لم يتأثر الفكر السياسي الحديث بقدر ما تأثر بما أحدثه مفكران من الإنسانية على تباعد خلفيتهما الحضارية مثل ابن خلدون وتحليله الميتافزيقي للتاريخ (الأمم)، والإيطالي بصيته الذائع غير المرغوب أنطونيو ميكيافيللي، وكتابه الأمير وما احتواه من أفكار لا تزال محل جدل. وللمفكِّرين من تأثير ربما تجاوز أي نظرية أو أطروحات عالجت التطور البشري في سياق منظومة الدولة والحكم، مع أن الفارق المنهجي بين نظرية أخضعت التاريخ لمنطق الفحص التحليلي لتؤسس لعلم جديد (علم الاجتماع)، وكتابة تاريخية بمدخل أنثروبولوجي وتناول مسهب للعلوم والفقه، وبين أطروحة جريئة تقدم للحاكم وصفة هي مزيج من المكر والخداع، وفي الوقت نفسه تكشف عن الطبيعة البشرية للسلوك الإنساني. وتكمن الأهمية التاريخية وربما السياسية لأطروحات كلٍ منهما في النهج العقلاني في التحليل على خلاف الإحالات الميتافيزيقية للظواهر التي سادت في عصرهما.
والمقارنة في أطروحتهما تقترب إلى حدٍ التشابه بين عصرهما والمسار المهني والحياتي لكل منهما، على ما يفصلهما من مدة زمنية قصيرة أثرت في نظرتهما تأملًا في مصير الكائن الاجتماعي (السياسي)، من واقع تجربتهما في دهاليز السياسة وبالتالي إقصائهما من قبل صانعي قرارها. فابن خلدون (1332–1406) الذي يتقدم من حيث القيمة المعرفية على السياسي والدبلوماسي الفلورنسي نوكلو ميكيافيللي (1469–1527م)، عمقت أطروحته بشموليتها الموسوعية (المقدمة، تاريخ ابن خلدون) من استقراء التجربة الإنسانية، بينما الأخير شدد على أقسى ما يتجاوز القيم والأخلاق في الحكم في مؤلفه (الأمير)، وانتهى مصيرهما المهني بين التنقل بين بلاطات الحكم والمناصب السياسية الرفيعة والعزل والتهميش ثُّم التأمل والانصراف إلى استقصاء الظواهر الإنسانية ممثلة في أهم مؤثراتها وهي الدولة والحكم.
تكمن عبقرية فلسفة ابن خلدون في علم التاريخ عبر تناوله كظاهرة تستجيب لعوامل بشرية في عصبية الدولة وسقوط الملك في بعد تحليلي أوسع قابلًا للموضعة في سياق منهجيات متعددة، بينما نجد أن ميكافيللي توجه بنصائحه على ما ينبغي على الحاكم القيام به للبقاء في الحكم مهما ابتعد عن القيم الأخلاقية والدينية، وهو ما عدَّ التأسيس للاستبداد من خلال تجريد الوسائل من إطارها الإنساني بل والديني أيضًا. ومع ذلك سادت نظريته بين الحكام كمرجع أساسي في صيانة الحكم، وتنظيم الدولة الحديثة كما يراه آخرون. فالمعادلة أن كلا منهما عالج الظاهرة السياسية للدولة من رؤيته عبر التأليف والتنظير، وعلى اختلاف القيمة الفكرية والأدبية بينهما، إلا أن النتائج لمقدمات تلك الأطروحات يتشابه بحكم ما يتجلى على توطن في المؤسسة السياسية (مُلكا وحاكما)، وليس المنهج في التحليل أو المقاربة النظرية المحضة.
في مقاربة سقوط المُلك النظرية الأبرز في تحليل ابن خلدون نجده يعدد من الأسباب التي تعجل بزوال الملك، وهي دعوة غير مباشرة للحاكم لأخذ الحيطة والحذر ضد كل ما شأنه تهديد سلطته، وذلك بما يقارب نصائح ميكيافيللي دون مباشرة في النُصح أو فظاظة تستدعي تطبيقا بالغ القسوة من الحاكم الأمير، بل شكلت "العصبية" محور نظريته الكلية في شأن الدول وزوالها. ويظل مبتغى الحفاظ على الحكم على نحو واقعي بما يحقق إدامته، فكلاهما لا ينظر إلى السلطة (الملك) كمنظومة مثالية أو حتى إحالته بوجه من المقارنة بين الواقع والمثالية، بل حقائق مطلقة في منظومة الملك برؤية علمانية لا تقاس أو ترتبط – بالضرورة – خارج التطور البشري في العمران أو الغرائز الفطرية العدوانية الكامنة في السلوك البشري من رغبة فى السيطرة بشتى الوسائل لدى ميكيافيللي. وفي تعبير أكثر تبيانًا ما أشار إليه العلامة العراقي الدكتور علي الوردي في أطروحته العميقة في "نظرية المعرفة عند ابن خلدون" بأن الحقيقة التاريخية هي الحقيقة الوحيدة التي اهتم بها.
وما بين فلسفة التاريخ (تاريخ ابن خلدون) وفلسفة الحكم (كتاب الأمير) يختلف التفسير في المحافظة على هذا الوحش (الدولة) من تجريم الخروج على الحاكم في سياق الفقه الإسلامي السلفي، أو تمردًا وتحديًا لسلطة القانون وتهديدًا للأمن العام يستوجب المواجهة المضادة باستخدام - في تصور ميكيافللي - الذراع الأمنية أهم أدوات الدولة في التصدي والردع. ومن هنا تستمد الدولة أو النظام القمع المنظم بناء على أساس من براغماتية تفسر الصيغة الدارجة في تعريف السياسة بأنها فن الممكن. إذ أسهمت هذه الصيغة في تقبل أفكار ميكيافللي وإن يكن بشكل مراوغ خاصة في البلدان ومنها العربية التي لم يزل الحاكم فيها يحكم بمطلق التمسك الفردي للسلطة.
إن السياسة تعد من بين أكثر النظم الإنسانية شمولية بامتدادها التاريخي والاجتماعيّ، وإيغالاً في التجربة البشرية من حيث التأثير وأشكال التطور السياسي للمجتمعات في التجربة الديمقراطية وآلياتها السياسية. وبالتالي ترتبط بتطور المعرفة السياسية وممارسة الحكم بعامة الخصوص. وبما أن طبيعة المعرفة ذات أبعاد اختبارية في طوّر الشك وصولًا إلى يقينية متحققة، فلا تتأكد إلا حين تختبر فرضياتها تطبيقًا عادة ما يكون الخيال مصدرها، وهو ما يقود إلى الحوار في تبادل النتائج وشروط التطبيق. إذن، الفعل المعرفي السياسي لا يتحقق ويضطرد تطوره بمعزل عن مفاهيم تكون ذات صلة بأصوله التكوينية. إنها التجربة البشرية التي تحتمل خطأ التطبيق من حيث إرادة التنفيذ مما ينعكس على الخطأ السياسي في الإجراء أو النبوءات الفاشلة، وإن كان بحسب فيلسوف الفكر السياسي الكلاسيكي الأميركي ليو شتراوس بأن خطأ السياسية لا يقاس على الأخلاق في تبنٍ صريح لأطروحة ميكافيللي.
إن الدولة بتعريفاتها المتعددة تزداد تمسكًا كمؤسسة وحيدة قادرة على احتكار ممارسة العنف بشرعية على مفهوم ماكس فيبر، أو بقوة القانون حسب تعريفها التحليلي المتواضع. ولقيادة هذه المؤسسة المهولة لابد من المزج بين تصورها التاريخي في أهمية وجودها والحفاظ عليها قدر الإمكان، ومحاولة الحاكم التي يجب أن تكون مستميتة باستخدام ما هو غير مشروع للبقاء. إنها المعضلة التي أرهقت الفكر السياسي في تجلياته الاجتماعية والسياسية في أن البديل يظل مصيرًا مجهولًا وواقعًا تسوده فوضى الطبيعة، كما في تصور الفيلسوف السياسي البريطاني الشهير توماس هوبز. وبهذا لا تكون نظرية ابن خلدون في الملك أو وصايا ميكيافيللي للحاكم خروجًا على طبيعة الأشياء بقدر ما هي محاولة لفهم الدولة في بنيتها وتحولاتها التاريخية، أو ما يفترض من وسائل يتخذها الحاكم في سياسته مع الرعية؛ رهين الواقع الظرفي (التاريخي) للحكم على طبيعة السلطان.
واللافت أن البنية السياسية للسلطة وتصرفات الحكام في مؤسسة الدولة لم تزل تراوح مكانها مما يدفع الباحثين إلى العودة إلى تفسير ظواهرها عند المفكرين وما انبثق عن تصورهما عن السلطان في مجالات نظرية الحكم. ولقيت هذه الاطروحات طريقها نحو ما يمكن أن يطلق عليه الهندسة السياسية، تلك التي تتقوم بالنظرية السياسية في نسبية ممارستها بالوسائل المباشرة مهما اختلفت الوسيلة بتعبير ميكيافللي الذائع (الغاية تبرر الوسيلة) في الحكم أو النظر إلى مآلاتها حين تتراكم أسباب سقوطها وفق التحليل الخلدوني. فمن المؤكد إن ما أدى إلى ثبات مرجعية زوال الملك أو المحافظة عليه تشابك عناصر كثيرة، ما كانت تتفاعل مع واقع يشهد تطورًا وحراكًا سياسيًا وليس اعتمادًا على نظريات تبقى في حدود التصور الزمني والتاريخي لها. وبهذا تكون الرؤية الخلدونية لنظام الحكم وتفسير ظواهره التاريخية، ونصائح ميكيافللي شاهدًا على استمرار براغماتية السياسة التي أصبحت في ضرورة بقاء الدولة نفسها.
-------------------------
بقلم: ناصر السيد النور
* كاتب وناقد ومترجم سوداني






