12 - 07 - 2026

خطاب مفتوح إلى رئيس الوزراء: غول المرض.. ومهانة الموت في بلاط "صاحبة الجلالة"!!

خطاب مفتوح إلى رئيس الوزراء: غول المرض.. ومهانة الموت في بلاط

- لا تدعوا بيوت الصحفيين وبناة وعي هذا الوطن تخربها يد المرض، ويقتلها ذل الحاجة والإهمال.
- هل تشغلك تكلفة العلاج؟ أو تبيت ليلتك قلقاً ينهشك الخوف بشأن أين ستعالج؟
- العجز الحقيقي في بلاط صاحبة الجلالة أن تفتش في جيوبك فلا تجد مالاً لمواجهة المرض
- هل يحمل أي وزير في وزارتكم الموقرة عبء وطأة مواجهة المرض؟ وهل يحمل رئيس هيئة في هيئاتكم الممتدة  عبء تدبير تكلفة عملية جراحية طارئة

دولة رئيس مجلس الوزراء/ الدكتور مصطفى مدبولي

صبحكم الله أو مساكم بالخير (وفقا لوقت قراءة هذا الخطاب)

سيادة رئيس الوزراء .."الموت ليس مؤلماً، لكن مهانة الموت وعجز الإنسان أمام جسده هي الألم الحقيقي."

هكذا صرخ الفيلسوف الروماني سينيكا منذ سنوات طويلة ، ولم يكن يدرى ان مستقر صرخته  سيكون في بلاط صاحبة الجلالة ..اليوم

دولة رئيس مجلس الوزراء

أعلم تماماً، ويعلم الكثيرون معي، ما تتمتعون به من دمث الخلق، وهدوء الملامح، والقدرة على الاستماع؛ وهي صفات محمودة في عالم السياسة المضطرب.. ولكنني اليوم، يا سيادة رئيس الوزراء، أستأذنكم في أن ننحي هذه الكلمات الدبلوماسية والمجاملات البروتوكولية جانباً.. 

اعذرني إن وقفت أمامكم اليوم مجرداً من مساحيق النفاق، لأتوجه إليكم بسؤال مباشر، حاد، وصادم، سؤال يلوح كالسيف المسلط فوق عنق كل بيت مصري علي وجه العموم ، وجماعة الصحفيين علي وجه الخصوص:

السؤال : 

"هل تحمل سيادتك هماً - ولو للحظة واحدة - إن أصبت بمرض غادر، أو اضطررت على عجل لإجراء عملية جراحية عاجلة؟ هل تشغلك تكلفة العلاج؟، أو تبيت ليلتك قلقاً ينهشك الخوف بشأن أين ستعالج؟ ومن أين ستدبر ثمن الدواء؟ وكيف ستعبر عائلتك نفق هذه المحنة المالي قبل الطبي؟"

سيادة رئيس الوزراء..

ربنا يعطيك الصحة والعافية وربنا ما يجعل أحداً يمرض،وأتمنى من كل قلبي وافر الصحة والعافية للجميع، وفي مقدمتهم حارس سيادتك الشخصي الذي يرافق ركابكم.. 

لكن الواقع المرير، والشرس، والمليء بالدموع، يقول إن الهم الأول والأوحد لكل مواطن في مصر الآن، بعد لقمة العيش التي ركض وراءها الجميع حتى تقطعت أنفاسهم، هو "تكلفة العلاج والدواء".. 

إن العجز الحقيقي - يا دولة رئيس الوزراء - في بلاط صاحبة الجلالة ليس عجز الجسد وشيخوخته فحسب، بل هو أن تفتش في جيوبك فلا تجد مالاً لمواجهة هذا المرض الفتاك ان هاجمك علي حين غرة ، أو بتحد في عز الشباب أو في شيخوختك  ويعجز زملائك عن فعل شئ لك، 

العجز الحقيقي يا سيادة رئيس الوزراء ألا تجد ملاذاً مالياً تشتري به بقاءك ولو مسنودا علي عكاز نهاية العمر، أو تدفع به علل الصحة التي أفنيتها طوال عمرك في التعبير عن هموم الآخرين والدفاع عنهم! 

نعم، أفنينا صحتنا وأعمارنا نناضل من أجل المصلحة العامة، نكتب عن حقوق البسطاء والمطحونين، ولم نكن ندرك اننا سنكون مثلهم يوما ما مع فارق بسيط انهم وجدوا من يدافع ويعبر عنهم ، اما نحن فلا نجد !!

ذهول

سيادة رئيس الوزراء ..الآن حين يسقط الصحفي منا مريضاً، يلتفت حوله في ذهول فلا يجد من يقف بجواره، ليواجه مصيره وحيداً وعارياً أمام غول العوز والمرض.

وكم يصدق علينا هنا الفيلسوف الألماني نيتشه حين قال: "من يحارب التنانين عليه أن يحذر من أن يصبح هو نفسه تنيناً.. وإذا أطلت النظر في الهاوية، فإن الهاوية أيضاً تطل فيك". وها نحن قد أطلت الهاوية فينا، وتركنا الوجع أمام مصير مجهول.

معاش بـ 3 آلاف جنيه.. هل هذا هو ثمن الفداء؟

سيادة رئيس الوزراء

أنا أتحدث اليوم بالنيابة عن "الصحفيين"؛ أولئك الذين يحملون هم الوطن على أكتافهم، بينما تنهار أكتافهم الآن  تحت وطأة العوز والوجع الرهيب. 

•هل تعلم يا سيادة رئيس الوزراء أن مرتبات غالبية الصحفيين في مصر الآن لا تتجاوز الحد الأدنى للأجور؟ وتلك خطيئة وطنية ومهنية كبرى سنفرد لها خطابا قادماً، لكنني أشير إليها الآن عابراً لأؤكد لسيادتكم بلغة الأرقام الصماء أنهم لا يملكون مدخرات، ولا أموالاً تعينهم على مواجهة علل ودواء الجسد . 

سيادة رئيس الوزراء..يحضرني هنا بيت الشعر الشهير لأبي العلاء المعري يلخص مرارة تبدل الحال والعجز:

أَلا لِلمَوتِ تَربِيَةُ البَنينِ .. وَلِلهَدمِ الخَرابُ مَعَ البُنونِ

نَسيرُ إِلى البُلوى عَلى جَهالةٍ .. وَنَأكُلُ لِلرَدى شَحْمَ البُطونِ

سيادة رئيس الوزراء...

بعيدا عن الشعر الذي قد لا يجد له مكانا في خضم مشغولياتك.. دعني أكرر سؤالي بمرارة أشد، وبصوت يملؤه القهر: هل يحمل أي وزير في وزارتكم الموقرة عبء وطأة مواجهة المرض؟ هل يحمل رئيس هيئة في هيئاتكم الممتدة  عبء تدبير تكلفة عملية جراحية طارئة ، أو ثمن الدواء الذي اصبح الناس يشترون البرشام بالشريط والكثير لا يجد ثمن "الحبة " الواحدة ؟

الإجابة التي تعرفها ويعرفها الشارع قطعاً: لا! 

فهم محاطون برعاية تليق بمناصبهم، ومستشفيات مفتوحة الأبواب تصون كرامتهم حتى الرمق الأخير.. وهذا حقهم لكن هو حق اي مواطن ايضا .. ياه نسيت همنا ورحت كعهدنا كصحفيين ندافع عن الناس وننس أنفسنا 

• يا دولة رئيس الوزراء.. في مصر اليوم، لم يعد أحد يملك تكلفة العلاج الفادحة، والطامة الكبرى تقع على رأس الطبقة المتوسطة – أو ما كان يُطلق عليها متوسطة قبل أن تُسحق تماماً وتلتحق بطوابير الفقراء– فهؤلاء لا يجدون ثمن الدواء، ولا يملكون في الوقت ذاته ثقافة الشحاذة، ولا يملكون رفاهية الصمت.

سيادة رئيس الوزراء

الصحفيون، وتحديداً أولئك الشيوخ الأجلاء ممن بلغوا سن المعاش، يعيشون فصولاً من مأساة إنسانية سوداء.. فهل يقبل ضميركم، يا دولة رئيس الوزراء، أن يخرج كاتب صحفي كبير، أفنى اربعين عاماً من عمره في بلاط "صاحبة الجلالة"، ليتقاضى في النهاية معاشاً هزيلاً لا يتجاوز 3000 أو 4000 جنيه؟! كيف يواجه بهذا المبلغ المضحك المبكي فواتير المستشفيات وأسعار الروشتات الطبية الكارثية؟ 

من مستشفيات "الخمس نجوم" إلى رصيف وزارة الصحة

لقد تجرعنا، نحن الصحفيين، كؤوس المهانة التي ما تخيلنا يوماً أن نذوقها.. فبعد أن كنا نُعالج في أفضل مستشفيات الدولة مثل الوزراء أو أفضل ، سواء على حساب مؤسساتنا الصحفية القومية الكبرى, أو على نفقة الدولة ، فلم يكن يشعر أي منا بعبء، أو بإحساس خانق أنه إذا سقط مريضاً في الميدان فلن يجد سريراً يحتويه.. كنا نعامل بما يليق بكرامة الكلمة.. وحاملها.  

أما الآن، فقد أصبحنا كمن أُلقي بهم في العراء بلا غطاء ولا جدار!

• المأساة يا سيادة رئيس الوزراء لم تعد قاصرة على الشيوخ أو من غادروا الخدمة، بل امتدت لتلتهم بعنف الصحفيين الموجودين في الخدمة حالياً داخل الصحف القومية! 

لقد تحولت أماكن علاجهم فجأة إلى مستشفيات وزارة الصحة أو مستشفيات المؤسسة العلاجية ، بمستوى متدنٍ للغاية من الرعاية والعناية والإهمال...

• يا سيادة رئيس الوزراء..

بعد أن كنا نُعالج في مستشفيات "الخمس نجوم" كحق أصيل يكفله لنا جهدنا وعرقنا وأرباح مؤسساتنا، أصبحنا الآن لا نجد مكاناً حتى على "الرصيف" أمام أي مستشفى تابع لوزارة الصحة! وكما قال الشاعر الحزينابي الطيب  المتنبي وهو يصف التخلي والألم الكامن في النفوس:

وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ أَن يَرى .. عَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ

إِذا رَأيتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةً .. فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ يَبتَسِمُ

يا سيادة رئيس الوزراء.. إنها نيوب المرض والفقر تبرز في وجوهنا اليوم، وليست ابتسامة دهر.

 كيف يعمل الصحفي؟ كيف يبدع؟ كيف يمسك بقلمه ليدافع عن هموم وطنه وأهله ومواطنيه، وهو لا يأمن على نفسه إن تعرض لحادث مفاجئ أو داهمه مرض، أنه سيجد مستشفى يحترم آدميته؟ 

وإذا كان رب العائلة لا يجد علاجاً يا سيادة رئيس الوزراء ، فما بالك بأسرته؟ يطل علينا  من بعيدقول الفيلسوف الإغريقي أرسطو: "العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه"، فأين حق من وهبوا حياتهم لصياغة وعي هذا المجتمع والدفاع عن هموم الوطن وأهله ونسوا أنفسهم ؟

رصاصة الرحمة.. هل تحول الصحفيون إلى "خيل الحكومة"؟

إن ملف الدواء والعلاج في المؤسسات الصحفية القومية أصبح معضلة كبرى تصيبنا بالذهول والحسرة والألم.. في الماضي القريب، كانت هذه المؤسسات العريقة تصرف العلاج لجميع العاملين بها من صحفيين وإداريين وعمال من فائض عرقهم، ثم تطور الأمر - عرفاناً بالجميل ووفاءً إنسانياً - لتصرف الأدوية أيضاً لمن يخرج على المعاش.. كانت لفتة وفاء ممن استمر في العمل تجاه من أفنى عمره وصحته في هذه المكاتب والمطابع.

وفجأة أصبح لايجد العلاج من داخل المؤسسات وخارجها!!

إن أشد أنواع الظلم يا سيادة رئيس الوزراء، هو ذلك الذي يأتي متدثراً بعباءة القانون أو الصمت الإداري." 

أما الآن، فقد اختفى كل الماضي فجأة وبدم بارد، ولحق الجميع بقطار "السبنسا"..

• وآسف يا سيادة رئيس الوزراء، فالحقيقة المرة أنه لم يعد هناك حتى "سبنسا" نركبها! ، لقد أوجدنا أنفسنا علي رصيف العمر والشخوخة وقطار حكومتكم يسير بسرعة جنونية عن احلام وهموم واحتياجات الناس والصحفيين من بينهم . 

• هل يعقل يا سيادة رئيس الوزراء أن يُعامل صناع الوعي وبناة العقول في هذا البلد كـ "خيل الحكومة"؟ يخدمون بهمة ونشاط في شبابهم، وحين يتقدم بهم العمر أو تكل حوافرهم، يوضعون في حظيرة الإهمال بانتظار رصاصة الرحمة؟ هل هذا هو المقابل العادل لستة وثلاثين أو أربعين عاماً من العطاء؟ أن يترك الكاتب وحيداً في مواجهة علل الصحة مجرداً من كل غطاء طبي؟ 

هل فعلا يا سيادة رئيس الوزراء ليس للصحفي في حكومتكم نصيرا 

صرخة أخيرة من قاع الألم

• يا سيادة رئيس الوزراء

أطالبكم، وبعيدا عمن يزيفون واقع الصحفيون بعمد أو بغير عمد، بفتح هذا "الملف العاجل والخطير" فوراً وبنفسكم؛ فقد وقع العديد من الزملاء الصحفيين الأجلاء في براثن المرض العضال، وتجرعوا مهانة الاستجداء والبحث عن واسطة للحصول على سرير رعاية مركزة، حتى لفظ بعضهم أنفاسه الأخيرة في مشاهد مأساوية يندى لها الجبين، في مواقف مهينة لا تليق بالدولة المصرية العريقة من جهة، ولا تليق بكرامة وتاريخ صاحبة الجلالة من جهة ثانية.

•يا سيادة رئيس الوزراء

إذا كانت نقابة الصحفيين – مشكورة - تحاول عبر مشروع علاجها أن تسد الثغرات، فإن هذا المشروع يقف اليوم قاصراً وعاجزاً أمام قفزات الأسعار الخيالية للدواء والمستشفيات.. ولم يعد بمقدور النقابة ولا بمقدور أي زميل المواجهة.. ونعود هنا للمربع الأول، لحكمة سينيكا المتصدرة للخطاب: الموت نفسه لا يؤلم، إنما المهانة والوقوف على أبواب المستشفيات مستجدين ثمن الرعاية هو الوجع الذي يفوق طاقة البشر.

• يا سيادة رئيس الوزراء

إن كرامة الصحفي من كرامة الوطن، ومرض الصحفي وعجزه وموته على رصيف الإهمال دون رعاية هو وصمة عار في جبين العدالة الاجتماعية التي تنادون بها.. نحن لا نطلب امتيازاً طبقياً، بل نطلب حقاً دستورياً وإنسانياً أصيلاً في حياة كريمة، وحقاً في موت رحيم غير مهين.

• يا سيادة رئيس الوزراء

 هل تجد صرختنا المكتوبة بدموع القهر والألم صدى حقيقياً لدى سيادتكم يتُرجم إلى قرارات عاجلة، أم سيبقى ملف علاج الصحفيين معلقاً في أدراج البيروقراطية حتى ننعى زميلاً آخر مات عاجزاً على رصيف أحد المستشفيات؟

• سيادة رئيس الوزراء.. "يجعله عامر" دائماً بوجودكم ، ولكن رجاءً، لا تدعوا بيوت الصحفيين وبناة وعي هذا الوطن تخربها يد المرض، ويقتلها ذل الحاجة والإهمال.

في انتظار ردكم.. وتحرككم الفوري الذي ينقذ ما تبقى من كرامة الوعي.. وتليفوني موجود لو اردت معرفة ما لا أريد ان أبوح به.
--------------------------
بقلم: يسري السيد
[email protected]
من المشهد الأسبوعية


مقالات اخرى للكاتب

خطاب مفتوح إلى رئيس الوزراء: غول المرض.. ومهانة الموت في بلاط