08 - 07 - 2026

بحبر الروح | الرياضة تكشف سَوْآت السياسة

بحبر الروح | الرياضة تكشف سَوْآت السياسة

لم أكُن من مُشجعي كُرة القدم أو مُتابعيها، لكنني أجد في تشجيع الفريق القومي حالة خاصة تستنفر داخلي كل لحظات الوطنية، وكأنني جندي على جبهة القتال يدافع عن أرضه وعلم بلاده. يالها من فرصة تُحاكي داخلي حلمًا قديمً! لكنني اعترف بأن قدرتي على المتابعة لم تكن أفضل شىء. راودتني غيرة عندما لم أتمكن من النوم بسبب ضحيج التشجيع وكل أفراد المنزل يتابعون مباريات المنتخب في ساعات الفجر الأولى أمام  فريقي "نيوزلندا" و "إيران"، قائلة لنفسي: "ما هذا الهوس؟". ولكن لا عجب. إنها الساحرة المستديرة ولها مُريدوها، فشعرت أنني أفلت شيئًا هامًا وعليّ اللحاق به. وجدت نفسي أتابع مباراة المنتخب والوقت الإضافي وركلات الترجيح أمام فريق استراليا، واستحوذت علىّ لحظات حسم المصير والترقب وحبس الأنفاس في الدقائق الأخيرة. كانت الهتافات في الداخل والخارج، كلما أوشكنا على الفوز، تذيب طبقات عدم الشغف المتراكمة على روحي وتجعلني أتهلل كطفلة تنتظر الإثابة. لقد استوعب ماذا تفعله الكرة بمتابعيها. إنها تخطِفك بعيدًا، وتستحضر داخلك طاقات غافية. ثم تعود بك طفلاً لا يعبأ إلا بلحظات السعادة الآنية. 

وجاءت ساعة الفصل مع مباراة الأرجنتين التي جعلتني أطلِع على فنيات اللعبة التي لا أفهم عنها شيئاً، بيد أنها كانت شارحة حتي لـ "جُهلاء" اللعبة من فرط إزدواجية التحكيم وجنوحه وتحيزه المبالغ فيه. في بداية المباراة سادت حالة من الانتشاء بعد تسجيل هدفنا الاول في شِباك الأرجنتين، إذ ارتسمت على ملامح "ميسي" علامات الصدمة والغطرسة وكأنه يقول لنفسه: "من هؤلاء؟".. "وكيف يحدث ذلك؟". ثم زادتني المباراة بيتًا من الشِعر، عندما قام "مصطفى شوبير" بصد ضربة جزاء "ميسي" التي توهم الأخير أنها ستعيد المباراة إلى نصابها. هنا يتهاوى بيت الرمال. فمهما كان اللاعب مخضرمًا وواثقا من نفسه، لا يزيده الغرور إلا شتات التفكير، خاصة وأنه امتلأ بالاستخفاف بقدرات الفريق المصري وإصرار "شوبير" الصغير على حماية مرماه كمن يدافع عن أرضه ضد اختراق العدو.  

ثم تزداد سخونة المباراة، عندما سدد "زيكو" هدفًا احترافيًا، وتعالت صيحات النصر على الأرائك وبين جنابات المقاهي بمصاحبة تهليلات السيارات العابرة في الطرقات. يكاد الحلم أن يوشك على الاكتمال، بينما لا يَحتسِب "فرنسوا ليتكسيه"، الحَكَم الفرنسي المُتعجرف، الهدف المصري بقرار يفتقر إلى المهنية. ولكن الحسابات الألهية مختلفة. سدد "زيكو" بعدها هدفًا حاسمًا لا يقبل التشكيك. وتنسدل دقائق نهاية الشوط الأول بستائر النصر واسترداد الحقوق والتحليق مع نشوة الصعود. ولكن كان لابد ألا ينتهي السيناريو هكذا في مونديال مُسيس يعج بالثغرات والاستثناءات وتفوح منه عوادم العنصرية، التي دلل عليها "حسام حسن" معترضًا على سلوك "ليتكسيه" على الملأ.  

يتمادى الحَكَم الفرنسي في ممارسة سلطة سادية داخل الملعب وينهال بالانذارات على الفريق المصري، ويغض الطرف عن كل الفرص المستحقة لنا بحكم قانون اللعبة. بل في المقابل، يتحيز بفجاجة للفريق الأرجنتيني وكأنها مؤامرة مًحاكَة بخسة حتى تفوز الأرجنتين عنوة مُسدِدة أهدافها الثلاث المتتالية جراء تكسير عظام الفريق المصري بتواطؤ ملحوظ.. ليس مَسموحًا أن تكتمل المباراة على غرار الشوط الأول، وإلا نزلت اللعنة على الفيفا. 

لم يكن الشوط الثاني من المباراة سوى دليل دامغ على أصابع السياسة التي تلاعبت بنزاهة الرياضة، فجردتها من أهم سماتها وهى شرف الفوز وأخلاقيات الخسارة والانحناء للأداء المتميز. تحول الملعب إلى ساحة لممارسة "بلطجة سياسية" من العيار الثقيل في محاولة إضفاء شرعية واهية على تمثيلية الفوز الأرجنتيني. ورغم زخّات الدمع وشهقات الوجع جراء الظًلم البين، كان فريقنا المصري يزهو بقوته واحترافيته التي اضطرت الخصم لفقد أعصابه واللجوء إلى الأبواب الخلفية للحفاظ على فرصة صعود أتمنى ألا تصل بهم إلا إلى نفق الخسارة المُستحقّة. كان منتخبنا المصري بمنزلة المنتصر الحقيقي الذي حزم حقائبه بشرف رياضي مُترفِع وانتصار أخلاقي براق. لقد فرّغت هذه المباراة، تحديدًا، الرياضة من حيادها وخصوصياتها وأثبتت أن السياسة سددت هدفًا رخيصًا في مرمى إحدى أدوات القوة الناعمة النافذة لدى الشعوب. لكن مصر اعتادت الوقوف بشموخ والتغريد خارج السِرب والثبات على الموقف وكفانا أننا لسنا ضمن القطيع. تحية إعزاز وتقدير لمنتخبنا القومي وجهازه الفني. كنتم رجالاً.. كنتم أبطالاً.
---------------------------
بقلم: 
شيرين ماهر

مقالات اخرى للكاتب

بحبر الروح | الرياضة تكشف سَوْآت السياسة