في قرية تلة القبلية بالمنيا، عاد الشيطان يرتدي ثوب الطائفية مرة أخرى. بدأت تراجيديا الأحداث كمشادة كلامية بسيطة أمام منزل أمين شرطة، تحول سريعا إلى اعتداء جماعي على أقباط القرية. و سيارة الكاهن بافلوس كمال تم تحطيمها، و منازل المسيحيين رُشقت بالحجارة، والمصلون حُوصروا داخل الكنيسة، وقُطع عنهم التيار الكهربائي في محاولة بائسة لإسكات صوتهم وإخفاء الجريمة.
حاتم – أمين الشرطة – لم يكن مجرد شاهد، بل طرف محتمل في سكب النار. فبدلاً من أن يكون حاميًا للقانون، أصبح ضالعا في الفتنة، ومعه أقاربه، و هنا يأتي دور مجموعة من المناصرين له الذين تحولوا إلى عصابة اعتدت على مواطنين مصريين لمجرد أنهم أقباط، هذا ليس حادثًا عابرًا، بل نموذج متكرر في الصعيد، نزاع تافه يتحول إلى عدوان طائفي منظم، مع مشاركة نساء في رشق الحجارة، وقطع الكهرباء لتسهيل الجريمة، و كل هذا يحدث رغم الإبلاغات السابقة الموثقة بالصور والفيديوهات التي قدمها الأنبا مكاريوس مرارًا وتكرارًا.
هل آن الأوان أن يتوقف بعض رجال الشرطة وبعض المتطرفين عن الاعتقاد أنهم فوق القانون لمجرد أنهم ينتمون للأغلبية، و هل في ظل الجمهوريه الجديدة توجب أن يدفع الأقباط ثمن التعصب والجهل في قرارهم، وفي توقيت حرج يدق ناقوس الإحتقان و نغرق في مستنقع الجهل و الفوضي الأمنيه، مما يضاهي إحساسا بأفتعال أزمه، وسرطنه العقول وتسميم الروح.
وهل تظل الدولة تتعامل مع هذه الحوادث بردود فعل أمنية مؤقتة وجوفاء دون حل جذري، تنتهي بالصلح المدجن بالإذعان رغم صورتها «الوديّة» حينما يشعر الطرف الأضعف في أنه مجبر علي التماهي مع الأجواء ويد أقوي منه تحركه نحو مستنقع الطائفيه وتضيق عليه الصلاة، والمكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 18) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 18)، لأجل تصفيه حسابات لا علاقه للمواطن بها، ومهما كانت التبريرات، و كأن قرار الصلاه أبسط حقوق المواطن أصبح متداولا في يد شرذمه اتقنوا الدور ونجحوا في التأثير علي السلطات التنفيذية! و كتب علينا تكرار نفس الرتم وأن نتوقع نتيجه مختلفه!
فكان يتوجب دخول جهه محاديه تحقق مع حاتم القرية وكل من شارك معه في الاعتداء و ضرب مثل بالحزم و إعمال القانون بلا تهاون و ليس مواءمه خائبه، فلا يساوم علي حريه الصلاة بحجه لا وجود للكنيسه بأوراق، أو عدم وجود تصريح للصلاه داخل أحد البيوت، فهي ليس مصالحة عشائرية، وليس "تهدئة"، بل إرساء مبدأ الشفافيه ورساله رسمية تُظهر لكل متطرف أن الدولة لن تسكت على الإرهاب الطائفي، وأن الأوان لوضع حد لهذه المهازل المتكررة التي تعلو و تهبط حسب المزاج السياسي او تقلبات الأحداث، فكيف نشعر أن مصر اليوم ليست مصر الأمس، و من الغريب انه من يرفض جلسات الإذعان يهاجم بأعتبارة معرقلا للسلام، فأي محبه بطعم المرارة، و أي إستقرار تحت عباءة الذميه؟، فإنها نوع من التحذلق والسفسطائية و التبجح في الخصومه بل يصل إلي أسلوب قلب الكراسي ووضع كل رافض في إتهام بحجه إستغلال القضيه من بعض منظمات الخارج فنقع في دوامه اعتياد واستسهال الواقعه ونسخها بالكربون في قري أخري، و كإن قبول لجلسات استثنائية أصبحت ترمومترا لوأد الفتنه وبلطجه هزليه لفرض الأمر الواقع و تعمد قهر الطرف الأضعف، وثقافه الانكسار المحتوم و كأن الإجراءات القانونية أداة لحرمان جماعي من الحق في العبادة وفرص التقاضي، وتطبيع التنميط الديني، وتحويل القانون الإداري إلى أداة للسيطرة على أقلية أصيلة في أرضها، مما يهدر حق الدولة نفسه في العقاب وحق المجني عليهم في العدالة الجنائية، فلا يمكن لعاقل أن يقبل الاعتداء على الأقباط ويساوىه بنزاع عرفي، ومسكنات متدينه وليس إحتواء شكليا، لتتحول الي انتاج مسلسل منظم بإنتهاكات فاضحة، والانتقام الذاتي وتعميق النزاعات الطائفية كمفرخه تحول الأقباط من «مواطنين» إلى أقلية مُستثنى من حقوق المواطنة الكاملة، فلماذا لا يتم الحظر القانوني للجلسات العرفية في النزاعات الطائفية، مع تجريم أي محاولة لفصل قضايا جنائية خارج القضاء، فلا يمكن أبدا للاستمرار ينظام عدالة موازٍي يشوبه العوار وغير دستوري، وتدمير الثقة في الدولة والقانون، فما الذي يجبر الدولة علي الاستمرار في تنامي وتعميق النزاعات الطائفية والتحفيز في بيئة «متفجرة» يمكن أن يُنفجر فيها العنف الطائفي في أي وقت، حتى مع عدم وجود «حدث محفز» جديد، لأن «الاحتقان» مُخزّن في الذاكرة المجتمعية؟ تصبح في أي وقت بالونه انفجار في شكل هجوم جديد، لأن الجذور لم تُقلم، ولم تُعالج تؤدي الي تُعمّق التمييز الديني كظاهرة نظامية.
إن الرئيس السيسي أكد مرارًا أن المواطنة هي الأساس، وأن كل مصري له حقوق متساوية.
آن الأوان أن تترجم هذه الكلمات إلى فعل على الأرض في كل قرية من قرى الصعيد، و أن حاتم وأمثاله يجب أن يفهموا رسالة واحدة، أن الدوله لن تسمح بأن يُداس كرامة أي مواطن مصري بسبب دينه، فلا داعي لخلق في الواقع احتقانًا طويل المدى لأن مثل هذة التسويات تُحوّل نزاعًا قانونيًّا وجنائيًا إلى «توازن قبلي» يصمُّ على الجذور الحقيقية للأزمة، بمرور الوقت، تتراكم هذه الفكرة في الذاكرة المجتمعية، فتحول السكوت المؤقت إلى احتقان دائم، ويُخزّن في ذهن الأقباط أن «بقاءهم في الأرض» رهين بـ«قبول» العرف، لا بـ«حقوقهم» كـمواطنين.
وتشير التقديرات أن عدد المسيحيين 15 مليونا فهو أقرب لكنيسة واحدة لكل 6000-7500 مواطن، و عند 20 مليون، النسبة تتدهور إلى 10,000 - 15,000، فيعد هذا منخفض جداً، ويجعل النقص أكثر وضوحاً، خاصة في القرى الصعيدية التي لا توجد بها كنيسة قريبة. فإن الكثافة منخفضة مقارنة بدول أخرى ذات أقليات دينية كبيرة، و هنا يلعب بيت الصلاه دوراً مهماً في تعويض النقص، فإن عدد بيوت الصلاة الرسميه يقدر غالباً من 3000-6000 أو أكثر حسب المناطق، فإن النسبة تكون أفضل تقدر بحوالي كنيسة لأقل من 2000-3000 شخص، خاصة في القرى، و من الممكن أن تصل لكنيسة أو بيت صلاة واحده لكل 1300-2500 شخص تقريباً عند 10-15 مليون مسيحي.
في المنيا، نصيب المسيحي الواحد تقريباً كنيسة رئيسية واحدة لكل 2500 شخص، وبيت صلاة واحد لكل 350-400 شخص، هذا أفضل من متوسط، لكنه لا يزال يعاني من مشاكل التوزيع الجغرافي والتراخيص، فلو أغلقنا بيوت الصلاه بحجة عدم وجود رخصة، فيزداد المشهد تعقيدا يعاني منه المجتمع كله، بل يصعب علي الأجهزة الأمنية حصر التوترات و التجيش الطائفي. لذلك توفير عدد أكبر من بيوت الصلاة للمواطنين المسيحيين في مصر ليس مجرد استجابة لحقوق دينية، بل هي خطوة مهمة تحسن صورة الدولة داخلياً وخارجياً. فهذا الإجراء يعكس التزاماً حقيقياً بالتعددية والمواطنة المتساوية، ويقلل من الشعور بالتهميش لدى ملايين المواطنين، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي. كما يمنح المسيحيين «متنفساً» روحياً ونفسياً يحتاجونه، خاصة في القرى والمناطق النائية، فيسمح لهم بممارسة شعائرهم بكرامة وبدون عناء السفر الطويل أو الشعور بالحرمان. في النهاية، الدولة التي تحمي حقوق أقلياتها وتلبي احتياجاتها الدينية تكسب ثقة مواطنيها وتقوي صورتها أمام العالم كدولة حديثة عادلة وشاملة.
---------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي






