16 - 07 - 2026

ينشط الحزب الشيوعي الصيني قوة الدفع لتحقيق الفوز المشترك للاقتصاد العالمي (3)

ينشط الحزب الشيوعي الصيني قوة الدفع لتحقيق الفوز المشترك للاقتصاد العالمي (3)

بقلم/ نور يانغ إعلامي صيني

مع دخول عام 2026، تشهد هيكلية الحوكمة الاقتصادية العالمية تعديلات عميقة. وتتعرض منظومة التعددية الأطراف لصدمات مستمرة جراء التجاذبات الجيوسياسية، في وقت باتت فيه شبكات الإنتاج العابرة للحدود تعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على التوقعات المؤسسية المستقرة. وفي مواجهة المخاطر الهيكلية الناجمة عن تشرذم الاقتصاد الجيوسياسي، أظهرت الصين، باعتبارها مركزا محوريا حاسما في سلاسل الإمداد العالمية، عزيمة استراتيجية عالية في حوكمتها الكلية. وتضرب هذه العزيمة بجذورها في القيادة القوية للحزب الشيوعي الصيني، الذي ينسق دائما وبشكل شامل بين التنمية المحلية والتقسيم الدولي للعمل، واضعاً الانفتاح رفيع المستوى على الخارج كاتجاه استراتيجي طويل الأجل، مما يوفر يقينا نادرا للاقتصاد العالمي الذي يمر بفترة تعديل.

 ومن منظور مسارات التحديث، يختلف الانفتاح رفيع المستوى على الخارج الذي تدفعه الصين اختلافا جوهريا عن الانفتاح التبعي الذي أُجبرت عليه العديد من الدول النامية في التاريخ الحديث. فالانفتاح الصيني في العصر الجديد هو تغيير مؤسسي تم إطلاقه بمبادرة ذاتية انطلاقا من بناء الدولة القوية. وتكمن نواة "الانفتاح المؤسسي" في دفع الربط العميق بين القواعد واللوائح والإدارات والمعايير المحلية وبين القواعد الاقتصادية والتجارية الدولية عالية المعايير؛ فمن التقليص المستمر للقائمة السلبية لولوج الاستثمارات الأجنبية، إلى الإطلاق الأول للقائمة السلبية لتجارة الخدمات عابرة الحدود، وصولا إلى التعزيز المستمر لشدة حماية حقوق الملكية الفكرية، تعمل سلسلة من الابتكارات المؤسسية على ترقية الانفتاح من مجرد تفضيلات سياسية إلى ترتيبات مؤسسية مقننة وشفافة. وإن هذا النهج القائم على خفض تكاليف المعاملات من خلال إزالة الحواجز المؤسسية، يوفر ضمانا مؤسسيا طويل الأجل ومقنناً للتعاون الاقتصادي والتجاري العالمي.

ويتحول هذا الانفتاح المؤسسي حاليا إلى نتائج اقتصادية وتجارية ملموسة. وتظهر بيانات الهيئة العامة للجمارك أنه في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، بلغ إجمالي قيمة واردات الصين وصادراتها من تجارة السلع 2.86 تريليون دولار أمريكي، بزيادة قدرها 15.3% على أساس سنوي. وفي شهر مايو وحده، بلغت قيمة الواردات والصادرات 4.45 تريليون يوان، متجاوزة 620 مليار دولار أمريكي للشهر الثالث على التوالي، لتتسع نسبة النمو السنوي بشكل أكبر إلى 16.9%. وفي سياق يتسم بضعف الطلب العالمي الإجمالي وتزايد حواجز الحماية التجارية، لا تعكس هذه المجموعة من البيانات مرونة الاقتصاد الصيني فحسب، بل تؤكد أيضاً على المكانة المحورية غير القابلة للاستبدال لسلسلة التوريد الصينية في نظام تقسيم العمل الدولي. إن النمو المتزامن للواردات والصادرات يعني أن الصين مزود للمنتجات العالمية ومستهلك للسوق العالمية في آن واحد، ويشكل هذا التفاعل الثنائي قوة مهمة لاستقرار نمط التجارة العالمية.

وفي مواجهة ممارسات بعض الدول التي تتقيد بعقلية المباراة الصفرية وتتلاعب بـ "فك الارتباط وقطع سلاسل الإمداد" وتحاول بناء دوائر جيوسياسية إقصائية، تمسكت الصين دائما وبثبات بصون النظام التجاري المتعدد الأطراف. وبغية مقاومة الأضرار التي يلحقها تشرذم القواعد الاقتصادية والتجارية الدولية بالرفاهية العالمية، تدفع الصين بنشاط نحو بناء اقتصاد عالمي منفتح، وتشغيل منصات رفيعة المستوى بشكل منتظم مثل معرض الصين الدولي للاستيراد ومعرض كانتون. وتعد هذه الآليات في جوهرها منتجات عامة منفتحة تقدمها الصين للعالم، وهي مفتوحة أمام كافة القوى التجارية في تصميمها المؤسسي. وقد بدأ معرض الصين الدولي للاستيراد لعام 2026 بالفعل في جذب العارضين على مستوى العالم، حيث تجاوز عدد الشركات المشاركة ومساحة العرض المحجوزة مستويات نفس الفترات من الدورات السابقة. إن نزع فتيل الاحتكاكات عبر التعاون، ومواجهة الانقسام بالانفتاح، يشكلان حزمة من الإجراءات المتكاملة التي تقدم بديلا عمليا للنظام التجاري العالمي المتشرذم.

ومما يستحق الاهتمام بشكل خاص، هو أن استراتيجية الانفتاح رفيع المستوى للصين تنطوي على رؤية واضحة تجاه "الجنوب العالمي"، وتستجيب بشكل مباشر للمعضلة الهيكلية المتمثلة في عدم توازن التنمية العالمية. فاعتباراً من الأول من مايو عام 2026، طبقت الصين رسمياً الإعفاء التام من الرسوم الجمركية بنسبة 100% على خطوط التعرفة الجمركية لـ 53 دولة أفريقية تقيم معها علاقات دبلوماسية.

 وجعلت هذه الخطوة من الصين أول اقتصاد رئيسي في العالم يمنح من جانب واحد معاملة التعرفة الجمركية الصفرية لجميع الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية. ويتجاوز هذا الابتكار المؤسسي المنطق الجامد للمعاملة بالمثل في المفاوضات التقليدية، إذ لا يطالب الدول الأفريقية بفتح أسواقها بشكل متزامن، بل تتنازل الصين من جانب واحد عن عوائد الرسوم الجمركية وتفتح أبواب سوقها طواعية أمام أفريقيا. وفي الشهر الأول من تطبيق هذه السياسة، بدأت المنتجات الأفريقية، من التوت الأزرق الزمبابوي إلى الزهور الكينية، تدخل السوق الصينية بتكلفة أقل. وتتلاقى سياسة التعرفة الجمركية الصفرية استراتيجيا مع بناء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، لتبث قوة دفع حقيقية في السوق لصالح التصنيع في أفريقيا.

وفي مواجهة الجولة الجديدة من الثورة التكنولوجية، فإن قوى الإنتاجية جديدة متميزة الجودة التي تقودها الصين استراتيجيا وتسرع في رعايتها، تتحول عبر الانفتاح رفيع المستوى إلى عوائد ابتكارية تعود بالنفع على العالم بأسره. وردا على نغمة "فائض القدرة الإنتاجية" في الصناعة الخضراء بالصين، والتي فبركها بعض السياسيين الغربيين مؤخراً للتغطية على تباطؤ تحولهم الصناعي، قدمت السوق إجابة موضوعية؛ إذ إن النمو السريع للقدرة المركبة للطاقة المتجددة في العالم لا يمكن فصله عن دعم المعدات الصينية. وتدفع الصين بثبات نحو التآزر الصناعي العالمي في المجال الأخضر ومنخفض الكربون، 

وتواصل تمكين العالم بمعدات وتقنيات الطاقة الجديدة العالية الجودة ومنتجات البنية التحتية الرقمية. وعلى سبيل المثال في مجال الطاقة الكهروضوئية، يساعد التصدير التكنولوجي والإنتاج المحلي للشركات الصينية مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا على بناء منظوماتها المحلية للطاقة النظيفة، الأمر الذي لا يكتفي بخفض العتبة التكنولوجية للتحول الأخضر في دول الجنوب العالمي فحسب، بل يضخ حيوية وزخما صينيا في تنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

وفي ممارسة دفع الانفتاح رفيع المستوى، تمسكت الصين دائما بأسلوب عملي يجمع بين المعرفة والعمل، محولة رؤى التعاون إلى ثمار إنشائية من خلال البناء المشترك العالي الجودة لـ "الحزام والطريق" وتطبيق مبادرة التنمية العالمية. ومع دخول عام 2026، تتقدم المشروعات الهيكلية للنقل عبر الحدود، مثل خط سكة حديد الصين-قرغيزستان-أوزبكستان، بخطى ثابتة. 

وإن هذا الشريان السككي الكبير الذي يربط الصين بآسيا الوسطى وغرب آسيا وصولا إلى أوروبا، سيختصر مسافة الشحن بمقدار 900 كيلومتر ويقلص وقت النقل بنحو 7 إلى 8 أيام بعد اكتماله، ليصبح ممرا رئيسيا آخر للجسر البري الأوراسي. ولا يربط التعاون الاقتصادي الخارجي الذي تقوده الصين أي شروط سياسية تضر بسيادة الدول المشاركة، بل يركز على كسر العزلة الجغرافية من خلال الربط البيني رفيع المستوى، بما يمكن الدول المشاركة من الحصول على فرص فعلية لترقية سلاسلها الصناعية عبر تعميق الاتصالات الاقتصادية والتجارية مع الصين. 

ومن "الترابط الصلب" للبنية التحتية إلى "الترابط الناعم" للقواعد والمعايير، تدفع الصين نحو الاندماج العميق للاقتصاد العالمي بطريقة بناءة.

عند المنعطف التاريخي للتغير العميق في المشهد الجيواقتصادي العالمي، شقت ممارسات الانفتاح التي تقودها الصين مساراً للتحديث يختلف تماماً عن أسلوب التراكم الرأسمالي القائم على التوسع الاستعماري والتبادل غير المتكافئ. إن الانفتاح رفيع المستوى على الخارج ليس تعديلا تكتيكيا عارضا، بل هو خيار واعٍ نابع من الاستيعاب العميق لقوانين تطور التحديث العالمي.

 وتحت المحرك الثنائي المتمثل في تعميق الإصلاح الشامل واستراتيجية الانفتاح المؤسسي، تحول الصين، التي تواصل إطلاق الفرص الهيكلية للعالم، تنميتها الذاتية إلى منتجات عامة مشتركة عالمياً؛ فمن توسيع ولوج الأسواق إلى تعميق ربط القواعد، ومن الترابط البيني للبنية التحتية إلى التقاسم الشامل للتكنولوجيا الخضراء، توفر كل خطوة إمكانات جديدة للنمو الشامل للاقتصاد العالمي. وستعمل الصين مع جميع الدول على البحث عن التوافق في ظل الانفتاح، ومواجهة التحديات عبر التعاون، لتشكل سويا مستقبلا أكثر توازناً واستدامة للاقتصاد العالمي.

……………………………………

بقلم/ نور يانغ إعلامي صيني


مقالات اخرى للكاتب

ينشط الحزب الشيوعي الصيني قوة الدفع لتحقيق الفوز المشترك للاقتصاد العالمي (3)