حين قرأتُ الإعلانَ في الفيسبوك قررت الاشتراك في هذه الرحلة دون تفكير أو تردد، حيث أعلنت الساحة الأحمدية في طنطا عن قيام الرحلة الشاذلية الثالثة، لزيارة أبي الحسن الشاذلي وأسوان والأقصر، رحلة إيمانية ترفيهية ثقافية، في الرابع من يوليو، وحتى التاسع منه.
وصلتُ المسجد الأحمدي في طنطا، وقرأتُ الفاتحة لصاحب المقام وسورة الإخلاص إحدى عشرة مرة، ودعوتُ الله بكل خير وجميل وحق، ثم صليتُ العشاء، واتجهت إلى الساحة فالتقيت بالدكتور محمد إبراهيم العشماوي، منظم الرحلة وقائدها، ثم ركبنا الباص الكبير من طنطا إلى حميثرا، وصلت الرحلة إلى استراحة في الطريق على البحر الأحمر بجوار جبل الزيت، صلينا الصبح وقرأنا الوظيفة الزروقية، وقد شرح لنا الدكتور العشماوي بعضها، ثم تناولنا الفطور، ومضينا إلى مدينة القصير، حيث تناولنا الفطور في تمام الحادية عشرة صباحاً، أسماك بحرية وحفاوة وكرم، بدأنا نشعر بحرارة مرتفعة ، ثم واصلنا الطريق إلى مرسى علم، ومن هناك اتجهنا إلى وادي عيذاب في قلب الصحراء الشرقية، لم نعد نرى إلا الجبال الشاهقة، جبال تتلوها جبال، وتحيط بها جبال وتسبقها جبال.
بعد أكثر من ساعتين في عمق الصحراء وصل الباص إلى حميثرا، منطقة جبلية لم تختلف في شيء عما حولها، سوى أن بها مجموعة من الساحات المخصصة للنزلاء بالمجان، الذين يزورون سيدي أبي الحسن الشاذلي، وعدد من البيوت لا يتجاوز العشرة بيوت، الناس هناك لها وجوه لفحتها الصحراء.
أدخلنا الدكتور العشماوي ساحة عقيل مظهر، تناولنا الغداء، ولما اقترب النهار على النهاية صعدنا جبل حميثرا، كان الصعود سهلاً إلا أنه مرهق بسبب ارتفاع الجبل، من فوق الجبل رأينا المسجد والضريح وبقية الساحات الموجودة، والمشهد من قمة الجبل يشبه نظرة الطائر، شرح لنا الدكتور كيف مات ولي الله سيدي أبو الحسن الشاذلي، حيث أمر خادمه أن يحمل معه مقطفاً وفأساً وجاروفاً، ولما سأله الخادم: لماذا؟
قال له: في حميثرا سوف ترى.
وكانوا في رحلة حج، وقد دعا الله أن يقبضه في أرض لم يعصه فيها بشرٌ قط، فكان لابد أن يموت في أرض لم يسكنها إنسان، فحيثما حلَّ الإنسان حلت المعاصي والذنوب والخطايا.
دخلنا المسجد صلينا المغرب والعشاء، ثم قرأنا حزب البحر لسيدي أبي الحسن الشاذلي، وهو حزب يجمع أغلب الأدعية الشرعية ولها سرٌ عظيمٌ.
كانت ليلة مضنية من أثر السفر وحرارة الجو وهجران النوم للأفئدة والجفون.
في صباح اليوم التالي صلينا الفجر، وانتظرنا حتى تناولنا الفطور، واتجهنا إلى أسوان، بعد ساعتين ونصف الساعة وصلنا مطعماً عتيقاً للمشويات، تناولنا الغداء الفاخر، ثم أخذنا المركب الكبير إلى غرب سهيل، رأينا النيل في بداياته، ثم تناولنا مشروبات باردة وساخنة، وعقد الدكتور جلسة علمية عن نهر النيل، تحدث فيها الكثيرون من المشاركين في الرحلة.
عدنا للباص، وسافرنا إلى قرية كِلح المفالسة، حيث ساحة الإمام علي رضي الله عنه، في إدفو، وتناولنا العَشاء، وصلينا العِشاء، وعرف كلٌ منا غرفته، ثم عقد مولانا العشماوي جلسةً على ضفاف النيل، للدرس والابتهالات والأحاديث الروحية العميقة.
في الصباح تناولنا الفطور، ثم اتجهنا إلى الساحة الرضوانية أكبر ساحات الصعيد، أسسها العارف بالله أحمد محمد الرضوان، اُفتتحت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وتمَّ توسعتها وتجديدها في عهد الرئيس محمد حسني مبارك، افتتح التوسعة اللواء سمير فرج رئيس المجلس الأعلى لمدينة الأقصر، قبل أن تصبح محافظة مستقلة عن محافظة قنا.
تناولنا العشاء وصلينا العشاء، وسكن كل أربعة منا في غرفة رباعية مزودة بحمام خاص ومروحة سقف وتكييف.
في الصباح تناولنا الفطور، ثم زرنا العارف بالله حماد الجبَّال، هذا الرجل المعجزة، حين رأيته ارتاحت عيني لمرآة وسكن قلبي من أوجاعه وهمومه.
ثم تناولنا الغداء في الساحة الرضوانية، غادرنا الساحة قرب المغرب إلى ساحة المرتضى، في طريقنا نزلنا لقراءة الفاتحة لسيدي عبد العظيم العطواني خير من أنشد بردة البوصيري في مدح الرسول واستمداده القوة في مواجهة خطوب عصره وغيره من العصور.
حين وصلنا ساحة المرتضى في كفر الزناقطة بالأقصر، كانت هناك جموع غفيرة تنتظر فضيلة الدكتور العشماوي ورفاقه، استقبلنا الحاج أحمد المرتضى بصدر رحب ووجه بشوش وكرم غمرنا به، ثم نفحنا نفحة ربانية وطلب منا عدم تصويرها، وكأن القدر أراد ختم هذه الرحلة الروحية بهذا العطاء العظيم، الذي لن أفصح عنه نزولاً على رغبة الحاج أحمد المرتضى، ثم دخلنا ساحته الكبرى التي وجدنا فيها قرابة ألف رجل وامرأة ينتظرون حديث الشيخ الدكتور العشماوي الذي يحبونه وينتظرونه بشوق عميق.
خطب فيهم عن التصوف ومدح تضامنهم وتكاتفهم في وجه الخطوب، ثم بعد اللقاء الجماهيري تناولنا عشاء فاخراً، كان أفخر ما رأيت في الرحلة، ثم شرح لنا نشاطه الاجتماعي والمجتمعي، وتعليم قرابة ألف طفل القرآن الكريم، وتعليم القراءة والكتابة والكمبيوتر وغيرها لأبناء كفر الزناقطة.
ثم ودعناه وكأننا نترك جزءاً من روحنا عنده، ورحلنا إلى قنا، حيث سيدي عبد الرحيم القناوي، كنا بعد منتصف الليل، استقبلنا شيخ المسجد بوجه باش وفرحة غامرة.
بعد قراءة الفاتحة والإخلاص والدعاء، غادرنا قنا إلى بلبيس حيث ضريح الدكتور عبد الحليم محمود، كانت الزيارة نفحة روحية أيقظت داخلنا معانٍ جديدة، ثم تناولنا الغداء هناك، غداء فاخر أقامه لنا ابن أخت الإمام عبد الحليم محمود، ثم غادرنا بلبيس إلى طنطا، حيث سيدي شيخ العرب أحمد البدوي، ومنه ثم إليه كانت الرحلة الرائعة التي استغرقت أربعة أيام بلياليها، تعرفنا فيها على معنى العمق، ولماذا يطرح العارفون الحياة والحضارة إلى الصحراء، حيث ينشدون الراحة والهدوء والسكينة، والوصل بأصل الكون كله.
قد علم خادم الإمام أبي الحسن الشاذلي ما يرمي إليه سيده، وقد استجاب الله له قبضه في أرض لم يعصه فيها بشر، وقد صارت تلك البقعة مقصداً للراحة الروحية، وملهاة عن الصخب والضجيج، وكلما بعدت المسافة كانت الرحلة أمتع وأروع إذ تصحبها مغامرة جديدة، وهي الخوض في الساحل الغربي للبحر الأحمر، وخوض في عمق الصحراء.
وقد علمت أنا أيضاً أن زيارة الأولياء تبدأ من الصحراء.
-----------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش






