09 - 07 - 2026

جوانب تغيب عن المسلمين في سيرة سيد المرسلين

جوانب تغيب عن المسلمين في سيرة سيد المرسلين

جال بخاطري حديثي عن هذه الجوانب ونحن في مطلع العام الهجري الجديد، متسائلا عن حجم التعاسة التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية، موقنا تماما أن في التطبيق العملي لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مايكفل لهذه المجتمعات أن تكون في مقدمة الصدارة في تحقيق السعادة الإنسانية...

وآمل ألا يفهم من عنوان مقالي أني أتهم أحدا بعينه، فقط أشير إلى أن هذه الجوانب قد تغيب عن المستوى الشعبي والرسمي، وعن صانعي القرار ومن يأخذون بأيدي شعوبهم إلى ركب التقدم، فهلا انتبهنا إلى هذه الجوانب وتأملناها جيدا... على النحو التالي :-

أولا. لم يعين الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا من آل بيته في حكم الدولة، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين، واضعا بذلك أهم أسس وقواعد النظام التي تنأى بالمجتمع عن الاستبداد الذي يعد أخطر أمراض العصر، وأحد اسباب تخلف المجتمعات العربية والإسلامية..

وعلى الجانب السياسي استمع النبي صلى الله عليه وسلم لبعض شباب الصحابة ممن لم يحضروا بدرا، وارادوا الخروج من المدينة لملاقاة المشركين في أحد في العام الثالث من هجرته صلى الله عليه وسلم، وقال في ذلك. ما كان لنبي أن يغمد سيوف أصحابه حتى يحكم الله تعالى، أو كما قال صلى الله عليه وسلم؛ فيما يعني نزوله على رغبة صحابته ليعطي لنا الدرس في قيادة خالدة استمعت إلى رغبات أصحابه واحترمتها ، وهو الغني عن ذلك بفضل الله تعالى. وكان من الممكن ان يستبد برايه، ويفضل البقاء في المدينة على الخروج لقتال قريش، وحاشاه أن يفعل ذلك، وصدق الله تعالى إذ يقول (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).آل عمران /١٥٩.

وهو عكس مايحدث من حوالينا من خلال من يفرض مايراه على الجميع، ولو كان خطأ، مع الأخذ في الاعتبار أن يد الله مع الجماعة، وان الأمة لاتجتمع على ضلالة، وان الخير للقائد أن يستجيب لرأي الجماعة، ولو كان محقا.

والأمثلة عن الشورى كثيرة ومتعددة كما هو الحال في غزوة بدر مع الحباب بن المنذر، وفي أسرى بدر مع كبار الصحابة وفي غزوة الخندق وسماعه صلى الله عليه وسلم لما اشار به سلمان الفارسي في حفر الخندق.. وغير ذلك كثير.

ثانيا. لم يستعن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالأكفاء من صحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؛ فاستعان بعمرو بن العاص قائدا في موقعة ذات السلاسل على من هم أكبر منه سنا، واسبقهم عنه في الفضل ودخول الإسلام مبكرا.، بما يرسي قاعدة أن الاستعانة بأهل الكفاءة مقدم على أهل الثقة، وان الصنف الأول يعد احد أسباب تقدم المجتمعات، وان الصنف الثاني - وهم أهل الثقة - هم أحد أسباب التخلف والضعف والسقوط.

ثالثا. جاءه صلى الله عليه وسلم أبو ذر الغفاري يطلب الإمارة، فلم يستجب له، وقال له في ذلك أيضا والله إني أحبك ولا أحب لك إلا ما أحب لنفسي. لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على مال يتيم، وقال صلى الله عليه وسلم في ذلك أيضا.. إنا لا نولي أمرنا هذا أحدا طلبه، وإنها لأمانة، وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وادى حق الله تعالى فيها...، او كما قال صلى الله عليه وسلم.

كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم الحاكم إذا ما اختار رجلا في مجال بعينه في مجالات خدمة الدولة، وهو يعلم ان هناك من هو أفضل منه، فقد خان الله تعالى ورسوله وحرمت عليه رائحة الجنة، او كما قال صلى الله عليه وسلم، وهو مايرسي مبدأ الشفافية واختيار الاكفأ والأصلح ، أو من اجتمعت فيه القوة والأمانة.. أو حسبما جاء على لسان ابنة سيدنا شعيب.. (يا ابت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين). القصص /٢٦

رابعا. وفي الإطار السياسي أيضا لم يعفل النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة بالقيادات الشابة، فكان هناك قيادة أسامة بن زيد للانتقام مما حدث للمسلمين في مؤتة، وكان خليقا بالإمارة، كما كان ابوه خليقا بها، كما استعان بزيد بن ثابت في تعلم اللسان العبري ، وفي كتابة آيات الوحي الكريم....، وغير ذلك كثير من الأمثلة؛ بما يشير إلى أن القيادات الشابة تسهم في ضخ دم جديد في حركة المجتمعات، وان التداول والتنوع بين أصحاب المناصب يساعد على تقدم المجتمع وتطوره، فالمواهب ليست حكرا لطائفة بعينها تبقى في مناصبها إلى أجل مفتوح.

وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي يقدم النبي صلى الله عليه وسلم نموذجا خالدا فيما ينبغي أن يكون عليه القائد، تاتي إليه السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها تطلب من أبيها مما افاء الله به من غنائم على المسلمين، فيفضل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيها لأهل الصفة، وهم الفقراء والمساكين والزهاد الذين يبيتون في المسجد.... فمن يمكنه أن يفعل ذلك، ويقدم أولويات حاجات فقراء أمته على ذويه، وخاصة ابنته التي كان يطلق عليها أم ابيها؟

ولم يتدخل النبي صلى الله عليه وسلم في أي خلاف زوجي بين السيدة فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، بل كان يسأل صلى الله عليه وسلم عن علي ويذهب إليه في المسجد يسترضيه ويقول له قم يا أبا تراب...

وفي الجانب الديني يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عام الفتح وهو مطأطيء الرأس على دابته، غير مختال ولا فخور، يعزل أحد قادة جيشه عندما قال اليوم يوم الملحمة، ويصوب ذلك له قائلا.. اليوم يوم المرحمة.

والباحث المدقق المتامل في عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن كفار قريش يدرك مدى قوة النبي صلى الله عليه وسلم، وماحباه الله تعالى به من نعم، وفي قراءاتي عن آداب الملوك والحكام مايشير إلى ان العفو يزيد الملك قوة، ويؤدي إلى وجود صيغة من التعايش السلمي تجمع بين ابناء الوطن الواحد، بغض النظر عن اتجاهاتهم الفكرية والثقافية... فهل من الممكن أن نجد من يفعل ذلك أسوة بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم؟!!!!

وهو فضلا عن ذلك يعلي صلى الله عليه وسلم من قيمة العمل، ويخاطب آل بيته قاىلا. لا يأتوني الناس بأعمالهم، وتأتوني انتم بأنسابكم؛ فيما يعني ان العمل - والعمل فقط، لا النسب - هو أحد القيم الحضارية التي يبنى عليها تقدم المجتمعات، ناهيكم عن عمومية الحضارة الإسلامية التي تجسدها سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله. والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم إنما اهلك من كان قبلكم من الأمم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الفقير أقاموا عليه الحد.. أو كما قال....

والحق أن في جوانب سيرته صلى الله عليه وسلم ما يجسد قيم التقدم التي تنعم بها المجتمعات المتقدمة وتسعد بها، فلا وساطة ولا محسوبية، ولا فساد ولا رشوة، فضلا عن محاسبة الولاة، فيما يشيرإليه حديث ابن اللتبية الازدي وهو معروف للجميع، فضلا عن الاستعانة ب(الأكفاء ) ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب...

ويقيني أنها جميعها جوانب تضمن تحقيق اعلى معدلات السعادة في المجتمعات العربية والإسلامية.. فهلا وجدنا من يدرك ذلك،...، ويحول هذا النسق المعرفي إلى نسق تطبيقي، وهو قابل للتطبيق إذا ما أردنا ذلك.... ولكن... ليعلموا؟!!!!
-----------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
باحث أكاديمي وعضو اتحاد المؤرخين العرب

مقالات اخرى للكاتب

جوانب تغيب عن المسلمين في سيرة سيد المرسلين