16 - 07 - 2026

حول (المنهج العلمي .. أسلوب حياة)

حول (المنهج العلمي .. أسلوب حياة)

(ما زال الكاتب يؤكد تميّز موضوعاته وحسن اختياره للقضايا التي يطرحها، من خلال تناوله موضوعات جوهرية تمثل ركائز أساسية لتحقيق التقدم المنشود. وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذه القضايا في بناء الوعي المجتمعي بأسس النهضة، فإنها لا تزال غائبة عن كثير من الكتابات، على الرغم من أنها تمثل المدخل الحقيقي لبناء مجتمع قادر على التقدم والإبداع.

فالتقدم الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك الوسائل الحديثة، ولا حتى بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما يتحقق عندما يقود التفكيرَ منهجٌ علمي راسخ يوجه أسلوب التعامل مع معطيات الحضارة الحديثة. فالأدوات، مهما بلغت درجة تطورها، لا تصنع التقدم بذاتها، وإنما تتوقف قيمتها على العقل الذي يستخدمها، والمنهج الذي يحكم توظيفها في الوصول إلى المعرفة واتخاذ القرار.

وللأسف، فإن المنهج العلمي لا يمكن فرضه بقرار إداري، ولا ينشأ بمجرد إصدار اللوائح أو وضع آليات العمل، وإنما هو جزء أصيل من الثقافة المجتمعية، يتكون عبر التربية والممارسة والتراكم المعرفي، حتى يصبح أسلوبًا طبيعيًا في التفكير وتحليل المشكلات وإصدار الأحكام.

وقد عانى مجتمعنا، عبر عقود طويلة، من تراجع هذا المنهج، أو ما يُعرف بالمنهج العلمي التجريبي، القائم على صياغة الفرضيات واختبارها وفق قواعد علمية صارمة، تعتمد على التجارب الدقيقة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل مصادر الخطأ، واستخدام الأساليب الرياضية والإحصائية لتقدير هامش الخطأ وقياس درجة الثقة في النتائج. كما يقوم هذا المنهج على إخضاع جميع التفسيرات للاختبار، وعدم التسليم بفرضيات أو استنتاجات مسبقة لا تستند إلى دليل، بل ترك النتائج الموضوعية تقود إلى الاستنتاجات، وليس العكس.

وقد عرض المقال مثالًا عمليًا يجسد هذه المشكلة بوضوح؛ فعلى الرغم من توافر وسائل وأجهزة حديثة قادرة على تحديد مصدر تسرب المياه بدرجة عالية من الدقة، فإن الرأي الذي طُرح لتفسير المشكلة جرى تبنيه باعتباره حقيقة، دون تقديم دليل عملي يؤكد صحته، وفي المقابل جرى تجاهل نتائج القياسات التي أظهرتها تلك الأجهزة. وهذه الحالة لا تعكس قصورًا في التكنولوجيا أو نقصًا في الإمكانات، وإنما تكشف خللًا في طريقة التفكير ذاتها؛ إذ يصبح الرأي هو نقطة البداية، ثم يُبحث عما يؤيده، بدلًا من أن تكون الأدلة والقياسات هي التي تقود إلى الرأي الصحيح.

وقد أشار الدكتور زكي نجيب محمود إلى أن سيادة فكر التخلف خلال العصر المتأخر من دولة المماليك، ثم في العصر العثماني، أدت إلى خروج العلم من حياة المصريين، ولم يبقَ سوى قدر محدود من المنطق. وأصبح من كان يُطلق عليهم لقب "العلماء" في تلك الفترات هم في الغالب من يقومون بشرح مؤلفات السابقين والتعليق عليها، لا من يضيفون إليها معرفة جديدة أو يقدمون إسهامًا علميًا أصيلًا.

ولم يتغير هذا الواقع بصورة كاملة مع دخول العصر الحديث؛ إذ ظل كثير ممن يُطلق عليهم علماء يمارسون دور الناقل والشارح للمعرفة أكثر من دور الباحث المبدع والمجدد. ولذلك فإن تبني المنهج العلمي الصارم يمثل الطريق الحقيقي للانتقال من ثقافة النقل والتلقين إلى ثقافة البحث والإبداع، ومن افتراض النتائج مسبقًا ثم السعي إلى تبريرها، إلى البحث الحر الذي يقود إلى النتائج بعقل منفتح، حتى وإن جاءت مخالفة لما نعتقده أو نتوقعه.

إن ترسيخ هذا المنهج يحتاج إلى إلحاح مستمر من الكُتّاب والمفكرين أصحاب الرؤية الواسعة والعقول المنفتحة، ممن يتمتعون بالمصداقية لدى الرأي العام. ومن هنا تتجلى أهمية ما يقدمه كاتبنا العزيز، وأمثاله من المجتهدين، في ترسيخ ثقافة التفكير العلمي، وإعادة الاعتبار للمنهج التجريبي في معالجة القضايا العامة، وبناء وعي مجتمعي يقوم على الدليل والبرهان والنقد الموضوعي، باعتبار ذلك الطريق الأكيد إلى نهضة حقيقية ومستدامة.) تعقيب الأستاذ الدكتور حافظ السلماوي على مقال (المنهج العلمي .. أسلوب حياة)، المنشور في هذه الزاوية. 

كعادة أستاذنا الدكتور يطرح تعقيبًا ثريًا يؤصل الفكرة ويمنح المقال أبعادًا جديدة.
-------------------------------
بقلم: د. م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

حول (المنهج العلمي .. أسلوب حياة)