رئيس قسم الأدب الشعبي بأكاديمية الفنون: من ساحات «سيدي الفرغل» بدأت رحلتي مع السيرة والهلالية
- السيرة الهلالية من تأليف النساء وغناء الرجال.. والرواة لم يستطيعوا وأد الحس النسوي فيها
- السيرة بقيت حية لأنها احتشدت بكل نماذج البطولة والحب والحرب والرحلة
- الثقافة الشعبية قادرة على مواجهة التطرف لأنها تعبر عن الخبرة الحقيقية للناس
- التراث الشعبي أحد مفاتيح فهم المجتمع المصري والأمثال الشعبية تعبر عن فلسفة المصريين في الحياة
يمثل الدكتور محمد حسن عبدالحافظ امتدادًا لجيل الرواد الذين أسسوا لدراسة الأدب والتراث الشعبي في مصر، ذلك المسار العلمي الذي بدأ مع سهير القلماوي، تلميذة طه حسين، حيث دشنت الاهتمام الأكاديمي بحكايات ألف ليلة وليلة داخل جامعة القاهرة، ثم تواصل مع جهود أحمد مرسي وأحمد شمس الدين الحجاجي اللذين أسهما في ترسيخ الدراسات الميدانية للأدب الشعبي، وإدخال السيرة الشعبية إلى الحرم الجامعي.
في هذا السياق، جاءت تجربة عبدالحافظ ابن محافظة سوهاج العريقة امتدادًا لهذا المشروع الفكري، عبر انشغاله العميق بالسيرة الهلالية، والخيال الشعبي، وعلاقة التراث بالوعي الجمعي، إلى جانب اهتمامه بقضايا السرد والجنوسة والمرجعيات الثقافية الكامنة في الوجدان المصري. وقد قدّم عددًا من المؤلفات والدراسات المهمة، من بينها: «المرأة المصرية ومآزق الفعل السياسي في مصر» (1997)، و«سيرة بني هلال: روايات من جنوب أسيوط» في جزأين (2007)، إلى جانب المسرحية الموجهة للأطفال «لعبة الغولة»، وكتب: «السرد والجنوسة في سيرة بني هلال»، و«مدنية الثقافة ومرجعيتها الشعبية»، و«حكاية العقيلي الإماراتية والرواية المصرية للسيرة الهلالية: فضاء التداخل النصي»، و«سيميائية السيرة الهلالية»، وفي هذا الصدد كان لجريدة المشهد هذا الحوار معه
* كيف أثرت نشأتك الأولى في اهتمامك بالأدب الشعبي؟
- كان للنشأة الأولى الدور الحاسم في التكوين وتشكيل الوجدان المتصل بالثقافة الشعبية، إذ وُلدت في قرية عتيقة من قرى أبنوب بمحافظة أسيوط، تقع على الضفة الشرقية للنيل، اسمها "الواسطة"، تعلمت فيها مبادئ القراءة والكتابة قبل سن الانخراط في المدرسة. ثم عاد بنا أبي إلى مدينته الجميلة "أبوتيج" (على الضفة الغربية من النيل) قبل أن أتم الخامسة، حيث درست حتى المرحلة الثانوية. تتمتع أبو تيج بعدد كبير من الأضرحة ومقامات الأولياء، على رأسها مقام وضريح سيدي الفرغل الذي ينعقد له مولد سنوي لمدة أسبوعين. يمثل المولد فضاء واسعًا لممارسة العادات والمعتقدات والمعارف والفنون الأدائية والأدبية: الإنشاد والقصص الديني الشعبي وأغاني زيارة الأولياء وأغاني الحنين إلى الحج وأغاني الطهور والموال والتحطيب والأراجوز والعزف على الآلات الموسيقية الشعبية.. إلخ. وفي سنوات نشأتي بأبوتيج أدخلني عم حسين مسعود دروب السيرة الهلالية، حيث كان يزور "مولد سيدي أحمد الفرغل" كل عام، واعتاد أبي مجالسته مع أصدقاء آخرين لهما. شاركتهم الإنصات إلى صوت الشاعر جابر أبو حسين منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، تواصلت علاقتي بالسيرة وبعم حسين الذي كان واحدًا من أبرز شراحها ومفسريها بالنسبة إليَّ. بالإضافة إلى تفاصيل الحياة الشعبية التي عشتها بانغماس شديد في المدن والقرى المحيطة.

* من الأكثر تأثيرًا في حياتك الأكاديمية؟
- تكونت معرفيًّا وأكاديميًّا خلال سنوات دراستي بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة (مرحلة الليسانس والماجستير)، وقد تأثرت بعدد من الأساتذة الأفذاذ خلال هذه السنوات، لكل منهم إسهام خاص في تكويني: نصر حامد أبو زيد، سليمان العطار، عبدالمنعم تليمة، سيد البحراوي، أحمد شمس الدين الحجاجي، نبيلة إبراهيم، أحمد مرسي (رحمهم الله جميعًا). ووقع اختياري للأدب الشعبي موضوعًا للدراسة في سياق الإنجازات العلمية لهذا القسم العريق، وتتبدى في محطات متتالية خلال القرن العشرين. من أهمها: استهلال دراسة الروائع الأدبية الشعبية بحكايات ألف ليلة ولية في الأربعينيات (سهير القلماوي)، إنشاء كرسي الأدب الشعبي في مطلع الخمسينيات (عبدالحميد يونس)، الاعتماد على المسلك الميداني لجمع الأدب الشعبي في الستينيات (أحمد مرسي)، تواصل الجهود التي دعت إلى دراسة أنواع الأدب الشعبي، وأسست لها وأضاءت أشكال التعبير فيها (منذ دعوة أمين الخولي، مرورًا بجهود أحمد ضيف وأحمد أمين وفؤاد حسنين علي وعبدالعزيز الأهواني ومحمد حسين كامل وحسين نصار ونبيلة إبراهيم وسيد البحراوي)، ثم دخول الشاعر الشعبي إلى أروقة الجامعة، وتوالت عروض السيرة الهلالية في رحابها خلال الثمانينيات والتسعينيات (أحمد شمس الدين الحجاجي). وكان لـ صلاح الراوي وإبراهيم عبدالحافظ (رحمهما الله) دورًا مهمًا في حياتي الأكاديمية، بعد انضمامي للهيئة التدريسية لأكاديمية الفنون عام 2009.
* أي الكتب أو الدراسات تشعر أنها الأقرب إليك إنسانيًّا وفكريًّا؟
- هناك كتب كثيرة، في هذا المضمار، إبداعية ومعرفية وعلمية، قديمة وحديثة، ليس في الوسع ذكرها جميعًا، منها: "ألف ليلة وليلة"، "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم" لوليم لاين،"من بعيد" لطه حسين، "مدخل إلى الشعر الشفهي" لبول زموتور، "الهواء وأحلام الرؤى" لبشلار، "مولد البطل في السيرة الشعبية" لأحمد شمس الدين الحجاجي، "خطاب الحكاية" لجيرار جينيت، "الخيال عند ابن عربي" لسليمان العطار، "السرد والزمن" لبول ريكور. "مفهوم النص" لنصر حامد أبو زيد، "محتوى الشكل في الرواية" لسيد البحراوي، "نهاية الداعية" لعبدالإله بلقزيز، "السحر الأغرب" لمارينا وورنر. "الثقافة الشعبية وأوهام الصفوة" لصلاح الراوي.

* هل ما زال التراث الشعبي قادرًا على تشكيل الوعي الجمعي للمصريين؟
- المسألة هنا تتعلق بعلاقات وعمليات متشابكة، بين اللاوعي الجمعي والتراث الثقافي والوعي الجمعي، بحسب مفاهيم إميل دوركايم وكارل يونج. يمثل اللاوعي الجمعي قاعدة الهرم، بوصفه مستودعًا للرموز والأسطورة والأحلام والذاكرة الإنسانية. أما التراث الثقافي، فيمثل مكونًا من مكونات اللاوعي الجمعي، وللاوعي الجمعي دور راسخ وعميق في ممارسة هذا التراث ونقله، ولا يعني غياب قيم أو عناصر ثقافية في سياق تاريخي واجتماعي ما موتًا أو اضمحلالاً أبديًّا؛ فإذا كان التراث الثقافي في مصر هو محصلة فواعل وطبقات حضارية متراكمة وغارقة في القدم وكامنة في اللاوعي، فإن اللاوعي الجمعي يعمل على دفع طبقة أو عناصر منها إلى إدراك الوعي، دون غيرها من العناصر التي تظهر في سياقات أخرى. هذه العملية، على هذا النحو، جارية باستمرار في تشكيل الوعي الجمعي.
لقد أنتجت الجماعات الشعبية كمًّا نوعيًّا من المنتج الثقافي: قصة ومثلاً ونكتة وسيرة.. إلخ، للتعبير عن موقف هذه الجماعات من العالم والحياة، إدراكًا أو تفسيرًا أو تبريرًا أو سخرية، حسب الموقف والسياق وطبيعة كل نوع ووظيفته، مما يجعل من الأنواع الأدبية الشعبية أنواعًا حتمية، لإحداث التوازن والمقاومة.
* أين يمكن أن نرصد هذا الجانب اللاوعي لحضور التراث الشعبي في الواقع؟
- يمكننا أن نطبق الفكرة على الأمثال الشعبية التي نجدها كامنة في اللاوعي الجمعي، ولا يستقيم معناها إلا في سياق مواقف واقعية وتجارب حية يستدعي مثلاً شعبيًّا بعينه ليضيء الوعي بهذا الموقف.
* لماذا المثل الشعبي بالتحديد؟
- المثل الشعبي من أكثر الأنواع الأدبية الشعبية شيوعًا وأداء على ألسنة الناس، لأنه وثيق الصلة بمختلف المواقف الإنسانية التي تمر على الأفراد والجماعات بصورة يومية. وكل مثل شعبي يعود في أصله إلى تجربة إنسانية أو واقعة تاريخية أو حدث واقعيّ جرى في الماضي، ويتم استنبات المثل في الحاضر بوصفه صورة رمزية مكثفة لمختلف تلك التجارب والوقائع والأحداث، وقد يخرج المثل في البدء من شفتي فرد ويخبره أو تتلقاه جماعة صغيرة تعبيرًا عن موقف أو حدث أو واقعة أو خلاصة لحكاية متداولة، ثم يتواتر تناقله في المكان والزمان، ليشيع ويستقر، وفقًا للخصائص اللغوية والرمزية والإشارية الكثيفة التي يتمتع بها المثل. وخلال هذا التمدد الزماني والمكاني للمثل، تتباعد الحكاية أو الواقعة الأولى (الأصلية) التي أنتجت المثل (مورد المثل)، بشخوصها وزمنها ومكانها، إلى حد النسيان المطلق.

* هذا يقودنا للسؤل حول إمكانية معرفة أصل المثل؟
- يمثل أصل المثل، أو البحث في منشئه، أمرًا صعبًا ومعقدًا للغاية، ويستلزم جهدًا، لا يتناسب مع أهمية النتائج التي قد يتوصل إليها الباحثون في هذا المجال. والأهم من ذلك في رأيي العمل على اكتشاف فلسفة الجماعات الاجتماعية المصرية ووعيها الكامن في أمثالها، واستثمار القيمة الرمزية لهذه الأمثال، لتصير أداة إبداعية في عمليات التعلم والتربية والتوجيه والتنمية، والعمل على مواجهة الرؤى المتطرفة لدى بعض رجال الدين وبعض النخب تجاه الأمثال الشعبية، بدعوى أنها متناقضة مع بعضها البعض، أو أن أكثرها مصوغ صياغة عامية وسوقية، أو أن بعضها يحث على التمسك بقيم سلبية كالخضوع والنفاق والبلادة.. إلخ، بل تُتهم بعض الأمثال بأنها تعبر عن الكفر والإلحاد والمروق.. إلخ.
* وكيف ترى هذا الأمر؟
- كل هذه الآراء تجهل عددًا من الأمور، منها أن مغزى المثل الشعبي لا يتحقق إلا في سياق موقف واقعي بعينه. أما من يقيمون المثل الشعبي بمعزل عن السياق الواقعي الذي يضرب فيه (مضرب المثل)، فإنهم يفتقرون لفهم المغزى من المثل، وللوظيفة التي نشأ وانتشر من أجل القيام بها، ويغضون الطرف عن طبيعة المواقف في الحياة الإنسانية اليومية التي تتسم بالتنوع والاختلاف والتباين الحاد والتناقض.. إلخ. فعندما نقول: "إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب". و"القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"، فإننا نراهما بوضوح مثلين متناقضين، ويحملان قيمتين سلبيتين، فالأول يحض على الإسراف، والآخر يحض على البخل. ويبدو هذا مقنعًا، ظاهريًّا، لكن الحقيقة أنه قائم على وعي زائف، ما لم نفهم ونعي المناسبة أو السياق الذي يضرب فيه كل مثل على حدة، حيث نكتشف أن المثل الأول يضرب ليقاوم البخل، والآخر يضرب ليقاوم الإسراف، ولنفهم أن هذه الأمثال الشعبية إنما يتداولها الناس ليحققوا بها حالة من التوازن والتكافؤ الاجتماعي والنفسي في حياتهم اليومية. ولو طبقنا هذه الملاحظات على الأمثال التي تتناول "الكذب"، فإني أدعوكم أن تتخيلوا سياقات تداولها لتفهموا المغزى منها، وأن تتمعنوا في المعنى العميق وراء التركيب البسيط الذي يتشكل منه المثل، وأن تجتهدوا في الحصول على الدلالات البعيدة عن ظاهر الكلام/الألفاظ، فعندما تسمعون المثل القائل: كدب مساوى ولا صدق مجعرف. أو المثل القائل: كدب موافق ولا صدق مخالف، فلا نحسب ذلك دعوى للكذب؛ فكل الأمثال تنفر من الكذب والكذابين وتنتصر للصدق والصادقين (الكذب مالوش رجلين. ما ينوب الكداب إلا سواد وشه. اللي يكذب نهار الوقفه يسود وشه نهار العيد. الكداب تنحرق داره. شمعة الكداب ما تنورش. إن كان الكدب حجة يكون الصدق أنجى.. إلخ)؛ وانما هو أسلوب التفات يقصد به تقويم الصدق الذي يعوزه النظام والترتيب والرسوخ والهدوء والثقة بالنفس. ويحذر من انتصار الكذب إذا تسلح بهذه الصفات واستوفى تلك الشروط، بينما يفتقر إليها الصدق.
* لماذا ظلت السيرة الهلالية حية في الوجدان الشعبي رغم تغير الأزمنة؟
- أولاً: تمتع السيرة الهلالية بتنوع كبير على صعيد النماذج البطولية، فليس ثمة بطل أوحد أو بطل وبطل مضاد، إلا في سياقات جزئية، لكن على المستوى العام تحتشد بالأبطال الذين يمثلون وجهات نظر مختلفة وروى سردية متعددة.
ثانيًا: استوعبت السيرة الهلالية العناصر السردية الكبرى لمختلف السير الشعبية التي انقطعت عن الرواية الشفهية والحضور الحي في الوجدان الجمعي (الرحلة – الحرب- الحب- تيمة السواد- البطولة النسائية- الأدوات السحرية- الصراع القبيلي.. إلخ).
ثالثًا: اتسمت السيرة الهلالية بالمرونة التي ساعدتها على التشكل بصيغ حكائية وشعرية متنوعة حسب الذائقة الجمالية في المكان والزمان.

* خرجت في أطروحتك للدكتوراة بنتيجة مفادها أن السيرة الهلالية من تأليف النساء وغناء الرجال فكيف ذلك؟
- درج الباحثون على ربط السيرة الشعبية بعالم الذكور، فالخبرات الميدانية تشف عن أن رواة السيرة الشعبية (على تنوع طرائقهم) رجال، وأن متلقيها المباشرين الظاهرين (في الماضي والحاضر) رجال، وأن الفضاء السردي السيري (المُدَوَّن القديم، والشفهيّ المُحْدَث) من خلق الرجال، ويتحكم فيه الرجال، وتحركه الرجال. ويتبدى ذلك – بوصفه حقيقة موضوعية - في العمليات السرديَّة والأدائية المتراكمة لروايات السيرة الهلاليَّة، وفي جلّ مقارباتها البحثية.
دعتني جملة التجارب الميدانية والتحليلية المفعمة بالاكتشاف إلى التفكير في مقاربة جديدة انطلاقًا من أسئلة بدت في البدء غريبة:
هل الهلالية سيرة نسوية؟ هل تمنحنا المقاربة السيميائيَّة والتأويلية، لسرود السيرة الهلاليَّة، فرصة لتحليل الأدوار الاجتماعية والرمزية للنساء، داخل خطابات "السيرة الهلاليَّة" وخارجها؟ ولاكتناه أصواتهن التي قاومن بها هيمنة الرجال على اللغة بالكتابة؟ هل يقودنا ذلك الصنف من المقاربات إلى النظر إلى "السيرة الهلاليَّة" بوصفها فضاء للبطلات وللشخصيات النسوية (خضرا؛ الجازية؛ عطور الجيب؛ شَمَّا؛ شيحة؛ الناعسة؛ عالية؛ ريَّا؛ دَوَابَة؛ هُوْلَا؛ ميّ؛ عزيزه؛ سُعْدَى؛ شمعة؛ حُسنة؛ زُبيدة، وغيرهن)؟ وإلى افتراض نسج المرأة لحكايات "السيرة الهلاليَّة"، كحياكتها لحكايات "ألف ليلة وليلة"؟ هل المرأة في "السيرة الهلالية" شخصية سردية، وصوتًا سرديًّا فحسب؛ أم هي حس؟ يعني الحس (في الاستعمال اللغوي الشعبي المصري): الصوتَ، والنَفَسَ، والوجودَ المادي والمعنوي على السواء، على نحو ما يُفضي القول: "حِسَّك في الدنيا"، إلى علامات (دلالات) متناسلة على حضور الإنسان وخلوده، في رحلة عبوره، وهو قول متصل بالتصورات الفلسفية المصرية القديمة حول العبور إلى الخلود بعد الموت. ولا يتسع المقام هنا لسرد ما تجلى من دور بارز للمرأة في الحضارة المصرية القديمة، بينما أسست الحضارة الغربية مركزية الذكر على تصور أرسطو للمرأة بوصفها تشوُّهًا.
* متى بدأت هذه الفكرة تلح على عقلك؟
- لم تتأسس هذه الأسئلة في ذهني قبل التقائي بالسيدة رتيبة رفاعي، مطلع عام 1996، ذلك اللقاء الممتد إلى عام 1998. ففي استهلالها - المُوثَّق مرئيًا – تعيد السيدة رتيبة صوغ الأساس الذي يقوم عليه مولد البطل في السيرة الهلالية، حيث تستبدل بطولة "خضرا" ببطولة "أبو زيد"، ليتحول البطل المحوري من ذكر إلى أنثى. وفي الوقت نفسه، تعمل الراوية على تضفير تقاليد الأداء التي تلقتها عن أبيها، بمنظورها السردي، ومنها قيم البطولة التي تحملها الشخصيات الذكورية، كما تعمل على تبئير متعدد لخطاب سردي مُضْمَر؛ يؤدي إلى الإفصاح عن التلفظات السرديَّة الكاشفة عن جنوسة قيم البطولة في السيرة الهلالية، وتحريرها من سياجها الذكوري. كما يكتنز خطاب الراوية الحكائي بتفاصيل وأحداث وقيم متصلة بالنطاق الأسري والعائلي في السيرة، ويمثل إفصاح المرأة التلقائي عن علاقات القرابة والنسب، وعن تمثيل الأنثى لمشاعر تلك العلاقات، شغفًا طبيعيًّا في سردها، ليس على نحو تلاوة سلسلة القرابة والنسب الذكوري المعهود؛ وإنما القرابة والنسب الأنثوي أيضًا، مما يُسْرَد - أو لا يُسْرَد - في روايات الرجال، فـ"طِيْبَةْ" هي أم خضرا، و"نُهَى" بنت حمضل، وحسن أخو "الجاز"، و"عديلة" أم زيدان، وسرحان زوج "شمَّا".. إلخ.

* ما المختلف في رواية الست رتيبة؟
- تضع السيدة رتيبة النساءَ في مرتبة البطولة، أو ترتقي بالبطولة إلى مرتبة النساء، على نحو ما يتبدى من الوجود الحيوي للشخصيات البؤرية: "خضرا"؛ "الجازية"؛ "سُعْدَى"؛ "دَوَابة".. وغيرهن، في المشاهد المركزية لـ السيرة الهلاليَّة، وهو وضع لا يختلف عما نجده، على أنحاء متعددة، في خطاب الرواة – المؤدين - الشعراء الذكور؛ ذلك لأنه لا فكاك للراوي الرجل من الالتزام بالشفرات السرديَّة النِّسْوِيَّة، المضمرة والظاهرة، في السيرة الهلاليَّة.
من الحقائق الأولية، البدهية، أن قصة ما يمكن أن تحكى بطرق متباينة، وتظل إلى حدٍّ كبير القصة ذاتها، ومثلما بوسع المرأة خلق الحكاية، فإن المرء بوسعه تحويل قصة ما من وسيط تعبيري إلى آخر.
في الأساس السردي للسيرة الهلاليَّة، نفترض وجودًا خفيًّا، ومبهمًا، لـ"شفرات" حكائيَّة نسوية أولية؛ تتسم بقابليتها للتعديل، ظاهريًّا، بعمليات تشفير ثانوي، لكن الشفرات الأولى تظل منيعة في جوهرها؛ لأنها شفرات حدثيَّة، على نحو ما ينتجه سرد "رحلة خضرا إلى بلاد العلامات" من خطاب سردي إرشادي يقود شاعر السيرة – حتمًا - إلى "تشعير الرحلة"، وتسريدها، من منظور نِسْوِيّ. لكن الشعراء الحاذقين في تحويل شفرات الحكايات وترميزها، والبارعين في القيام بتدخلات تعاقبية عميقة، تنزع إلى تشويش الاتصال على محور الوضع الاعتباري للحس النسويّ في السرد، يوهمون بأن ذكورية الأداء والتلقي تنسحب على الخلق الفني والتاريخي للسيرة الهلاليَّة. كذلك الأمر بالنسبة إلى نصوص عديد النساء التي يتحاشى الرواة الرجال أداءها. ومن ثم، فإننا طرحنا الفرضية التي تقارب سيرة بني هلال بوصفها فضاء سرديًّا استراتيجيًّا، يتمازج فيه صوت النساء الحكائي المؤسس لقواعد السرد السيري، ولقيمه الرمزية، من جانب، وصوت الرجال الشعري المؤدي لها من جانب موازٍ. ويتنوع فيه، عبر شفرات الحكي النسوي، أداء الرجال، على أصعدة رئيسة: النوع الشعري، والمدرسة الموسيقية، وآلاتها.
* أين رصدت هذا الحس النسوي في السيرة الهلالية؟
- فرضيًّا، يتجلى حس النساء في عملية "تسريد" السيرة الهلالية، حيث تغتني السيرة بـ حكايات النساء، وبالموتيفات الدالة على وضعيتها السردية الفائقة والخفية في آن، وبالشفرات النسوية الخالصة، وبوجهات نظر المرأة، وبفعالية كل تلك المكونات الجمالية في استقطاب الرجال كي يحرسوا "السيرة الهلالية" ويؤدوها، ويعيدوا تشكيلها وترتيب مستوياتها السردية، دون أن يكون في مستطاع "هيمنة" الأداء الذكوري "وأد" حس المرأة وإبداعها السردي، بل الأدائي الذي أسهم في خلق جماليات السيرة الهلالية.
---------------------------------------
حوار: د. عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية






