«خضرا» لا تقل حضورًا عن «شهرزاد»
- مثلما سقطت روما القديمة، تسقط روما الجديدة، حتمًا، عندما تصل إلى ذروة توحشها
- الشفاهية المساحة التي قاومت بها النساء سلطة التاريخ المكتوب
- الثقافة الذكورية فرضت هيمنتها على اللغة والتاريخ والفنون
- التكنولوجيا الحديثة أعادت الحيوية لعناصر ثقافية كادت تختفي
- السرد الشعبي وثيقة موازية تكشف ما تغفله الروايات الرسمية
- السيرة «الهلالية» نجت لأنها أعادت تشكيل نفسها مع كل بيئة وزمن
- «ذاكرة لأطفال لم يولدوا بعد».. شهادة خوف على المستقبل العربي
- حماية الذاكرة الشعبية جزء أساسي من رسالة أكاديمية الفنون
يواصل الدكتور محمد حسن عبدالحافظ، في الجزء الثاني من حواره مع «المشهد»، تقديم قراءته الجريئة للسيرة الهلالية باعتبارها نصًّا نسويًّا أسسته النساء وحرسه الرجال عبر الرواية الشفهية. ويكشف عن علاقة التراث الشعبي بالسلطة واللغة والكتابة، وكيف جرى تهميش صوت المرأة داخل الثقافة الرسمية، مقابل بقائه حيًّا في الحكي الشعبي والسير والمرويات الشفاهية.
كما يناقش عبدالحافظ المقاربة السيميائية التي اعتمدها في دراسة السيرة الهلالية، ورؤيته للأدب الشعبي كوثيقة موازية للتاريخ الرسمي، إلى جانب حديثه عن مصير التراث في العصر الرقمي، ودور أكاديمية الفنون في حماية الذاكرة الشعبية المصرية.
* رغم هذا الحضور النسوي الواسع في السيرة الهلالية لكن تظل شهرزاد الأكثر شهرة في الأدب الشعبي؟
- نعم، تُعَدُّ "ألف ليلة وليلة" أبرز ما وُسِمَتْ به النساء، على صعيد قيادة السرد، في تاريخ الإبداع الإنساني، حيث تحتل شخصية "شهرزاد" المساحة الأهم في الذاكرة السرديَّة الإنسانية، أكثر حضورًا من شخصية "خضرا" و"الجازية" في "سيرة بني هلال"، ولكن "الأميرة خضرا" ليست أقل حضورًا من "الأميرة ذات الهمة"، فرحلة خضرا، بوليدها "سلامة"، تحمل كثيرًا من العلامات الرمزية المشتركة مع رحلة "ذات الهمة وولدها عبدالوهاب".
لا ينبغي الاكتفاء بالاحتفاء بالشخصيات السرديَّة على حساب الأحداث السرديَّة ودراميتها وإيقاعاتها (هكذا غالبًا تعمل الثقافة السائدة على تنميط الشخصيات التاريخية، على حساب تأويل الأحداث التاريخية)؛ أي النظر إلى "خضرا" (و"الجازية" و"دَوَابَة"، و" سُعْدَى"، وغيرهن) بوصفها شخصية سرديَّة فاعلة في سيرة شعبية منسوبة إلى قبيلة "بني هلال" أو "الهلايل"، أو إلى بطل ذكر (على نحو ما توسم بـ: "سيرة أبو زيد")، وليس – حصرًا – بوصفها امرأة تتوارى خلف صدارة الأبطال الفحول. لقد تحدت "شهرزاد" و"خضرا" هاجس خيانة الزوجة في إدراك "شهريار"، وفي وعي "رزق"، وكلتاهما تفوقتا في ظرف خطر داهم، فقادت "شهرزاد" الحكي السردي المؤسِّس لـ الليالي، وقادت "خضرا" الرحلة السرديَّة المؤسِّسَة لـموتيفات السيرة الهلاليَّة، والمكوِّنة لقيم البطولة.
يلفت جوزيف كامبل النظر إلى أن الثقافات القديمة عامة (ومنها الحضارة المصرية القديمة) جعلت الأنثى خالقة للحياة، وجعلت الذكر خادمًا للحياة، وبالمثل، نقصد لفت النظر إلى أن سيرة بني هلال [وبناتها] هي حكاية من خلق النساء وإبداعهن، كحال "ألف ليلة وليلة"، وتحتل النساء بطولة المشاهد المركزية في سيرة بني هلال على نحو فريد لا نظير له في التراث العربي برمته، إلا في "ألف ليلة وليلة"، بينما يمثل الرجال حراسًا للسيرة الهلالية ورواة ومؤدين لها، على نحو أتاح لهم حرية صوغها في أشكال شعرية تتسم بالفحولة.
* إلى أي مدى اختلفت صورة المرأة في السيرة الهلالية عن حضورها في الأدب الرسمي؟
- الخوض في غمار قراءة معتكفة، حول ظواهر في تاريخ الأدب العربي ذات صلة بحس الرجال وحس النساء هو شأنٌ مهم لدراسة الأدب، بدءًا من شعراء ما قبل الإسلام، مرورًا بالمصنفات الضخمة حول "فحول" الشعراء وطبقاتهم ومآثرهم وشروح دواوينهم والموازنة بينهم.. إلخ، بل إعادة قراءة المخيلة (ومنتجها المعرفي) التي كرست المرأة بوصفها موضوعًا شعريًّا، وليست ذاتًا شعرية، تبعًا لتكريسها موضوعًا لغويًّا، وليست ذاتًا لغويًّة، وغايةً وليست علة، لعلنا نعيد اكتشاف علامات الانزياح، ودلائلها، في الشعر، بخرقه المتواتر لقواعد اللغة والسرد، ودلائل ما تبطنه شعرية الفحولة من أنثوية كامنة في شفهية اللغة، بل في شفهية الشعر نفسه، على نحو افتخار الشاعرة الأندلسية "نزهون بنت القلاعي" بـ"شعرها المذكر"، في استهلال هجائها لـ"المخزومي":
جازيت شعرًا بشعر
فقل لعمري من أشعر
إن كنت في الخلق أنثى
فإن شعري مذكَّر
* هل خفوت صوت المرأة في التراث الرسمي وهو نتاج مؤسسي؟
- نحتاج إلى فحص مختلف الأفعال والقيم الانزياحية في التراث المتسلل إلى المأثور، من مثل ما يتأسس عليه قول عبدالحميد الكاتب: "خير الكلام ما كان لفظه فحلاً، ومعناه بكرًا"، وكأنه بذلك يعلن عن قِسْمَة ثقافية – حسب تعبير عبدالله الغذامي - يأخذ فيها الرجل أخطر ما في اللغة، وهو "اللفظ"، وللمرأة "المعنى"، هذه القسمة أفضت إلى قسمة أخرى أخذ فيها الرجل "الكتابة" واحتكرها لنفسه، وترك للمرأة "الحكي"، مما أدى إلى إحكام الرجل السيطرة على الفكر اللغوي والثقافي، وعلى كتابة التاريخ من منظوره الذي يرى فيه نفسه صانعًا للتاريخ. وظلت ثنائية اللفظ والمعنى، وثنائية الكتابة والشفهية، ثنائيتان مركزيتان في تاريخ العقل العربي، صارت على أساسها الشفهيةُ فضاءً للنساء، والكتابة فضاءً للرجال، حيث سعى الرجل إلى قنص اختراع الكتابة لنفسه؛ ليقعِّد سلطته المطلقة على اللغة، فغلب التذكير على التأنيث في التقاليد والتشريعات والسلطة والفنون.. إلخ، ثم صنع الرجل قواعد ثابتة لا فكاك من اندراج الأنثى تحت وطأتها، عبر تقديس المكتوب؛ من أجل ضمان طاعة النساء المطلقة للرجل، وطاعة الرجال للرجل، وطاعة سائر الرجال والنساء للرجل.
* كيف أثر ذلك على طبيعة اللغة؟
- بما إن المرأة معنىً والرجلَ لفظٌ، فإن اللغة صارت للرجل، وليست للمرأة، وصارت المرأة موضوعًا لغويًّا، وليست ذاتًا لغوية. ذلك هو المؤدى الثقافي التاريخي العالمي عن المرأة. ففي كل ثقافات العالم، تظهر المرأة بوصفها معنًى من معاني اللغة، نجده في الأمثال والحكايات، وفي المجازات والكنايات. ولم تنطق المرأة بوصفها فاعلاً لغويًّا، أو كائنًا قائمًا بذاته، وفقًا للتصور القائل بأن المعنى البكر يُعْوِزُه اللفظ الفحل، لكي ينشأ في ظله. يمثل هذا التصور، بالنسبة إلى فرضيات هذه الدراسة، وغيره من التصورات، وما يترافق معها من وقائع إبداعية وأدائية، مجالاً للتفكيك عبر السيميائيَّة، وموضوعًا من موضوعات التحليل السردي، المفصح عن المرأة بوصفها ذاتًا وموضوعًا، ولسانًا وخطابًا، ومعنى ومنتجة للمعاني، ليس في مضمار السرد فحسب، بل على أصعدة اللغة والإبداع والأداء.
* كيف انعكس هذا التصور على السيرة الهلالية؟
- في رحلة اعتصامه بالكتابة وسلطتها؛ يهجر الرجل الشفهية؛ بل يطردها إلى المجهول (كطرد "رزق ابن نايل" لـ "خضرا" وولدها إلى مصير تراجيدي). هل أدهش الرجل المنجز الجمالي الشفهي الذي حققته المرأة، فقرر العودة للولوج في الشفهية بإبداعات شعبية قوليَّة لا حد لتنوع أدائها ولحيوية تلقيها؟ وهل ثارت المرأة على هيمنة الرجل على المكتوب، وفي المكتوب، وبالمكتوب، فأكدت قدرتها المبهمة على الولوج في عالم الكتابة؟ هل يكمن تَفَرُّدُ المرأة حقًا، كما يقول آنزيو، في كونها مُشَّكَّلة من باطنية خفيَّة مُعَرَّضة للاختراق والإيلاج؟
* هذا يقودنا إلى ثنائية الشعر والسرد؟
- صحيح، في رحم الثنائيات المركزية المذكورة، ثمة ثنائيات يجسدها الصراع بين أطرافها، مثل الصراع المصطنع بين الشعر والسرد، حيث بدا الشعر مركزيًّا في الثقافة العربية، بينما ظل فن القص مهمَّشًا حدَّ نبذ القصاص، وتحقير النتاج السردي، بوصفه خياليًّا، وكاذبًا، ومخلاً بالتاريخ الوقائعي، وبوصفه مجال العامة في مختلف سياقات الاجتماع الشعبي العربي.
لا بد من تواصل العمل على استبطان الحس النسوي العميق في الإبداع الحكائي والشعري الشعبي؛ بعد أن سيطر الحس الذكوري طويلاً على مقاليد فنية ليست ذكورية على نحو مطلق، والبحث عن صوت الأنوثة المتواري في الذكورية، وإعادة النظر إلى الذكوري الذي يُبْطِن الأنثوي، دون التورط في الوقوع في أحد شَرَكَيْن: تنظير يُجدد تطرُّف المنظور الذكوري، أو تنظير يمتثل لنسوية تؤدي إلى إنكار تركيب المرأة ونتائجه؛ أي إنكار المرأة ذاتها؛ أي التفكير وفق استراتيجية نُجَاوِز بها خطابين: المهيمِن والمهيمَن عليه.
إن الشعر والنثر جنسان، والرجل والمرأة نوعان، وليس الذكر كالأنثى، لكنهما يتحدان، تمامًا كاتحاد الشعر والنثر. فلما كانت الإنسانية حقيقة جامعة للرجل والمرأة، بتعبير محي الدين بن عربي، فليس لأحد منهما على الآخر درجة في الإنسانية والخيال والإبداع والقطبية والمقام. ولا يستقيم الوجود الإنساني إلا بحرية إيقاعات الرجل والمرأة بلا تمييز. ولا مناص، في سبيل ذلك، من مقاربات جديدة، تتراكم على المقاربات السابقة؛ المجتهدة في ظروفها وقناعاتها.
* لماذا اخترت المقاربة السيميائية لفهم السيرة الهلالية تحديدًا؟
- ارتكزت دراستي للماجستير على الجمع الميداني والتدوين ومعالجة قضاياهما. أما مرحلة الدكتوراه وما بعدها، فقد ارتكزت على التحليل السردي للنصوص الشفهية المجموعة ميدانيًّا. وبعد مجاهدات نظرية ومنهجية وتطبيقية، وجدت ضالتي في السيميائيات التي تكمن جدارتها في ما توفره من إمكانات لتتبع الأنساق الدلالية - الطبيعية والاجتماعية؛ اللغوية وغير اللغوية - التي ينطوي عليها الخطاب السردي لـ"السيرة الهلالية" بأطرافه الرئيسة: المؤدي- المُرسِل- حامل الإشارة، والرواية- الرسالة- المُرْسلة، والجمهور- المستقبل- المتلقي، بالإضافة إلى الإفادة من أدوات ما يعرف بـ "سيميائية الاتصال" في بحث موضوعين: الأول: التمثيل الرمزي لحقب من التاريخ الاجتماعي (الشفهي) في "مجتمع البحث" (بعض قرى سوهاج). أما الثاني، فيبحث في أفق تلقي السيرة الهلالية، عبر رصد حزمة متنوعة من الإشارات السيميائية المضمنة في عدد من الوقائع الأدائية الفرجوية التي عوينت خلال سنوات الجمع الميداني لروايات السيرة الهلالية من بعض قرى محافظة سوهاج.
* حدثنا عن الأسس التي يرتكز عليها هذا النوع من الدراسات خاصة وأنه غير معهود تطبيقه على النصوص الشفاهية الشعبية؟
- ترتكز الدراسة السيميائية السردية، على تحليل مرَّكب من ثلاث زوايا: عملية السرد، وموضوعه، وفعاليات الاتصال به؛ أي النظر في جدل العلاقة بين ثلاث أسئلة: "كيف" يُسرد "الحكي"؟ و: "ماذا" يسرد "المحكي"؟ و: "لمن" يسرد "الحكي"؟ وهي الأسئلة المتصلة بثلاثة مداخل للتحليل: الشعرية، والسوسيو-سردية، واتصالية التلقي.
تتناظر السيرة الهلالية والسيميائية (موضوعًا ومنهجًا) على أكثر من صعيد، وبمستويات عدة. حيث تمثل منظومة السيرة الهلالية - بتراكمها النصي والأدائي، وبوصفها عمليات اتصالية ومنظومات سردية - استراتيجية فنية؛ نسبةً إلى منظومة علاقات الفنون والمعارف والمهارات والوظائف التي تشكلها. وتمثل منظومة السيميائية - بتراكمها النظري والتطبيقي، وبوصفها حقلا معرفيًّا لدراسة أنظمة العلامات الاتصالية والسردية - استراتيجية منهجية، نسبةً إلى تعدد العلوم والمعارف والتخصصات التي تكون حقولها على اختلاف اتجاهاتها النظرية، ومن ثم، فمن شأن السيميائية، على وجه الخصوص، أن تطرح على دراسة السيرة الهلالية مختلف الأسئلة التأويلية، بدءًا بسؤال الماهية: ما الهلالية؟ ومرورًا وانتهاءً بالأسئلة الاستقصائية: لماذا؟ وكيف؟ ومن مَنْ؟ ولمن؟ وأين؟ ومتى؟ أي إن المقاربة السيميائية معنية باستقصاء – وباكتشاف منظومة العلاقات بين - الفنون والمعارف والمهارات والوظائف التي تنتج "الهلالية" بوصفها نظامًا علامتيًّا.
عندما نرى "السيرة الهلالية" بوصفها دالاً ومدلولاً، بالمنظور السوسيري، الذي طوره بارت وتودوروف وإيكو وآخرون، وبوصفه إشارة وأيقونًا ومؤشرًا، وفقًا لسيميائية بيرس، فإننا نفتح المجال لتداعي الدلالات- التأويلات لمحمولها السيميائي: سيرة، نص شعبي، روايات شفهية، نصوص مدونة ومطبوعة، رحلات، مخيلة تاريخية، مؤدون، جمهور، قراء، موسيقا، أداء، جماعات، زي، تشكيل، بل تدخل الوسائط الحديثة (مع الوعي بتراتبها التاريخي، واختلاف أدواتها، ونتائج استبدالها لدى الجمهور بالمؤدي الحي) التي نقلت السيرة الهلالية بوصفها أدوات وأطرافًا مؤثرة، لا ينبغي إغفالها في الدرس السيميائي للهلالية: الكتاب المطبوع، المذياع، التليفزيون، الميديا الجديدة، الشبكة الدولية للمعلومات. ووفقًا لما يلتزم به كل عمل بحثي من اختصاص، ولضرورة تحديد الدراسة لمجال اشتغالها الراهن، فإن كل مقاربة سيميائية ناجعة للسيرة الهلالية من شأنها تحديد محور موضوعها وأطرافه بدقة، إما النص الشفهي، أو النص المدون، أو الموسيقا، أو التشكيل، أو الأداء الحركي، أو الوسائط، أو التاريخ.
* خصصت دراستك العلمية إلى حد كبير في دراسة السيرة الهلالية فما سر ذلك؟
- ربما برزت أعمالي في السيرة الهلالية بسبب الكاريزما التي تتمتع بها هذه السيرة، فضلاً عن كون السيرة الهلالية مجالاً أدبيًّا واسعًا، وليس موضوعًا فحسب. وفي الواقع، فقد أسهمت بدراسات في مختلف موضوعات الأدب الشعبي وقضايا الثقافة الشعبية.
* هل يمكن اعتبار السيرة الهلالية وثيقة موازية للتاريخ الرسمي؟
- نحن ننظر إلى السيرة الهلالية بوصفها رواية شفهية ذات طبيعة فنية، لا تمثل تاريخًا وقائعيًّا صرفًا. لكن سؤالك المهم يضعنا في قلب قضايا "التاريخ الشفهي" ودور الآثار الأدبية الشعبية فيه. فإذا لم تكن السير الشعبية عمومًا تاريخًا صرفًا، فإنها تمثل مصدرًا تاريخيًّا لا ينبغي إغفاله، فكل مأثورة من المأثورات الشعبية، وكل حكاية شعبية، وكل تقليد من التقاليد، يرجع في أصله إلى بعض الحقائق في تاريخ الإنسان. ونشير هنا إلى أهمية المخيال الجماعي، بمفهوم جان لاكان، وهو مجموعة من التمثلات الأسطورية للمجتمع، وجميع التصورات والأفكار التي تجاوز ما يقره التتابع التاريخي الزمني للتجربة الحياتية، فلا بد كم الأخذ بالأساطير الغنية في تصوراتها والأعراف التي تمثل تراثًا رمزيًّا للمجتمع. وقد طبقنا هذا المفهوم على بعض الخطابات التاريخية ذات الطبيعة الأدبية؛ كالسير الشعبية، والشعر الشعبي، والأمثال الشعبية، وغيرها. وهو مسلك يكشف دون شك عن ضرورة التداخل والجمع بين التاريخ من جهة، وحقول بحثية متعددة من جهة أخرى؛ كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفولكلور.
* كيف تجلى ذلك على دراساتك؟
- في دراستي للسيرة الهلالية في سوهاج، استهدفت الكشف عن العلاقة بين فضاء العلامات في السيرة الهلالية، وفضاء العلامات التاريخية والاجتماعية في هذه القرى لجمع روايات السيرة الهلالية. وقد تتبعت ما يعرف بـ "خط الهلَّة" أو "بلاد الهلة"، لمعاينة الاتصال الاجتماعي التاريخي بالسيرة الهلالية في سوهاج، وخط الهلة. وهو مركز مجموعة من القرى والنواحي الواقعة غرب مدينتي طهطا وطما. لكن بشكل عام وبخصوص الاتصال بين السيرة الهلالية والتاريخ الاجتماعي الشعبي للقرى داخل مصر، فإنه بالرغم من النتائج التي توصلت إليها بشأن وجود صلة بين السيرة الهلالية والمجال الاجتماعي في القرى، فقد وجدت غياباً تاماً للسيرة الهلالية وشعرائها عن الحضور الحى في احتفالات القرى. وتتسع كذلك دائرة المفارقة عندما نلتفت إلى أن نصوص السيرة الهلالية المصرية وغير المصرية، المدونة والتي لا تزال شفهية، لا تشتمل على حياة هؤلاء الهلاليين في مصر، مقارنة بأماكن تاريخية أخرى، أبرزها تونس، وقد اهتم عدد لا بأس به من الدراسات بحصر منازلها الاجتماعية ببنى هلال وبنى سليم.
* ماذا عن حضور أحداث السيرة الهلالية في التاريخ الرسمي؟
- جمع عبدالرحمن بن خلدون عددًا من الروايات التي وردت على ألسنة الهلاليين المعاصرين له في شمال أفريقيا، دون أن يصنفها في باب "التاريخ المعتبر"، ووضعها في باب "الزعم والادعاء"، لكن ما نقله ابن خلدون من سرديات الهلاليين، لايزال يمثل- إلى اللحظة - مصدرًا سرديًّا لروايات شعراء السيرة ورواتها في مصر وليبيا وتونس والجزائر. يشير ابن خلدون إلى أن الهلاليين "يزعمون أن الشريف ابن هاشم كان صاحب الحجاز، ويسمونه شكر بن أبي الفتوح، وأنه أصهر إلى الحسن بن سرحان في أخته الجازية، فأنكحه إياها، وولدت منه ولدًا اسمه محمد، وأنه حدث بينهم وبين الشريف مغاضبة وفتنة، وأجمعوا الرحلة عن نجد إلى أفريقية، وتحيَّلوا عليه في استرجاع هذه الجازية، فطلبته في زيارة أبويها، فآزرها إياهم.. فارتحلوا به وبها، وكتموا رحلتها عنه. وفي سياق آخر، يقول: "وشكر هذا هو الذي يزعم بنو هلال بن عامر أنه تزوج الجازية بنت سرحان من أمراء الأثبج منهم، وهو خبر مشهور بينهم في أقاصيصهم، وحكايات يتناقلونها ويطرزونها بأشعار من جنس لغتهم، ويسمونه الشريف بن هاشم". وقد تحدث ابن خلدون عن بني هلال في شمال أفريقيا ضمن نظريته في العمران البشري، لكن لم يذكر ما في مصر، ويرى بعض المؤرخين أنها لم تقم بالتخريب، لكنها ساعدت الحكم الفاطمي في عمليات الإطاحة بنظم الحكم في ولايات شمال أفريقيا.
وجوهر السيرة الهلالية – انطلاقًا من تصورات عبدالرحمن أيوب – يكمن في المفارقات التي تنتجها العلاقة بين نمط الحياة المدنية ونمط الحياة البدوية، والصراع القائم بين قيم ورؤى كل منهما، بوصفهما رموزًا لرؤى اقتصادية واجتماعية وسياسية. وانطلاقًا من نظرية العمران ذاتها، نجد أن محور السيرة يرتكز على الصراع بين النظام والتشكيلة الشعبية التي لا تعدو تلك القبائل إلا أن تكون رمزًا لها، وبقي ذلك جوهر السيرة الهلالية، وعنصرها الرئيس الذي تطوف حوله عناصر أخرى ثانوية، تتباين في كل مرة، لتشكل محتوى شكل فني ذي طوابع محلية متسقة مع ظرف كل منطقة اتصلت بعالم السيرة الهلالية، بوصفه خطابات سردية شعبية منتجة للمخيال الجماعي تجاه التاريخ.
* يحمل عنوان كتابك "ذاكرة لأطفال لم يولدوا بعد» شحنة شعرية وإنسانية كبيرة.. ما المقصود بهذه الذاكرة؟
- صدر هذا الكتاب عام 2004، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وآمل إعادة طبعه بعد نفاد طبعته الأولى. تمثل فصوله معالجة استشرافية لعدد من القضايا الاستراتيجية العربية (فلسطين، العراق، سورية، مصر)، كنت قد شرعت في كتابتها مع حلول عام 1995، وواصلت كتابتها - على نحو متقطع - حتى أكتوبر 2003، ولا تدور هذه المعالجة في فلك السياسي والاستراتيجي والجيوستراتيجي فحسب، بل يمتزج باطنها بالثقافي والجمالي والشعري. والواقع أنني لم أحسب أن أخلو يومًا إلى هذه الأوراق لأدفعها إلى الطبع، وقد سطرتها خوفًا من إحباط، وشهادةً جلية إلى جيل لم يأت بعد. وبالرغم من تخصصي الدقيق في مجال الأدب الشعبي، فإن انتمائي لهذا الوطن - كالنخيل - وإصراري على مقاومة تغييب جيلي (جيل حرب الخليج الثانية والثالثة) عن القضايا التي تمس وجود مصر في المحيط الإقليمي والدولي، كانا دافعين إلى عبور التخصص المنكفئ، إلى ضفاف العلاقة بين الثقافة ومختلف العلوم. وقد منحتني الثقافة الشعبية المصرية درسًا في معنى التواصل وصناعة التاريخ، فالشعوب التي بنت أعرق الحضارات، وعلمت العالم أبجدية العلم والنور، تأبى أن يتوقف إنتاجها لمعنى وجودها بفعل فاعل، ولا بد للهيمنة والإبادة والتزييف من استنهاض نقائضها.
تساءلت في مقدمة الكتاب عم أجيب به أبنائي – الذين لم يولدوا بعد – إذا وضعوني تحت مجهر المساءلة بـ ليل؟ وإذا فجَّر أصغرهم سؤالاً حارقًا في وجهي: لماذا سمحتم يا أبي بأن نولد مختنقين؟
قدرنا الحقيقي أن نفهم، دون الاتكاء على راعٍ غير نزيه يرضعنا الفهم بمعرفته وبمصالحه. قدرنا أن نكون صوتًا للعدل في هذا العالم. قدرنا إعادة إنتاج المعنى لوجودنا، ووجود أبنائنا من بعد. ومثلما سقطت روما القديمة، تسقط روما الجديدة، حتمًا، عندما تصل إلى ذروة توحشها، فلا خيار لها غير السقوط السريع. وليس لديّ ما أقوله لأبنائي، قبل ربع قرن، إلا: ثقوا بدمكم.
* هل يمكن للمدينة الحديثة أن تنتج تراثها الشعبي الخاص؟
- يمكن، شريطة أن تمر بمرحلة تراكم تاريخي، وأجيال متتالية تتوارث التقاليد. مثل كل الأحياء القديمة في المدن.
* هل يعيش الأدب الشعبي أزمة تلقي في العصر الرقمي؟
- بالعكس، أرى أن التحولات التكنولوجية الجارية تعمل على توسيع جمهور الأدب والفنون الشعبية بصورة مذهلة، كما ضخت الحيوية في أوصال عناصر ثقافية كادت تختفي. والأهم أن الأوعية الجديدة تخدم توثيق تراثنا الثقافي وحفظه ونقله للأجيال القادمة.
* كيف ترى دور أكاديمية الفنون في حماية الذاكرة الشعبية المصرية؟
- أكاديمية الفنون صرح علمي مصري عملاق ورائد، كان لها دور مهم في تخريج أجيال من الفنانين والمتخصصين في مختلف الفنون. ومع دخول معاهدها العلمية في منظومة الجودة والاعتماد الأكاديمي، تدخل مرحلة جديدة من تاريخها، تؤكد مكانة مصر المرموقة في مجال الفنون. وبالنسبة إلى حماية الذاكرة الشعبية، فإنها أحد مهام المعهد العالي للفنون الشعبية، تتحق عبر استراتيجيته العلمية وبرامجه الدراسية، وعبر مراكزه النوعية كمركز دراسات الفنون الشعبية ومتحف الفنون الشعبية، وكذلك عبر شراكته مع القطاعات والمؤسسات المعنية في الدولة.
* أخيرًا ما المشاريع البحثية أو الكتب الجديدة التي تعمل عليها حاليًا؟
- أنتظر صدور الجزء الثاني من كتاب سيميائية السيرة الهلالية. وانتهيت من كتابين جديدين، الأول "في التاريخ والتأريخ الشفهي"، والثاني "في نظرية الأدب الشعبي".
------------------------------
حاوره: عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية






