد.. مكانكم
تجاوبت عبارات الشكر ردًا على كرمه، ثم لم يلبث أن أردف، وقد عم الاجتماع جو إيجابي مبهج،
- بعرف إن دي أول مرة اتقابل فيها مع بعض الحضور، أعرفكم بنفسي.. (ثم قال وهو يشير إلى صدره) هاشم .. اسمي هاشم عبد الله الراوي، وتقدروا تنادوني هاشم، بدون تكليف
فوجدتني أقول من فرط ارتباكي و دون انتظارٍ لدور،
- مايا .. اسمي مايا
فسارعت جان ضاحكة، وكأننا نتحدث من قوالب جاهزة، وقالت
- جان .. اسمي جان
فسارع هاشم مُعقِبًا بمرح
- ومين ما يعرف جان .. من غيرك ما في سفر ولا ورش عمل ولا مؤتمرات ...
....
ضحكنا وتبادل الجميع نظرات مودة وألفة، وإن سألت نفسي، لما لم يعقب على اسمي كما عقب على جان؟، هل فعلاً لا يعرفني؟، حقًا هذه أول مرة التقي به فيها، لكنني أظن أنني سمعت اسمه من قبل، لكنني لم ألبث أن لُمتُ نفسي على شعور لا يليق أن يكون بيني وبين جان، إذ كيف أغير منها وهي كاتمةُ أسراري، القريبة إليّْ!
تعمل جان في المنظمة منذ عدة سنوات، ساهمت في تنظيم الكثير من المؤتمرات والاجتماعات والأحداث الهامة داخليًا وخارجيًا، ولأنها كانت - تقريبًا - الموظفة الوحيدة الأكثر استقرارًا والأقدم بإدارة العلاقات العامة، صارت معروفة للجميع، فضلاً عن كونها مجتهدة في عملها ولا تتردد في التواصل مع زملائها لإنجاز المطلوب حتى في عطلات نهاية الأسبوع وأثناء إجازاتها.
لسبب لا أعرفه يبدو وجه هاشم مألوفًا لي. حين رفع عينيه أولَ مرة نحوي، لم تكن نظرة عابرة كسائر النظرات التي تتقاذفها وجوه غرباء حول طاولة اجتماع، بل كانت أشبه بمن يقرأ صفحة سبق أن قرأها، توقّف عندي جزءًا من ثانية زائدًا عن حده، ثم ابتسم كمن يجامل ذاكرته لا محدّثه. شعرتُ بشيء يشبه دفء الشمس حين يخترق ثقب صغير في غيمة كثيفة؛ لحظة خاطفة، لكنها كافية لتترك أثرها على الجلد. لم أفهم حينها ما الذي أربكني بالضبط، هل هي ملامحه، أم نبرة صوته، أم ذلك الشعور العصي على التفسير بأننا لسنا غريبين تمامًا كما يفترض المكان والزمان؟
شيء ما كان يجذب عيني نحوه فأسرح بعيدًا حتى تعيدني تنبيهات جان، وكالعادة أفيق من شرودي، لكن هذه المرة لا أعاود السرحان في الفراغ، بل أجد نفسي أُحصي تفاصيله خلسة: طريقة إمساكه بالقلم، الخط الرفيع بين حاجبيه حين يفكّر، صمته الذي يزن كلامه قبل أن ينطقه. أراقبه كمن يحاول أن يتذكر أغنية سمعها ذات مرة ولم يعد يذكر من أين.
خيط خفي يشدني نحو عينيه، لا أدري له سببًا. ربما عفويته وتلقائيته. أو شعوري أننا ربما جمعنا لقاء من قبل، بدا وجهه مألوفًا، بل ولعلي لا أبالغ إن قلت أنني حين رأيته شعرت بقربه الشديد مني.
ربما رأيته صدفة في أحد اللقاءات الدورية التي يدعو فيها المدير العام جميع العاملين لمناقشة بعض الموضوعات، وربما وقفنا ننتظر المصعد معًا حيث مكتبي في الدور الأول ومكتبه في الدور الرابع، يقينًا أنها ليست المرة الأولى التي أراه فيها. كحت ذاكرتي دون جدوى وفشلت في العثور على إجابة تشفي غليلي وتجيب سؤال يطرق ذهني بقوة "أين التقينا؟".
ولعلي لا أبالغ إن قلت إنني حضرت الاجتماع بنصف عقل، وانشغل النصف الآخر بالإجابة عن السؤال، فلما أعياني البحث عن إجابة قلت في نفسي؛ "إنني على يقين أننا التقينا في مكان ما، هذا الوجه مألوف لي على نحو غريب. مؤكد أننا سنلتقي في ذلك المكان مجهول العنوان وعندها سأجد الإجابة ساطعة سطوع الشمس".
أفقت من شرودي - هذه المرة - على صوت هاشم يسألني بوجه باسم وبلهجة لبنانية "ما بدك تعقيب؟"، ثم أردف؛ "عمر ما مسئولة علاقات عامة حضرت اجتماع وضلت ساكتة! طب مين يتكلم!"، ابتسمت ورحت ألملم أفكاري وعدت إلى ما دونت من ملاحظات مشتتة، أستل واحدة واتحدث حولها مستشهدة بين الفينة والأخرى بجان، وجان تؤيد رأيي بهزة رأس أو تصوبني بلباقتها المعتادة، وهاشم منصتٌ يكتفي بهز رأسه مع تعبيرات وجه خفيفة تتجاوب مع ما أقول.
انتهى الاجتماع وانصرفنا، فدعوت جان إلى فنجان قهوة إسبرسو في مكتبي، فلبت مبتهجة وقالت "معي ربع ساعة"، ثم أردفت وهي تتناول قطعة حلويات من العلبة على مكتبي، ريثما تنتهي الماكينة من عملها؛
- لطيف هاشم؟
إيه.. نعم..
- كثير مهضوم.. ظنيت أنه يعرفك
وأنت الصادقة قولي ظنيت أني أعرفه..
- كيف؟ (قالت بوجه تعلوه الدهشة)
وشه مش غريب.. بس مش قادرة أتذكر وين شفتو..
نظرت نحوي بجانب عينيها وأردفت وهي تقصد أمرًا
- لغة العيون كانت عالية بينكم!
راح زمن لغة العيون يا جان (قلت وأنا أحاول مداراة عواطفي الداخلية)
- عيونه كانت تلف ع الحضور بسرعة وتيجي لحدك وتقف، حسيت فيه كيميا مشتركة (قالت غامزة بعينها اليمنى)
فعقبت متهكمة وأنا أطوح رأسي للخلف، بينما تضرج وجهي بحمرة من ضُبِطَ متلبسًا
كيميا كمان؟ بلاش أوهام!!
فقالت وعينيها في عيني كأنما تستجوبني بمودة
- تنكري؟
يا سلام ع خيالك يا جان، أول مرة أقابل بشوف الزلمة، وما شفته أد ساعة، وصرتِي ترسمي وتتخيلي.. أنصحك تبلشي تكتبي روايات ..
- بكره راح تقولي جان كان معها حق
حقك ع راسي
- يعني ما شغل بالك؟
إذا بدّك الصراحة، شغل بالي. حسّيت إنّو وشّه مش غريب عليّ. أنا متأكدة إنّو تقابلنا قبل هيك... وكتير كمان. بس وين؟ (هزّيت راسي بأسف، وكفّيت) هيدا اللي عم يجنّنّي
- ....
بتعرفي يا جان، كتير بحسّ إنّو في أحداث منعيشها كأنّها للمرة التانية. ناس منلتقي فيهن ومنحسّ إنّو سبق وتقابلنا، ووجوه منشوفها لأول مرّة ومنسأل حالنا: يا ترى وين شفناها؟ وأوقات بسأل حالي... يا ترى هيدا حقيقة ولا مجرّد خيال؟
شردت جان وعقبت بصوت دلت نبرته أنه يأتي من زمان بعيد
- لولا الخيال يا مايا ما كنا قدرنا نكمل حياتنا
وإلنا بالخيال حياة!
- صدقت
ويمكن أجمل حياة هي اللي منعيشها بالخيال
- ...... (يُتبع)
-----------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






