- تسريبات الدوحة ومقترح مسقط يفجران حرب السيادة البحرية بين طهران وواشنطن
أفادت تسريبات حصلت عليها "المشهد" من مصادر قريبة من "محور المقاومة" ومفاوضات الدوحة، بأن سبب تصاعد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران منذ السابع من يوليو وحتى الساعات الأولى لصباح الأحد 12 يوليو 2026، يعود إلى رفض طهران مقترحاً أمريكياً عبر قطر، يقضي بالإفراج عن نصف الأموال الإيرانية المجمدة (أي نحو 50 مليار دولار) دون إعلان رسمي، مقابل إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز لطبيعتها كما كانت قبل بدء الحرب في 28 فبراير 2026، وهو ما رفضته طهران التي ترى أن الأموال المجمدة هي أموالها وليست منحة أمريكية، ومضيق هرمز شأن سيادي يخص إيران وسلطنة عُمان.
وأوضحت المصادر أن العرض الخاص بإطلاق سراح نصف الأموال المجمدة جاء بعد رفض إيران عرضاً عبر سلطنة عُمان، وهو ما كشفت عنه صحيفة "وول ستريت جورنال" في الثاني من يوليو 2026، يقضي بالإفراج عن جزء من الأموال المجمدة وليس المبلغ كاملاً دفعة واحدة، عبر آلية تدريجية تقضي بالإفراج عن 6 مليارات دولار محتجزة في قطر، مع إمكانية الإفراج عن أجزاء أخرى تباعاً ضمن "مذكرة التفاهم" إذا التزمت إيران بالاتفاق. مع تأكيد المسؤولين الأمريكيين أن الحصول على الجزء الأكبر منه لن يتم إلا بعد التوصل إلى اتفاق نووي نهائي وشامل، وليس بمجرد التخلي عن رسوم مضيق هرمز، وفتحه بشكل طبيعي، لكن طهران ـ وفقا لـ "وول ستريت جورنال"ـ رفضت وتمسكت بفرض الرسوم، حيث أن العوائد السنوية المحتملة للمضيق قد تصل لـ 40 مليار دولار سنوياً، وذلك أضمن وأكبر بكثير من المبالغ الجزئية التي تعرض واشنطن الإفراج عنها.

ومن الأسباب التي أدت لاندلاع الجولات العسكرية ـ كما تطلق عليها الإدارة الأمريكية ـ هو الإصرار الأمريكي على المشاركة في إدارة المضيق وتقاسم العوائد والرسوم، إذ تعرض واشنطن تشكيل لجنة ملاحة مشتركة تضم أمريكا وإيران وسلطنة عُمان، وفرض رسوم تحت مسمى "رسوم خدمات وأمن" على أن تذهب حصة إيران لصندوق أو جهة مشتركة، لضمان عدم استخدام إيران لهذه الأموال في تمويل أنشطتها العسكرية، أو الالتفاف الكامل على العقوبات. وهو ما رفضته إيران أيضاً.
ويعود الرفض الإيراني للمقترحات الأمريكية، ليس بسبب الأموال، وإنما لاعتبار الطرح خطاً أحمر وتهديداً مباشراً لسيادتها، لأن الجانب الأكبر من ممرات الملاحة العميقة والصالحة لعبور الناقلات الضخمة يقع داخل مياهها الإقليمية. وبناءً عليه، فإن أي "إشراف مشترك" بمشاركة أمريكية أو دولية يُعد احتلالاً مقنعاً ومساساً بسيادتها وسيادة عُمان. فضلاً عن تمسك إيران بأن أمن الخليج والمضيق يجب أن يُدار فقط عبر الدول المطلة عليه (إيران وعُمان ودول الخليج)، وترفض قطعياً دخول الولايات المتحدة كطرف أصيل في معادلة الإدارة أو توزيع العوائد، معتبرة الوجود الأمريكي "قوة خارجية غير شرعية"، إلى جانب أزمة الثقة الإيرانية حيث تخشى طهران أن تقوم الإدارة الأمريكية الحالية بإعادة تجميد النصف المتبقي أو فرض عقوبات جديدة تحت أي ذريعة أخرى بمجرد الاطمئنان لاستقرار الملاحة في المضيق.
الانغلاق في المواقف هو ما فجّر الأوضاع عسكرياً؛ فعندما حاولت إيران فرض الأمر الواقع من خلال إنشاء "هيئة مضيق هرمز" والسماح بالمرور في المسار الذي حددته، وتحصيل الرسوم بعد مهلة الستين يوماً، تنفيذاً للبند الخامس من مذكرة التفاهم، ردت واشنطن بالخيار العسكري تحت مسمى "حماية حرية الملاحة العالمية"، مما أدى إلى الضربات المتبادلة والاشتباكات البحرية، والتي تخرق "هدنة الـ 60 يوماً" الموقعة في 17 يونيو 2026، خاصةً وأن أمريكا تريد صيغة تضمن ألا يتحول مضيق هرمز إلى "محطة جباية وسيادة إيرانية خالصة"، وإيران ترى في هذه الصيغة محاولة أمريكية لسرقة تفوقها الجغرافي وانتزاع سيادتها على الممر.
التسريبات حول عرض "نصف المبلغ سراً" يعكس حجم المأزق الأمريكي والرغبة الجادة في إنهاء الحصار البحري وفتح المضيق، خاصة وأن إدارة ترامب تواجه ضغوطاً سياسية داخلية عنيفة من الكونجرس والمعارضة ضد تقديم أي "تنازلات مادية" لإيران. لذلك، يقترح تمرير مبالغ ضخمة عبر الوسيطين القطري والعُماني كصندوق لإعادة الإعمار، أو تسهيلات ائتمانية إنسانية وتجارية بعيداً عن الإعلام لتجنب الضجيج السياسي، ومن هنا، يمكن فهم المحاولات الحثيثة لإدارة ترامب لتقديم إغراءات مالية سرية لإيران، التي ترى في مضيق هرمز مكسباً جيوسياسي واقتصادياً دائماً لا يمكن مقايضته بصفقة أموال مجمدة، حتى لو بلغت مليارات الدولارات.
تصريحات ترامب لـ "سي إن إن"، يوم الأحد (12 يوليو 2026) عقب الجولة العسكرية الثالثة لمح لوجود صفقة أو اتفاق بقوله: "كان لدينا اتفاق مع الإيرانيين أمس وتنازلوا عن كل شيء، ثم فجأة بعد ساعتين ضربوا سفينة بمسيرة"، وذلك يؤكد صدق التسريبات بشأن رفع الحظر الفوري "سراً" عن نصف الأصول المجمدة مقابل فتح إيران للمضيق بالكامل وحرية الملاحة، وهو ما رد عليه نائب وزير الخارجية الإيراني وكبير المفاوضين الفنيين كاظم غريب آبادي، بقوله: "مضيق هرمز يخضع للقيادة والسيطرة الإيرانية وليس القيادة الأمريكية"، مؤكداً أن بلاده لن تتخلى عن ترتيباتها الخاصة بالمضيق مقابل هذا التفاهم. كما أكد المتحدث باسم الجيش الإيراني أن التدخلات الأمريكية لخلق ممر غير قانوني في مضيق هرمز تسببت في عدم الاستقرار.

الخلاصة أننا أمام صراع رؤيتين الأولى أمريكية الراغبة في الإدارة المشتركة أو التدويل المقنع، وتقاسم الرسوم.. والرؤية الثانية إيرانية التي ترفض الشراكة وترى أن السيادة مطلقة لها ولسلطنة عُمان. وهو ما انعكس على الجولات العسكرية كما يطلق عليها الجيش الأمريكي هروباً من التزامات الكونجرس، لتجنب إعلان حالة الحرب الرسمية التي تتطلب تفويضاً من المشرعين الأمريكيين، لذلك تعتبرها رد فعل عسكري مؤقت على ما تصفه باعتداء إيران على أمن الملاحة وحريتها في مضيق هرمز.
اللافت للنظر في هذا الصراع الإقليمي المعقد، أن "المقدمات الدبلوماسية" التي فجّرت الأوضاع عسكرياً كانت واضحة في كواليس الصحافة الدولية منذ أواخر يونيو الماضي، رغم أنها لم تحظَ حينها بالزخم الإعلامي والمتابعة الكافية؛ ففي 26 يونيو 2026، كشفت وكالة "بلومبرج" عن أن سلطنة عُمان أبلغت حلفاءها الأوروبيين رسمياً بمسار الرسوم المستقبلية، ونقلت الوكالة عن مسؤولين خليجيين قولهم "إن بعض القوى الأوروبية الرائدة تقبل بدفع رسوم مرور لإيران وعُمان". وتبعتها صحيفة "نيويورك تايمز" في 30 يونيو بنشر تفاصيل مقترح عُماني مكتوب قُدم لواشنطن يستند إلى نموذج مضيقي ملقا وسنغافورة.
بيد أن الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في 7 يوليو لم تكن بسبب بدء تحصيل الرسوم ـ التي منحت طهران مهلة 60 يوماً لتفعيلها تنفيذاً للبند الخامس ـ بل تفجرت الأزمة نتيجة صراع نفوذ مبكر وعاجل لفرض خرائط العبور؛ حيث تحركت واشنطن عسكرياً لفرض "ممر الوسط" في المضيق لتكريس هيمنتها وكسر القرار الإيراني، في حين ردت طهران بالقوة لفرض "الممر الشمالي" الخاضع تماماً لسيادتها الإقليمية ولترتيبات هيئتها الجديدة، ليتحول مضيق هرمز في الساعات الماضية من ممر مائي دولي إلى ساحة حرب لترسيم حدود السيادة والنفوذ البحري في المنطقة.
-----------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع





