في ربيع عام ١٩٩١ كشفت أقمار التجسس الأمريكية عن وجود منشأة نووية ضخمة في قلب الصحراء الجزائرية، بالقرب من بلدة عين وسارة، على بعد ١٥٠ كيلومتراً جنوب العاصمة.
واتضح أنه لم يكن مفاعلاً صغيراً للأبحاث بل منشأة نووية ضخمة تعمل بطاقة إنتاجية ١٥ ميجاواط تعمل بالماء الثقيل، ما أثار مخاوف واشنطن من أن الجزائر تسير على خطى باكستان وإيران نحو امتلاك السلاح النووي.
تعود جذور البرنامج النووي الجزائري إلى عام ١٩٨٣ عندما وقّعت الجزائر اتفاقية سرية مع الصين لبناء مفاعل "السلام". لكن الصفقة لم تكن معلنة بل جرت في ظل ثقافة السرية التي كانت سمة النظام الجزائري حتي اليوم، فيما حصلت واشنطن علي وثائق تشير إلى أن بكين زوّدت الجزائر بـ ١١ طناً مترياً من الماء الثقيل و ٢١٦ وحدة وقود نووي، وهي كميات تفوق بكثير احتياجات مفاعل بحثي عادي.
كما كشفت الوثائق أن أبراج التبريد في الموقع كانت كبيرة بما يكفي لدعم مفاعل بطاقة ٥٠ ميجاواط أي أكثر من ثلاثة أضعاف القدرة المعلنة.
في العاشر من أبريل ١٩٩١ أي قبل يوم واحد من نشر صحيفة "واشنطن تايمز" تحقيقها المدوي بخصوص إنكشاف أمر المفاعل، طردت السلطات الجزائرية الملحق العسكري البريطاني ويليام كروس بعد أن ضبطوه وهو يلتقط صوراً للمفاعل. هذا الطرد كان إشارة واضحة إلى أن الجزائر كانت تخشي شيئاً ما، وأن موقع عين وسارة كان أكثر من مجرد مختبرًا للأبحاث.
وفقاً لوثائق سرية أمريكية نشرتها "الجزيرة" فإن إدارة الرئيس جورج بوش الأب أصدرت أوامرها بـ "حالة تأهب" فورية وكلفت وزير الخارجية الفرنسي رولان دوماس بالسفر إلى بكين للضغط على الصين لإيقاف التعاون النووي مع الجزائر. وتجدر الإشارة إلي أنه تم اختيار فرنسا تحديدًا، لحضورها داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، حيث لا تزال تمتلك نفوذاً كبيراً في الجزائر، رغم إنهاء الاستعمار.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تكتفِ واشنطن بمواجهة الجزائر مباشرة؟
الجواب يكمن في حساسية الوضع الداخلي الجزائري. ففي تلك الفترة كانت الجزائر تشهد صعوداً للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكانت واشنطن تخشى من أن يؤدي الضغط المباشر إلى احتجاجات مناهضة للغرب، أو حتى إلى دفع الجزائر نحو تحالف أوثق مع طهران، التي بدت وقتها في حالة من الإصرار الشديد علي المُضي قُدُمًا في برنامجها النووي.
إلا أنه وتحت ضغط دولي وافقت الجزائر في فبراير ١٩٩٢ على إخضاع مفاعل "السلام" لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وانضمت إلى معاهدة عدم الانتشار النووي في ١٩٩٥.
لكن المفاجأة كانت أن التفتيش الذي أجرته الوكالة كشف عن ٣ كجم من اليورانيوم المخصب وعدة لترات من الماء الثقيل لم تكن مُصرّحاً بها. هذه المواد كانت كافية لصنع قنبلة نووية بدائية! ورغم ذلك، لم تتخذ الوكالة أي إجراء صارم، واكتفت بتسجيل المخالفة.
- التعاون النووي مع طهران:
تشير تقارير استخباراتية غربية وآخرها تقرير السفير المغربي السابق بالجزائر حسن عبد الخالق إلى أن الجزائر وإيران تربطهما علاقة نووية وثيقة تعود إلى عقود. ففي عام ٢٠٠٣ زار الرئيس الإيراني محمد خاتمي الجزائر، وتلته زيارات لأحمدي نجاد عام ٢٠٠٧ والمرحوم الدكتور إبراهيم رئيسي عام ٢٠٢٤، وكان الملف النووي على رأس جدول الأعمال.
حسب تقرير نشرته مجلة "الجيش" اللبنانية فإن إيران اشترت عبر الجزائر كميات كبيرة من ثاني أكسيد اليورانيوم من الأرجنتين ليتم تكريره في منشآت جزائرية ثم إرساله إلى طهران، ما يعني أن الجزائر كانت جسراً لتزويد إيران بالمواد الأولية لبرنامجها النووي.
كما كشفت مجلة "الجيش" اللبنانية أن الجزائر استقبلت عدة علماء نوويين إيرانيين بعد الاغتيالات الإسرائيلية التي طالت علماء إيران وعلي رأسهم البروفيسور محسن فخري زاده، والدكتور علي سعيد محمدي علماء الفيزياء النووية بجامعة طهران، بهدف حمايتهم وتأمين استمرار البحث النووي بعيداً عن رقابة الموساد مع الإستفادة في الوقت نفسه من خبراتهم
من جهة أخري كان الجار المتربص بالجزائر أكثر قلقًا من هذا البرنامج النووي، فبينما الصراع حول الصحراء المغربية والتنافس على النفوذ في المغرب العربي بين الجزائر والمغرب علي أشده، والخلافات السياسية العميقة فيما بينهما، فقد ألمحت المغرب عن امتعاضها من امتلاك الجزائر للسلاح النووي واعتبرته تهديداً وجودياً للمملكة المغربية وتونس، مُحَذِّرة في الوقت ذاته من أن المفاعل النووي الجزائري يُشكل خطراً على المغرب ودعا الرباط إلى اليقظة. هذا التحذير لم يأتِ من فراغ فالمغرب يدرك أن الجزائر تمتلك مخزوناً ضخماً من اليورانيوم يقدّر بـ ٢٩ ألف طن، وهو ما يكفي لتشغيل مفاعلات نووية لعقود.
المغرب الذي لا يمتلك أي مفاعل نووي يشعر بالقلق من أن الجزائر قد تستخدم برنامجها النووي كورقة ضغط لإجبار الرباط على التراجع في ملف الصحراء الغربية، بل إن الجزائر نفسها تشير إلى أن المغرب لجأ إلى إسرائيل للحصول على ضمانات أمنية ودعم تقني في مواجهة التهديد الجزائري، وهو ما يفسر التقارب المغربي الإسرائيلي المتزايد في السنوات الأخيرة.
لكن ما يدعوا للحيرة والإستغراب الشديدين هو صمت إسر١ئيل عن هذا البرنامج النووي لحوالي ٤٣ عامًا، وإذا به يظهر فجأة في المفاوضات،الأمريكية _ الإيرانية لوقف الحرب!!
إسرائيل التي اغتالت العشرات من العلماء النوويين الإيرانيين والتي قصفت مفاعل العراق عام ١٩٨١ والتي هددت مراراً بتدمير المنشآت النووية الإيرانية، تصمت بشكل مريب حيال البرنامج النووي الجزائري. فلماذا؟
علي الصعيد الشخصي أجد ثلاث تفسيرات لهذا الصمت أضعها بين يدي القارئ:
أولاً: إسرائيل لا تعتبر الجزائر تهديداً: حيث البعد الجغرافي المترامي يجعل من الجزائر دولة بعيدة عن دول الطوق، والأمر يختلف عن إيران التي اضحت علي بعد خطوات من امتلاك القنبلة النووية، بينما الجزائر لا تزال في مرحلة البحث. إلا أن حضور مفاعل السلام النووي الجزائري اليوم علي طاولة المفاوضات يؤكد حقيقة أن مفاعل "السلام" بإمكانه إنتاج ٣-٥ كيلو جرام من البلوتونيوم سنوياً وهو ما يكفي لصنع قنبلة واحدة على الأقل.
ثانيًا: إسرائيل كان لديها معلومات استخباراتية لطمأنتها ولو مؤقتاً: فالمخابرات الإسرائيلية على علم بأن الجزائر لم تتخذ القرار السياسي النهائي بتحويل البرنامج إلى عسكري، لكن هذا لا يمنع القلق، خاصة مع التحالف الجزائري الإيراني.
ثالثاً: الجزائر ليست إيران وإسرائيل قد ترى في الجزائر حليفاً محتملاً ضد التطرف الإسلامي كما تصفه الجزائر نفسها منذ عقود بعد تحييد الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
ويبقى البرنامج النووي الجزائري من أكثر ملفات المنطقة غموضًا. وبين الوثائق الرسمية والتقارير الاستخباراتية والنفي الجزائري، تظل حقائقه الكاملة غير معلنة. لكن عودته إلى الواجهة بعد أكثر من ٤٣ عامًا تطرح سؤالًا مشروعًا: هل كان الصمت الإسرائيلي اطمئنانًا استخباراتيًا، أم تأجيلًا لملف عاد اليوم إلى قلب التوازنات الإقليمية؟
------------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيـز بكير






