16 - 07 - 2026

كيف يغذي "اقتصاد الحرب" الصراع في السودان؟

كيف يغذي

لم تعد الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجياً إلى صراع تحكمه المصالح الاقتصادية بقدر ما تحركه الحسابات العسكرية والسياسية. فمع استمرار القتال لأكثر من ثلاث سنوات، باتت الموارد الطبيعية وطرق التجارة ومصادر التمويل تمثل أحد أهم العوامل التي تفسر قدرة طرفي النزاع على مواصلة الحرب، رغم الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة.

التقرير الأخير الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان يعكس هذا التحول بوضوح، إذ يسلط الضوء على نشوء ما وصفه بـ"اقتصاد الحرب"، وهو نمط اقتصادي تصبح فيه الحرب نفسها مصدراً للربح والنفوذ، بما يجعل استمرارها أكثر جدوى لبعض الأطراف من إنهائها.

يشير التقرير إلى أن أطراف النزاع لم تعد تعتمد على مصادر تمويل تقليدية، بل باتت تبني نفوذها على السيطرة المباشرة على الأراضي والموارد الطبيعية وشبكات التجارة الداخلية والخارجية. وبذلك لم تعد السيطرة العسكرية هدفاً في حد ذاتها، وإنما أصبحت وسيلة للهيمنة على مصادر الدخل التي تضمن استمرار العمليات القتالية، وهو ما يعني أن كل منطقة تقع تحت سيطرة أحد الطرفين تتحول إلى مصدر للإيرادات، سواء عبر فرض الرسوم والإتاوات، أو التحكم في حركة البضائع، أو الاستفادة من الموارد الطبيعية، الأمر الذي يخلق حلقة مفرغة يصبح فيها استمرار الحرب شرطاً لاستمرار هذه العوائد. ومن هنا تبدو الحرب في السودان أقرب إلى نموذج "الصراع الممول ذاتياً"، حيث تغذي الموارد النزاع، بينما يتيح النزاع بدوره استمرار السيطرة على تلك الموارد.

في هذا السياق المضطرب يبرز الصمغ العربي باعتباره أحد أكثر الأمثلة دلالة على هذا التحول؛ فالسودان كان قبل اندلاع الحرب يوفر ما بين 70 و80 % من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، وهو منتج يدخل في صناعات استراتيجية تشمل الأغذية والمشروبات والأدوية ومستحضرات التجميل. ورغم أن القيمة المالية لصادرات الصمغ العربي لا تضاهي صادرات النفط أو المعادن، فإنه يمثل مصدر رزق رئيسياً لملايين السودانيين، كما يشكل سلعة استراتيجية في سلاسل التوريد العالمية. ولهذا أصبح القطاع هدفاً مباشراً للأطراف المتحاربة التي تسعى إلى السيطرة على إنتاجه وتخزينه ومسارات تصديره.

التقرير الأممي يكشف أيضا عن تعرض المنتجين والتجار لعمليات نهب وابتزاز واعتقالات تعسفية، كما يشير إلى نهب بورصة الصمغ العربي ومستودعاتها في مدينة النهود، وهو ما أدى إلى تعطيل التجارة المحلية وإلحاق أضرار مباشرة بسبل معيشة آلاف الأسر. لكن المشكلة لا تقف عند حدود السيطرة على الإنتاج، بل تمتد إلى إعادة تشكيل طرق التجارة نفسها، حيث يم تصدير الكميات القادمة من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش عبر ميناء بورتسودان، بينما تُنقل كميات أخرى من المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع عبر شبكات تهريب تمر بدول مجاورة.

وتطرح هذه الظاهرة تحدياً معقداً أمام المجتمع الدولي، إذ قد تدخل المنتجات السودانية الأسواق العالمية بعد إعادة تصنيفها أو تغيير بلد المنشأ، بما يجعل تتبعها أمراً بالغ الصعوبة. ولا يقتصر أثر ذلك على إضعاف الاقتصاد السوداني، بل يمتد إلى منح أطراف النزاع مصادر تمويل بديلة تساعدها على مواصلة القتال بعيداً عن الرقابة الرسمية.

التقرير أيضاً يلفت النظر إلى أن استمرار اقتصاد الحرب لا يعتمد فقط على الأطراف المحلية، وإنما يرتبط كذلك بدور دول العبور والأسواق الخارجية وسلاسل الإمداد الدولية. فغياب آليات فعالة لتتبع منشأ السلع يسمح بتدفق منتجات مرتبطة بالنزاع إلى الأسواق العالمية، وهو ما يثير تساؤلات حول مسؤولية الشركات المستوردة والمصنعين الدوليين في التحقق من مصادر المواد الخام التي يعتمدون عليها. لذلك دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى تشديد الرقابة على سلاسل التوريد، وتعزيز آليات التتبع والمساءلة، بما يحد من قدرة أطراف النزاع على الاستفادة من التجارة الدولية لتمويل الحرب.

هنا تكمن خطورة "اقتصاد الحرب" كونه يخلق مصالح اقتصادية مباشرة لدى الفاعلين المسلحين، تجعل وقف القتال أقل جاذبية من استمراره. فكلما طالت الحرب، توسعت شبكات التهريب، وترسخت الأسواق الموازية، وازدادت استفادة جماعات النفوذ من غياب سلطة الدولة. ولهذا، فإن أي تسوية سياسية لا تتضمن استعادة الدولة سيطرتها على الموارد الطبيعية والمعابر التجارية، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، قد تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق سلام مستدام.

بشكل عام، يكشف تقرير الأمم المتحدة أن الأزمة السودانية تجاوزت كونها صراعاً عسكرياً على السلطة، لتتحول إلى حرب يغذيها اقتصاد موازٍ قائم على استغلال الموارد الطبيعية وطرق التجارة. وفي ظل هذا الواقع، لن يكون وقف إطلاق النار وحده كافياً لإنهاء الأزمة، ما لم تترافق الجهود السياسية مع استراتيجية دولية لتفكيك اقتصاد الحرب، وتجفيف مصادر تمويله، وإعادة توجيه ثروات السودان لخدمة التنمية والاستقرار بدلاً من تمويل النزاع. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط على خطوط القتال، بل أيضاً على طرق التجارة ومصادر التمويل وسلاسل الإمداد التي باتت تشكل الوقود الذي يبقي الحرب مشتعلة.
---------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

كيف يغذي